المفاجأة الحقيقية لم تكن في عرض الهدنة ولكن في توقيت الخطوة, فقد كادت الهند ان تقنع نفسها بان اثارة موضوع الحكم الذاتي الموسع الذي اقره البرلمان المحلي في القسم الذي تسيطر عليه من كشمير سوف يغلق الطريق على دعوات الحوار الثنائي او الثلاثي الاطراف. وموضوع الحكم الذاتي الذي كانت تتمتع به كشمير قبل عام 1953, استغرق شهرين ليناقشه المجلس التشريعي الكشميري حتى اقره, بينما رفضته الحكومة الهندية عارضة الحوار على الكشميريين تحت مظلة الدستور الهندي. والحكم الذاتي ليس انفصالا, بل هو حكم موسع امهلت حكومة كشمير للموافقة عليه خلال ستة اشهر وهو لا يعطي الحكومة المركزية الكشميرية الا اربعة امور سيادية هي: * العلاقات الخارجية * الدفاع والحدود * الاتصالات * والعملة هذا الطرح الهندي عدته باكستان مسرحية هندية نسج خيوطها حزب (بهارتياجاناتا) الحاكم في نيودلهي وحزب (المؤتمر الوطني الكشميري) الحاكم في كشمير وهو شريك للائتلاف الهندي الحاكم في نيودلهي بزعامة بهارتياجاناتا. ويعد المراقبون ان مشروع الهدنة من اجل الحوار جاء لينسج مشروع الحكم الذاتي الموسع الذي يبقي على كشمير تحت السيطرة الهندية بحكومة موالية لها, فيما تحاول نيودلهي اقناع العالم انه خيار الكشميريين الذين دخلوا في حوار مضن مع نيودلهي للحصول عليه بعد ان رفضته الحكومة المركزية. وبعدما اصبحت الكره في الملعب الهندي, بدأت الاسئلة تترى عما يمكن ان تفعله الهند ازاء هذه المبادرة, وتشير المصادر الى ان الحكومة الهندية دعمت في البداية وقف اطلاق النار, لكن جنودها افسدوا ما يمكن ان تكون خططت له من جر باكستان والكشميريين الى طاولة التفاوض. المشهد الهندي هكذا يبدو غير سوي, فشروط بدء المحادثات التي تريدها الهند لا تتيح للطرف الآخر فرصا للقبول كما انها لا تمهد ارضية خصبة للحوار. لقد اشترطت الهند ان تبدأ المفاوضات بناء على بنود الدستور الهندي الذي يصف ولاية جادو وكشمير باعتبارهما جزءا من الاراضي الهندية, وهي نفس الشروط السابقة, لكنها هذه المرة لم تشدد تجاهها لانها كانت تعلم جيدا, ان باكستان لن ترضى بحل تطرحه الهند او حزب المجاهدين الذي انشق عن اقرانه. ويبدو ان هناك اطرافا ترفض انحسار العنف وتكره السلام وهي التي تفجر الازمات كلما اوشكت الامور ان تنفرج باية مبادرة سواء بالسلم او بالهدنة. وتكمن خطورة الوضع في اقليم كشمير المتنازع عليه بين الهند وباكستان في انه كان سببا في اندلاع ثلاثة حروب بين الدولتين منذ تقسيم القارة الهندية في عام 1947 والتي كان اولها عام 1965. ويرى مراقبون ان الهدنة التي اعلنها حزب المجاهدين لم ترق لباكستان فقررت انهاء السلام بقتل جماعات موالية للهند, في الوقت نفسه, تنفي باكستان ذلك عنها وتوجه اصبع الاتهام للجنود الهنود الذين يهدفون الى نسف اية هدنة وتشويه سمعة المجاهدين. وبين هذه الدولة وتلك فشلت كل الجهود التي بذلت لانهاء معاناة شعب كشمير, فلعبة القط والفأر التي تمارسها