سكان الصين سيبلغون 1.6 مليار نسمة قريباً مهما تكون طرق تحديد النسل ، الجنود الذين فتحوا النار في ميدان السلام السماوي لم يروا طلاباً من قبل كيف يمكن ان نفكر في المستقبل ونتنبأ بما يأتي به؟ اننا في الحق لا نملك كرة سحرية ولا ماكينة لتحليل الزمن. ان المستقبل بطبيعته مبهم ومستغلق على الفهم, ولكنا مع ذلك سنحاول قدر الامكان ان نفهمه. ان الطريقة المثلى لانجاز مثل هذا الفهم تبدو كالآتي: ان يبرز خبير مسلح بقدر عظيم من المعلومات, ويبدأ في تخطيط صور لما قد ينبثق في المستقبل عن تلك المعطيات, ثم اهتداء ببصيرته وحدسه الغني يخمن فقط, نعم يخمن, اي تلك الخطوط هو الجدير بأن يكون خط المستقبل, وبناء على ذلك التخمين يبدأ في تفصيل الخط المختار وايضاحه بالألوان حتى يرسم منه صورة كاملة قد لا تكون صحيحة كل الصحة بتفاصيلها ولكنها في جملتها هي الصواب فيما يرى ويقوم بشرح تلك الصورة للاكاديميين والمتخصصين الذين تذهلهم التفاصيل عن الرؤية الكلية, دع عنك الرؤية الحدسية للمستقبل ويشرحها كذلك لأرباب الصناعات والمال ويشرحها لعموم الناس الذين قد يستهويهم الأمر. إن الأمر يتطلب منهجية اشمل وأعمق من مناهج التحليل الاكاديمية, القائمة على تحليل المعادلات, ومقارنة الحالات, واستنفاد الاحتمالات التي هي في طاقة العوامل الداخلة في الموضوع. اننا نقترب بهذه المنهجية الشاملة, من منهج كتب الخيال العلمي, التي هي كتب مستقبلية, اكثر منها علمية, ونقترب ايضا من مناهج الحدس والخيال الفلسفي والأدبي, لعمالقة التنبؤ شأن اسحاق عظيموف, وآرثر كلارك, ونيل ستيفنسون, وجورج اورويل, ممن نسجوا حول خطوط المستقبل التي تصوروها خيوطا كثيرة, حاكوا منها رواياتهم الرائعة. اننا لا نزعم ان ايا من هذه السيناريوهات الثلاثة سيكون خط المستقبل, ولكنا نأمل ان يمثل كل منها نسقا متعاضدا من الاحتمالات, كل منها له جذوره العميقة في حاضر الصين وماضيها. اننا نعطي هذه السيناريوهات بناء على معلومات جيدة هضمناها وتمثلناها طويلا. ومن يطلع عليها فإنه, في الأرجح لن يفاجأ كثيرا عندما ينصدع فجر الصين, ومهما يظهر في ذلك اليوم فمن الارجح انه سيمت بنسب وصلة لماضي هذه السيناريوهات. المنظار الصيني عندما ننظر الى الصين فإننا ينبغي ان نستخدم منظارا صينيا, ذلك ان الامريكيين او الانجليز او اليابانيين او الكنديين او الاستراليين... الخ يستحضرون دائما حمولة ضخمة من الثقافة, والتاريخ واللغة والافتراضات والعقائد والتقاليد التي تعمي عن رؤية ما في الصين, او تشوه ما يرونه فيها ومنها. ان الغربيين عندما ينظرون الى الصين يستخدمون منظارا تخدش رؤيته افكارهم عن الشيوعية والنصرانية, واعتقاداتهم عن الديمقراطية, وحقوق الانسان, والقيم الفردية, اننا ندين بهذه الافكار والعقائد والقيم على اساس انها أزلية وعالمية ولا نحتاج الى مناقشة او برهان, انها قد تكون كذلك فعلا, ولكنها ليست كذلك في الصين, واذا اردت ان ترى أو تسمع أو تحس من خلالها بالصين, فإنك ستظلم نفسك وتظلم الحقيقة كثيرا. ان عليك ان تنحي ذلك المنظار جانبا الى حين, لتستخدم منظار الصينيين في رؤية الصين, ان الصين ليست مثل كاليفورنيا ولا كنساس ولا تكساس ولا تستطيع ان تصبح مثل ذلك ولو أرادت. إن الصين قطر ضخم, وهذه حقيقة بدهية, يبدو من العبث التشبث بإيضاحها, ولكننا مصرون على ذلك من اجل تصويب النظر وتجويد الفهم على ان مساحة الصين تساوي مساحة روسيا أو كندا, وهي بعرض مساحة الولايات المتحدة من سان فرانسسكو الى نيويورك وهي تتمدد من الشمال الى الجنوب من خط العرض الخامس والاربعين الى الثامن عشر, وبذا فلو وضعت خريطة الصين على خريطة امريكا الشمالية, فإنها ستشغل مثلثا يمتد من كيب هيندوكينو بكاليفورنيا الى نيوفوندلاند, والى هايتي بالكاريبي, واذا