الانتخابات اللبنانية الحالية تعد الاكثر حدة في تاريخ الانتخابات وتتميز بشكل خاص بمسألتين: ـ الدور الكبير الذي يقوم به التلفزيون والفضائيات في المعركة الانتخابية, بما في ذلك تلفزيون الدولة الذي دخل طرفا في مواجهة المعارضة. ـ ان المعركة هذه المرة ليست حول اختيار اعضاء المجلس النيابي المقبل وحسب, وانما حول الحكومة المقبلة ايضا على حد قول رئيس مجلس النواب نبيه بري, ذلك ان الحكومات السابقة لم تكن يوما عنوانا لاي معركة انتخابية او لأي صراع انتخابي كالذي شهدته شاشات التلفزيونات اللبنانية, والسبب ان اختيار رئيس الحكومة لم يكن يخضع لمعايير او آليات سياسية او دستورية محددة وانما لرغبة رئيس الجمهورية وحسب ولم يكن من داع لصراعات او مواجهات سياسية كما يحصل اليوم لقطع الطريق على هذا المرشح او ذاك لرئاسة الحكومة. وساهم في زيادة حرارة هذه الانتخابات الاوضاع الاقليمية الساخنة والتغييرات التي حدثت في المنطقة خلال الفترة الاخيرة ما يتصل مباشرة بالوضع اللبناني خصوصا لجهة العلاقة مع سوريا والمتمثلة في غياب الرئيس السوري حافظ الاسد وقبله الاندحار الاسرائيلي في جنوب لبنان. وان كانت المعارك الانتخابية في لبنان تشهد باستمرار تحالفات كثيرة ومتبدلة يتخللها تراشقات سياسية واعلامية الا ان المواجهات الحالية اتخذت منحى آخر بدا خطيرا او متجاوزا الخطوط الحمر والثوابت الوطنية اللبنانية, الامر الذي يخرج عن نطاق مفاهيم الحرية والديمقراطية التي يعتز بها جميع اللبنانيين الى دائرة الخطر على السلم الاهلي في لبنان و (دولة القانون والمؤسسات) التي قام على اساسها عهد الرئيس اميل لحود حتى ان شعار المعركة الانتخابية بالنسبة للبعض ليس الهموم الاقتصادية والاوضاع الداخلية اللبنانية التي تضغط بقسوتها على المواطن اللبناني, وانما الوجود السوري في لبنان الذي سعى هذا البعض الى تحميله ايضا مسئولية تدهور الاقتصاد اللبناني (تصريحات البطريرك صفير). وما زاد الطين بلة ان الحكومة دخلت على خط المهاترات, وبدل ان تترك المعارضة تمارس دورها الطبيعي وهو معارضة الحكومة انزلقت هي الى هذا الدور وصارت في موقع معارضة المعارضة مسخرة التلفزيون الرسمي للهجوم علي هذه المعارضة خصوصا رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري الذي يتهمه خصومه باستخدام (المال السياسي) في الحملة الانتخابية بينما يتهم هو والمعارضون الآخرون خصوصا الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الحكومة باستخدام الاجهزة الامنية لترغيب الناس وترهيبهم, بل ان جنبلاط وهو حليف معروف لسوريا في لبنان اتهم القوات السورية العاملة في لبنان باستدعاء المخاتير ورؤساء البلديات من اجل حثهم على التصويت لقائمة وتجاهل اخرى. هذا الوضع استدعى تدخل الرئيس السوري بشار الاسد الذي ظلت بلاده حريصة حتى اللحظة الاخيرة على عدم التدخل في الانتخابات فدعا الى دمشق كبار المسئولين اللبنانيين في الحكم والمعارضة على رأسهم رئيس مجلس النواب نبيه بري وقائد الجيش العماد ميشال سليمان والنائب تمام سلام اضافة الى رئيس الوزراء سليم الحص ثم امين عام حزب الله حسن نصر الله وقيادات اخرى. وما يلاحظ هو ان وليد جنبلاط لم يكن من بين الزعماء اللبنانيين الذين تم دعوتهم لزيارة دمشق وفق ما صرح به هو نفسه قائلا انه مستعد لزيارة العاصمة السورية حالما توجه اليه الدعوة من جانب الرئيس بشار الاسد. وجاءت مبادرة بشار بالتدخل الشخصي المباشر بعد ان تعذر عقد هدنة بين الاطراف المتخاصمة واخفقت مساعي التهدئة التي شجعت عليها دمشق في اتصالاتها غير المعلنة, وبعد ان بات المرجع الاعلى في الدولة اللبنانية وهو رئيس الجمهورية مهددا بجره الى صفوف الفرق المتخاصمة مع ما يعني ذلك من المس بهذا المنصب الذي ينبغي ان يشكل مرجعية وطنية لجميع اللبنانيين مهما اختلفوا. ولمست الشخصيات اللبنانية التي تزور دمشق هذه الايام مدى الاستياء البالغ لدى القيادة السورية من تردي مستوى الخطاب الانتخابي الذي من شأنه ان يعيد اجواء الفتنة والانقسامات داخل لبنان. ويتوقع المراقبون ان تبذل مساع سورية حثيثة خلال الساعات القادمة للحم الفلتان الاعلامي الذي دخلت في حومته جهات رسمية وأهلية وحزبية الامر الذي سينعكس على مجمل الاوضاع بشكل سلبي في المرحلة المقبلة الحافلة بالاستحقاقات الداخلية والاقليمية. دمشق ـ يوسف البجيرمي