حكومتا الهند وباكستان لم تترك مجالا لوضع نهاية ما للصراع الذي يؤرق المنطقة ويغرقها ببحور الدم. والكشميريون على مدى خمسين عاما او تزيد, تشبعت نفوسهم بمشاعر الثأر والانتقام, لذا نجد الطرفين يبحث عن ثأره وعن انتصار يجبر احدى الدولتين على الانسحاب من كشمير. والغالب على مطالب الشعب الكشميري هو ان تسحب الهند قواتها وجنودها الذين يمارسون العنف وينتهكون حقوق الانسان, ولذا يبحث الكشميريون والباكستانيون احيانا في جبهة موحدة واحيانا في جبهتين عن ما يجبر الهند على التفاوض والقبول بشروط الطرفين. وتذكر استطلاعات الرأي ان اكثر من نصف الكشميريين يفضلون العيش في دولة مستقلة بدلا من ان يكونوا تحت سلطة باكستان او الهند, رغم ان سكان الداخل البوذيين يريدون الاستمرار بالعيش تحت الحكم الهندي. ويسيطر الهندوس على جامو بينما يسكن المسلمون (آزاد كشمير) وهو ما يعني كشمير المحررة ـ وساكنو هذه المناطق يشكلون 65% من مجمل السكان وهم الغالبية التي تفتعل الاضطرابات وتطالب بحكم مستقل. وبالتأكيد فان قضية استقلال كشمير تلقي بظلالها على باكستان كما الهند, فباكستان ليست مستعدة للقبول باستقلال (مقاطعة) طالما زودتها بالمال وبالسلاح وبالدعم اللوجيستي, انها لا تقدم ما تقدمه للكشميريين لكي تخلق دولة جديدة مستقلة على حدودها الشمالية حتى لو كانت امة مسلمة. ومعروف ان باكستان كانت ومازالت تريد ضم كشمير كمقاطعة شمالية لها منذ تجزئة الامبراطورية الهندية عام 1947, يتضح من هذا انه ليس هناك اقل حد من الضمانات لانهاء الحرب واعطاء الاستقلال لكشمير فهو امر غير مقبول اطلاقا لدى الهند او باكستان, وهو امر يضطرم مع الصراع الذي يشعل كشمير والهند وباكستان معا. ونجد ان استمرار باكستان بدعم المتمردين المسلمين يضع شوكة مستديمة في خاصرة الهند بينما يتأرجح احتمال او امكانية انضمام كشمير لباكستان يوما ما في انشوطة الثأر الهندي. امور كثيرة تحسب الهند لها حسابا في حال اعطاء كشمير الاستقلال ليس اهمها نزوع ولايات هندية اخرى للانفصال مثل البنجاب شمال شرق الهند, وبالتالي فان نيودلهي لا تجرؤ على اثارة مشاكل في هذه المناطق لذا ترنو لاحكام قبضتها على كشمير بالسلاح وبطرق القهر الاخرى. فرضيات الحلول ثلاث فرضيات تشكل احتمالات او اسئلة يطرحها الباحثون والدارسون والمراقبون والسياسيون معا تشكل الاجابات عنها قواعد لحل ممكن. وهي تعد سلسلة مترادفة من الفرضيات يمكن اختصارها كما يلي: * اذا ارادت الهند ان تتفاوض مع الانفصاليين. * اذا قبل المسلمون المسلحون شيئا اقل من استقلال كامل. * واذا توقفت باكستان عن تمويل المتمردين. هذه الفرضيات التي تبدأ باداة الشرط غير الجازمة (اذا) تطمح الى الاجابة عن سؤال واحد هو هل يحل السلام في حال تحقق احداها؟ للاجابة عن هذه الفرضيات ينبغي ان تفهم مدخل كل طرف من الاطراف المتنازعة لفهم النزاع نفسه ثم ان تبحث في الخيارات المتاحة لحل النزاع لتصل الى توقع افاق التسوية. في البدء ينبغي القول ان هناك عقبات كثيرة تعترض طرق ايجاد اي حل للنزاع حول كشمير, منها انعدام عامل الوحدة داخل المقاومة الكشميرية, ثم تصلب الهند, ويأتي بعد ذلك غياب سياسة باكستانية طويلة المدى, كل ذلك في اطار محيط دولي عدائي. ومرد هذه العقبات هو اختلاف الاطراف الثلاثة المتنازعة من حيث وجهات النظر او فهم حقيقة النزاع واختلاف المطالب ويعد الشعب الكشميري اهم هذه الاطراف جميعا, لان الصراع اصلا يتمحور حول (تحديد رغبة هذا الشعب) . تفيد مصادر بحثية كثيرة ان ثلاث وجهات نظر تكونت حول هذا الموضوع, اولها وجهة النظر الهندية باعتبارها البادئة بهذا الصراع اصلا بفعل احتلالها للمنطقة. وترى الهند ان كشمير اصبحت قانونيا جزءا من الهند بموجب الانضمام الذي تم في سنة 1947, وان هذا الاقليم قد اوضح عن رغبته بالانضمام للهند مرات عديدة عبر انتخابات محلية كانت ترتبها الهند بالطبع ويشكك الكثيرون في شرعيتها ومصداقيتها. وتثار شكوك كثيرة حول وثيقة الانضمام فهناك اطراف دولية منها الامم المتحدة تشكك في كون وثيقة الانضمام قد وقعت فعلا, والتي يدعمها تصريحات المسئولين الهنود حول (الطبيعة المرحلية) لقضية الانضمام والتي تخضع لنتائج الاستفتاء الشعبي الذي ينبغي ان يتم تحت اشراف الامم المتحدة والذي لم يتم منذ عام 1947 حتى اللحظة. ويشير مسئولون في الامم المتحدة الى الضمانات التي اعطاها المسئولون الهنود للامم المتحدة بان الانتخابات التي تجري في الولاية لن تكون بديلا للاستفتاء, ومن هنا ينظر الى ان وثيقة الانضمام لم توقع فعلا والا لكان موقف الهنود اقوى من ذلك. ويأخذ كثيرون على الهند تزويرها الانتخابات المحلية التي تمت في كشمير والتي حرمت الشعب الكشميري من ممارسة حقه السياسي, ويعد هذا احد الاسباب الرئيسية التي ادت الى ظهور حركة المقاومة الشعبية الحالية التي تشكل خرقا للادعاء الهندي الذي يقول برغبة الكشميريين الانضمام للهند. وجهة النظر الباكستانية تختلف بالطبع عن وجهة النظر الهندية, فباكستان ترى ان رغبة الشعب الكشميري لم تعرف على حقيقتها منذ سنة 1947, ولذا فلابد ان يعطي الكشميريون فرصة الاختيار بين الهند وباكستان عن طريق استفتاء يعقد في كشمير طبقا لقرارات الامم المتحدة. ويعتقد الباكستانيون ان الغالبية العظمى من شعب كشمير ستفضل الانضمام الى باكستان اذا ما جرى هذا الاستفتاء, لكن امرا مهما ينبغي وضعه في الاعتبار هو ان باكستان مثل الهند لا تود مناقشة قضية انشاء دولة كشميرية مستقلة. اما الطرف الثالث وهم المقاومة الكشميرية فهي, وفق نفس المصادر, منقسمة على نفسها, فجبهة تحرير جامو وكشمير والمنظمات الصغيرة الاخرى التي تسعى لاستقلال كشمير, تود ادراج خيار الدولة الكشميرية المستقلة الى جانب خيار الانضمام للهند او باكستان في حالة اجراء استفتاء شعبي. في المقابل نجد حزب المجاهدين والمنظمات المتآلفة معه تحث على تفضيل الانضمام الى باكستان فهي التي تدعمه ماليا وعسكريا ولوجيستيا