خمسين أسرة قد تسيطر على أبرز قطاعات الاقتصاد في الصين في هذا السيناريو فإن ثقافة الصين القومية تتجدد, وتصبح أساس نهضة الصين الحديثة للأسرة ـ كما أسلفنا مراراً ـ مكان رفيع في الثقافة الصينية. وهنا تصبح روابط الاسرة عبارة عن شبكات قومية متداخلة تربط الناس بعضهم ببعض. إننا لا نتحدث هنا عن القرى, كما قد يتبادر الى الذهن, ولا عن المدن كذلك, وانما عن خيوط نافذة تربط الشعب كله بروابط القرابة والرحم, أكثر مما تربطه روابط القومية والوطنية. وهذه الأسر ستتلخص اخيرا في نحو خمسين اسرة كبرى تسيطر على الصناعات والشركات وكل قطاعات الاقتصاد, لا في الصين وحسب, وانما في بعض الأقطار الاجنبية, التي يتركز فيها صينيو الشتات, ويسيطرون فعلا على جانب كبير من اقتصادياتها. هذا السيناريو يبدو في ظاهره وكأنه سيناريو تجزئة ولكنه في حقيقته سيناريو تجاوز للحكومة فقط, واستلاب لسلطتها في مجال الاقتصاد, مع ابقاء سلطاتها كاملة في مجال السياسة والحكم المركزي المتمكن الذي يمنع بكل الصرامة الممكنة, والعنف ان اقتضى الامر, اي بوادر لتشقق البلاد أو تجزئتها, وبأي دافع كان, فوحدة الصين حتى ولو على حالها البائس, تسمو على أي هدف مستقبلي احتمالي آخر. بمساعدة وسائل الاتصالات الحديثة, وبرأس المال المتراكم, تصبح كل اسرة من هذه الاسر الخمسين الضخمة, مترابطة ومتكاملة اقتصاديا, في كل النواحي الصناعية والمعرفية ومسائل الشحن والتجارة الخارجية... الخ حتى تغدو كل اسرة مثيلا لأسرة (ميتسوبيشي) اليابانية العملاقة والأسر اليابانية الاخرى التي تضاربها شأن (هوندا) و(ميتسيوي) وغيرها من الأسر اليابانية المكونة لما يسمى (اتحاد المنظمات الاقتصادية) التي اعتبرت لمدة اربعين عاما بعد 1945 بمثابة الحاكم الحقيقي لليابان. زيامين ـ فيوجيان قتل جد ويو يويجينج اثناء تنفيذ الشيوعيين للاصلاح الزراعي, مع انه لم يكن سوى مالك ارض صغيرة, لم تشأ الدولة ان تتركها له فصادرتها, وحاول هو ان يحول دون ذلك بلا جدوى, فقتل, وأجبر ابناؤه على ان يعملوا كفلاحين عاديين ينتجون الارز للدولة ومن هؤلاء تمكن والد ويو يويجينج وأخ آخر له من الهرب الى تايوان, وهنالك ولد ونشأ ويو يويجينج, ولكنه لم ينس اصوله ابدا, فعلم ان له ابناء عمومة بكل من سان فرانسيسكو, ومانيلا, وجاكرتا, وآخرين لا يزالان يقطنان الصين, أحدهما في منطقة والآخر في منطقة اخرى باقليم فيوجيان. إن هؤلاء الافراد المنحدرين من سلالة ذلك القتيل في عنف الاصلاح الزراعي, لا يحسون بأنهم صينيون. فما هي الخصوصية في ان يكون الانسان صينيا؟! ان أي فرد آخر يعرفونه هو صيني ايضا, وأكثر من ذلك فإن اكثر من مليار انسان هم ايضا صينيون! ان يكون المرء صينيا فهذا معنى تجريدي, لا يقل عن معنى ان يكون الانسان انسانا, واحدا من سلالة البشر, أو فردا واحدا من النوع البشري قاطبة. ولذلك فإنهم يحددون لأنفسهم انتماء أدق, ذا معنى ومغزى اهم, فهم اذن من منطقة زينكسيو وتحديدا من قرية هوكين. إن والد ويو يويجينج, الذي هرب الى تايوان, واسمه ويو كوانج, لم يقطع صلاته بالصين الى الأبد, وقد ظل يشارك سرا أو علنا في مشروعات اقتصادية كثيرة في المنطقة, تتراوح ما بين المطاعم والمصانع, وظل يمول مشروعات الآخرين بالطريقة التقليدية القديمة, حيث يعطيهم القروض من دون فوائد, بل ومن دون أخذ ضمانات لاسترجاع تلك القروض, وهو يقول لمن يقرضهم مالا: هل تعدون بإرجاع ذلك المال أم لا؟ بالطبع انكم سترجعونه, وإلا فإنه العار الذي سيلحق بكم الى الأبد, وستريق الفضيحة كل رواء وجوهكم, وتصبحون حينها أمثولة بين الناس, إن ذلك الثمن الباهظ الذي ستدفعونه هو أثقل بالتأكيد من مبلغ المال الذي استوليتم عليه, وأصعب من أي جهد يمكن ان يبذل في سبيل تحصيل ذلك المال! رافد من كاليفورنيا هكذا تأسست النواة الاقتصادية لتلك الأسرة التي ظلت تنمو, وتنمو, وظلت روابط القربى تمثل عندها الضمانات, وكل الحوافز اللازمة للحفاظ على رأس المال, ولتنميته على الدوام, وعندما اعلن دنج شياو بنج في الثمانينيات عن انشاء المناطق الاقتصادية الخاصة بساحل الصين الجنوبي, اخذ ويو كوانج يتسلل الى داخل الصين مرات كثيرة, وفي كل مرة كان يحضر معه مظاريف حمراء محشوة بالمال لمساعدة اقاربه واصدقائه في زينكيو وزيامين في تطوير مشروعاتهم الاقتصادية الحرة. وحينذاك كان ويو يويجينج قد تخرج بدرجة في الهندسة من جامعة كاليفورنيا, وبدأ يساعد والده في ادارة شئونه الاقتصادية. وبينما كان يدرس ويقيم بكاليفورنيا, تعرض الفتى ويو يويجينيج الى تأثيرات ثقافية متعددة, اسهمت في شحذ قواه الذهنية, وتوسيع مدى نظره للأمور. وعندما عاد كان قد طور علاقاته بفروع الاسرة الاخرى, في سان فرانسيسكو, وفانكوفر, ونيويورك, واتخذ من افرادها هناك قنوات لضخ المال لاستثماره في الصين, ولم يكن صعبا عليه ان يقنع اي فرد باستثمار امواله في الصين, فالجميع كان مقتنعا سلفا, بل يقف في انتظار تلك الدعوة, التي اخذوا يتنافسون على تلبيتها. ساعد ذلك على ان يقوم الوالد وابنه ببناء مصنع للأشرطة المدمجة, ومصنع آخر للدراجات ومجمع سكني, وتوسعت تلك الاعمال وتطور ت تطورا متلاحقا, حتى قام الوالد وابنه بتوظيف كل فرد في كسينكسو, وقد شقّ ذلك على الوالد والابن كثيرا لأنهما ما كان يحبذان توظيف احد من خارج الاسرة, ولكن هاهما يضطران لتوظيف كل أهل المنطقة, وحتى أصحاب اللكنة الذين لا يجيدون لسان الهوكين! وبإطلال سنوات التسعينيات اخذت صحة الوالد تتردى, فجعل يترك معظم مهامه في ادارة العمل لابنه, بينما تفرغ لقراءة كلاسيكيات التراث الصغيرة, ليرفد ابنه بخلاصاته الحكيمة, فيما يتصل بإدارة الاعمال وانجازها. أما الابن فقد كان درس ببيركلي شيئا من التاريخ الاقتصادي الامريكي, وعرف كيف قام رجال الاعمال الرواد بشق الطرق وبناء السكك الحديدية والجسور والموانىء, وعرف ان أولئك الرواد الأفذاذ العباقرة لم يستعجلوا لأخذ فوائدهم من رسوم العبور, أو غيرها من الضرائب والعوائد المباشرة, وانما من تأمين حق الانتفاع بالأرض المجاورة لتلك الطرق والجسور والموانىء... فقد أخذوا لأنفسهم حق بناء المتاجر والفنادق والمساكن حولها, فاستفادوا من ذلك اكثر مما كان يمكن ان تفيدهم الضرائب والاتاوات. أصبح الابن يفعل مع شركائه, من أفراد اسرته, الشيء نفسه, فجنى الارباح الطائلة حتى اصبح في سنوات قلائل احد مليارديرات العالم الكبار, واعتبارا من عام 2003 بدأ اسمه يخترق تلك القائمة, ولم يغادرها لأي عام بعد ذلك... وقد كانت تلك القائمة تبدو مسلية له عندما يطالعها كل عام, وكان يسخر من شأن القائمين عليها, لأنها لم تكن تحصي كل امواله, ولم تكن ترصد الا ما يتراوح ما بين عشر الى ربع تلك الاموال. الشغل مع الكبار كما يحدث في بقية انحاء العالم من ترجمة النجاح الاقتصادي الى نجاح سياسي, فقد اخذ ويو يويجينج يدخل عالم السياسة بقوة ولكن بحذر, وبأسلوب غير مباشر. اصبح صوته يتعالى احيانا على تعيينات الحزب لبعض المهام الاقليمية والعمد, والقضاة, بدعوى انهم لا يساعدون, أو ربما انهم يعوقون النهضة الاقتصادية بالاقاليم التي يعمل بها, ثم خطا خطوة ثانية, اذ اصبح يقترح بطريق ايحائي تعيين البعض ممن يختارهم لتلك المناصب, بوصفهم أفضل من يقومون بدفع عملية النهضة الاقتصادية الى الأمام. ومع توطد نفود ويو يويجينج السياسي أصبح الناس ينظرون اليه نظرة مزدوجة كصاحب نفود مالي وسياسي في الوقت نفسه, ولم يكن ذلك هو حاله وحده, انما حال عدد من أترابه, الذين هم نحو خمسمئة, من كبار رجال المال حيث أصبح الناس, بل اصبح الناس, بل اصبح كوادر الحزب الشيوعي أنفسهم يدعونهم بـ (الكبار) الذين يمكن ان يكلفوا الحكومة أو البرلمان بإجراء التحقيقات عن أي عوائق, تهدد أعمالهم التجارية, كما قد يضعون مشروعات قرارات يصدرها الحزب أو الدولة, بتحقيق مصالح معلومة لهم. وبقدوم عام 2007 بدأ ويو يويجينج يفكر بشأن أكبرهو شأن تايوان, محاولا جرها بثقلها كلها الى الصين, وكان يظن ان من الغباء التفكير في أمر مثل هذا من قبل, أما الأن فإنه اصبح يراه ألزم الأمور وأحقها بالتفكير والتدبير, ان الأمر لم تعد فيه حساسيات أيديولوجية, فقد ذابت تلك الايديولوجيا, الا قليلا, وما بقي منها اصبح لا يتعدى السؤال: من يسيطر على من؟ وهو سؤال عديم المعنى, في الحقيقة, لأنه بغض النظر عمن يسيطر في النهاية, فإن الكل سيستفيد من أي عملية توحيد أو دمج لجزئي الصين, وهكذا استطاع ويو يويجينج ان يبدأ مفاوضات جزئية مع الطرفين, فاقنع حكام تايوان بالاعتراف لحكومة بكين, بالسيادة على عموم أرض الصين, كما اقنع حكومة بكين بأن تسمح لتايوان بأن تتحد مع اقليم فيوجيان الصيني الذي يحاذيها, لتكوين (اقليم اداري خاص) , ينتخب حكومته انتخابا حرا, ويتكون جيشه من فيالق من جيش التحرير الشعبي والجيش التايواني واستعان ويو يويجينج بمجموعة (الكبار) من أمثاله للضغط على الحزب الشيوعي, ليوافق على سياسات تفصيلية كثيرة في شأن الضرائب, والبوليس, وبعض التعيينات... الخ وذلك من أجل بثّ مزيد من الطمأنينة في قلوب التايوانيين حتى تنشرح صدورهم للخطوات التالية في درب الوحدة والاندماج. أصبح ويو يويجينج فخورا بذلك الانجاز, أكثر من أي انجاز حققه فيما مضى, حتى بمراكمته لتلك البلايين من الدولارات. وها هو الآن يقف على الميناء الذي تندفع منه صادرات مصانعه, ليشهد شروق الشمس ولينتظر لقاء حاكم (الاقليم الاداري الخاص) ديك جان, الذي اصبح صديقا خاصا له, ان لم يكن احد صنائعه, وها هو يرحب به قائلا. ـ أهلا, جان, كم أنا سعيد أنك أتيت. ـ أهلا ويو, كيف لا آتى لأشهد احتفالات بهذا الانجاز الضخم, يا له من احتفال رائع! ـ كل ما أرجو ان تمضي الأمور على ما نروم, حتى يتحقق توحيد البلدين, وإنشاء الصين العظمى. تحولات الحزب ان الذي يصنع الصين العظمى, لابد أن يطمح لأن يصبح امبراطورا على الصين العظمى! هذا هو الحلم الذي غدا يراوده كالهاجس المقعد والمقيم, ولكن تحقق الحلم السياسي لا يتم سريعاً, مثلما ان الثروة المادية الهائلة لم تنشأ بين عشية وضحاها, انما لابد من التخطيط والسير الوئيد, لاقتلاع عنان السلطان السياسي, وهكذا بدأ التخطيط لتضخيم مجموعة الضغط وجماعة المصلحة, التي ينعتها الناس بـ (الكبار) . وهكذا أصبح (الكبار) يضغطون على قادة الحزب, لتنفيذ سياسات بعينها, أو للتخلي عن