ومعنويا, بل وتدرب افراده, المهم في الامر ان كلا الطرفين (دعاة الاستقلال ودعاة تطبيق قرارات الامم المتحدة) يدعي ان جماهير كشمير تسانده في مطلبه. خلق هذا التضارب بين وجهتي النظر هاتين استراتيجيتين مختلفتين اتاحتا للهند ان تضرب طرفا بآخر لتطيل فترة سيطرتها على كشمير, لكن ماهو مؤكد ان هناك نقطة التقاء بين استراتيجيتي الطرفين وهي عدائهما للهند واقتراب وجهة نظرهما للطرف الباكستاني. ذلك لان باكستان تؤكد في كل مناسبة على حق الشعب الكشميري في تقرير مصيره بينما ترى الهند ان كشمير جزء لا يتجزأ من الهند, وهذا ما جعل الاخيرة ترفض عدة قرارات حول كشمير كانت قد اصدرتها منظمة المؤتمر الاسلامي. ويرى كثيرون ان صانعي السياسة الباكستانية الخارجية لم يعطوا الاهمية المطلوبة للمستويين الاقليمي والدولي من اجل حل قضية كشمير. * منهم اولا لم يستطيعوا تحديدا معرفة الحجم الحقيقي لقوة العالم الاسلامي سواء على المستوى الدولي او على المستوى المجتمعي. * لم تقم ثانيا باكستان باستثمار هذا الدعم الهائل لصالح قضية كشمير مثلما استثمرته في قضيتها مع افغانستان. * اضافة الى انه ليس هناك وعي حقيقي في العالم الاسلامي بقضية كشمير وطبيعة النزاع في هذا الاقليم. * عامل آخر يضاف هو ان الهند تربطها علاقات قوية اقتصادية مع معظم الدول الاسلامية وعلى رأسها دول الخليج العربي, فهي تستورد النفط من هذه الدول منذ تفكك الاتحاد السوفييتي السابق, اضافة الى ان عدد العمالة الهندية في الدول العربية يفوق الملايين, وقد فشلت باكستان في قطع هذه العلاقة ولو كانت نجحت لاصبحت الخسائر الاقتصادية للاحتلال الهندي لكشمير اكثر ثقلا على هذه الدول. هذا الصراع الهندي ـ الباكستاني على كشمير ولد تنافسا خطيرا في التسلح للبلدين بهدف حسم النزاع لصالح احدهما, وقد تزايد هذا الاعتقاد بعد تأكيد الادارة الامريكية ان هناك علاقة بين قضية كشمير وامكانية قيام حرب نووية بين الهند وباكستان. ويمكن استحضار قول الرئيس الامريكي بيل كلينتون امام الجمعية العامة للامم المتحدة في خطابه في الدورة 48 للجمعية في هذا الشأن اذ قال: (تشتعل الحروب الدامية العرقية والدينية في انجولا والقوقاز وكشمير, واذا ما تواصل حصول جهات اكثر على اسلحة الدمار الشامل فان الصراعات الصغيرة تنذر بالانقلاب الى حجاز حقيقية, وقد نقود اخطرها الى حرب نووية) . يحيلنا هذا الى ان الولايات المتحدة يمكنها لعب دور هام ونشط في الوساطة بين الهند وباكستان في اطار اهتمامها الشامل بقضية (منع انتشار اسلحة الدمار الشامل) . ويرى الباحثون ان خطة باكستان لجعل الولايات المتحدة تتدخل في قضية كشمير يمكن ان تؤدي الى فرض حل غير عادل من قبل امريكا يتجاهل رغبة الشعب الكشميري وآماله تماما مثلما حدث في القضية الفلسطينية حيث لم يحصل الفلسطينيون سوى على 2% تقريبا من مساحة الارض التي كفلتها لهم قرارات الأمم المتحدة رغم اختلاف وضع كشمير عن وضع فلسطين. بقلم: لهيب عبدالخالق