سياسات بعينها, وبدأوا يشترون أحيانا بعض قادة الحزب, وأحيانا يشترون اداريين كبارا, أو قضاة... الخ حتى حازوا بالتدريج على قدر كبير من سلطان الدولة وكلما حازوا على قدر أكبر من السلطة السياسية, كلما تدفق الاستثمار الخارجي أكثر وأكثر على الاقليم.. ان المفكرين الاقتصاديين الذين حققوا نهضة الاقليم قد حازوا على قدر كبير من السلطة السياسية, وأصبحوا يعطون بذلك قدرا أعلى من المصداقية والثقة لأولئك المستثمرين, وقد انعكس هذا التدفق الاستثماري بدوره ليمثل قوة سياسية جديدة لـ (الكبار) , و ليمهد لهم أرضية جديدة يتمكنوا فيها كسياسيين متنفذين. أخذ الحزب الشيوعي يفقد نفوذه بالتدريج, ازاء تصاعد نفوذ الكبار, فعاد لينافس أولئك (الكبار), أو قل لينتزع منهم بعض السلطة والبريق, وها هو جيانج ديجانق, حفيد زعيم الحزب الحالي, جيانج زيمين, يبتكر خطة لتجديد الحزب ولبعث الحيوية فيه: إن الحزب لم يبق له الا بعض علاقات تنظيمية بأعضائه, الذين يقارب عددهم الستين مليون شخص, إنه يمكن ان يقرب بين هؤلاء وبين (الكبار) حتى يثروا, وتعود لهم بعض القوة, عن طريق ذلك الاتصال. إن وجود الهيكل التنظيمي للحزب يمكن ان يساعد على انشاء عمل اقتصادي مثمر, فيمكن ان تستغل تلك العلاقات التنظيمية اذن لتوزيع البضائع بدلا من توزيع الأفكار والشعارات والسياسات. يمكن لقيادة الحزب ان تشتري البضائع بالاجمالي من (الكبار) ثم توزعها على قيادات الحزب بالاقليم, والمدن, والقرى, فيبيعونها بـ (المفرق) وبأسعار أرخص كثيرا من أسعار السوق, لأن قيادة الحزب ستشتريها بأسعار أرخص, طالما انها تشتري اكبر (كوتة) من كل صنف من أولئك (الكبار). هكذا أخذ جيانج الابن يفكر: كيف يمكن ان يقنع (الكبار) بأن يبيعوا بضائعهم للحزب؟ هنا اهتدى لمدخل يتسرب به الى وجدان وعقل ويو يويجينج. لقد انتظر حتى حان موعد حفلة عيد ميلاده, فذهب ليسهر عنده, ثم فاتحه بالفكرة عندما سنحت فرصة مناسبة... وعندها انتفض ويو مذعورا قائلا: ما هذا... كنت أسمع مثل هذه الأفكار في أمريكا, عندما كنت أدرس هناك, ان هذه الفكرة قريبة من الفكرة التي يدعونها (Ponzi Scheme) التي تنساب فيها الأموال من الأعضاء الجدد في المشروع الى القدامى فيه, فهل بهذا تريدون استلاب أموالنا يا أعضاء الحزب؟! صعق جيانج لهذا الرد العاصف, ولكنه استعاد يقظته العقلية قائلا: آسف أيها العظيم ويو... إن سوء عرض للفكرة هو الذي جعلها تبدو لك بهذا الشكل. دعني أعرضها لك بأسلوب أوضح, ان (اشتراكيتنا الديناميكية) هي المرحلة المقبلة في تطوير نظرية الصراع الطبقي, للزعيم ماوتسي تونج, كما انها نسخة منقحة من نظرية تفكيك الطبقات للزعيم ونج هسياو بنج. لقد فطن ماو لما لم يفطن اليه ماركس, فلاحظ ان ظاهرة الصراع الطبقي تستمر حتى بعد تحقيق الاشتراكية, وعضد ونج ذلك بأسلوب التكتيك, عندما قرر انه لكي تنتصر الاشتراكية, فلابد ان تنوع تكتيكاتها, مثلما كان ماو ينوع تكتيكاته في حرب العصابات, لا سيما عندما اتخذ قرار (السير الطويل) . وتبعا لذلك فقد قررنا في الحزب, ان ننوع تكتيكاتنا لنقود مركز الحزب, ومركز أعضائه, من مختلف الطبقات, ولنجلب اليهم جميعا قدرا من الثروة والرفاه المادي. هكذا تجلت عبقرية جيانج في تغليف أفكاره بشعارات ماو وونج, حتى يسوقها في الحزب, ويتولى بذلك تحويل الحزب, الى شيء أقرب الى الشركة الاقتصادية, أو السوق, منه الى أي جهاز أو اطار سياسي أيديولوجي.