ما وضعتها على خريطة اوروبا فستشغل مثلثا آخره, يمتد من لشبونة بالبرتغال, الى كازان على بعد 400 ميل من موسكو, ثم الى جنوب البحر الاحمر على بعد 200 ميل جنوب مكة. هذه الارض الشاسعة يسكنها 1.2 مليار انسان, خذ مجموع سكان الولايات المتحدة, وأضف اليهم سكان المكسيك وكندا معا, ثم اضف الى ذلك المجموع جميع سكان اوروبا, فإنك تقترب بذلك من مجموع سكان الصين, وحتى تصل الى ذلك الرقم تماما فإن عليك ان تضيف مجموع سكان اليابان! وهكذا فإن مجموع سكان هذه الاثنتين والعشرين دولة يساوي مجموع سكان الصين! ان معظم هؤلاء الـ 1.2 مليار انسان يسكنون في نحو ثلث مساحة الصين, لأن الثلثين الباقيين عبارة عن جبال وصحارى قفراء. ان هنالك قرابة الاربعين مدينة يفوق عدد سكانها المليون نسمة ولكن مع ذلك فإن اكثر سكان الصين يسكنون القرى الصغيرة. فحوالي 900 مليون انسان يقطنون الريف الزراعي بعيدا عن الحواضر والعواصم. ان عدد سكان الصين الحالي مرشح حسب احصاءات البنك الدولي لأن يصل الى 1.4 مليار نسمة في عام 2010, والى نحو 1.6 مليار نسمة في عام 20.25. وهكذا نرى ان العدد يتنامى مهما اتخذ من سياسات لتحديد النسل, وهذا وجه آخر من وجوه الاثارة في الصين. وأظنك الآن قد ادركت ان التفكير في شئون الصين, ومستقبلها يختلف عن التفكير في شئون ومستقبل بلاد اخرى كفرنسا والسودان والبرازيل. لقد ظلت الصين بهذه الضخامة الجغرافية معظم فترات تاريخها, وظلت بعيدة عن العالم محاطة بالجبال والصحارى والبحار, وبنفسية تتجاهل كل ما وراء الحدود وكأنه غير موجود. ان اسمي الصين التقليديين هما (المملكة الوسط) أو (كل ما تحت السماء) وظل هذان الاسمان متداولين حتى نهاية عرش كنج في 1911, حيث ظل السفراء الاجانب يهانون ويضطهدون باعتبارهم ممثلين للشعوب البدائية, ولم يكن التعامل معهم يتم من خلال وزارة للخارجية, وانما عن طريق (مكتب الشعوب الهمجية) . وهو مكتب انشىء لادارة شئون القبائل المتمردة كالمغول والطاجيك, والآن فإن لك ان تتصور وضعا مماثلا: ان يطلب من السفير الألماني لدى واشنطن ان يقدم اوراق اعتماده لمكتب شئون الهنود الحمر, ذلك المكتب الذي انشىء ليتولى رعاية شئون من تبقى من ذلك الفصيل البشري الذي اباده الرواد الامريكيون الا قليلا منهم, يتناثرون في البوادى والبراري الامريكية. التاريخ المتصل ان للصين تاريخا موغلا في القدم, فأقدم اباطرتها المعروفين لنا عاصر سيدنا موسى كما عاصر حمورابي, وهذا تاريخ متصل لم ينفعهم قط, ولم ينكسر وهكذا فلا تستطيع امة اخرى ان تتصل بتراثها عبر القرون, كما يستطيع الصينيون الذين يحيا بينهم تراث امتد 3500 عام. هذا التاريخ المتطاول يتحرك عبر حقب ودورات واضحة المعالم, عندما تأملها المؤرخون الغربيون اهتدوا الى ان هنالك حقبا ودورات في التاريخ, تعتبر من سننه وقواعده الثابتة. وفيما يخص الصين فقد شكلت تلك الحقب نشوء عروش, وقيام ثورات, ثم نشوء عروش مرة اخرى. ففي نهاية كل ثورة كان ينبثق امبراطور جديد, يوحد القطر بالحديد والنار, ويبيد خصومه تماما, ويخلفه على العروش ابناؤه واحفاده, حيث تقوى الدولة كثيرا في عهودهم, وتستمر الى ان يطرقها الخلل, فيسوء وضع الاقتصاد, وتزداد الضرائب, ويسود الفساد البيروقراطي, ويطغى الخصيان, وربما تترافق مع ذلك ثورات الطبيعة فتثور الزلازل, وتنفجر الفيضانات, أو يعصف الجفاف بالزرع والضرع, وتمهد ارضية الثورة والفوران العام, فيطاح بالعرش انتظارا لانبثاق عرش جديد. لقد حدث هذا عشرات المرات في تاريخ الصين, الذي هو في الاصل دورات للفوضى العارمة, والحكم المركزي الحاد. وانعكس هذا على الفلسفة الصينية. فالكونفشيوشية نظام فلسفي يركز على علاقات الهرم البيروقراطي الحاكم, وعلى الاخلاق. اما الفلسفة القانونية فتركز على طاعة المواطن لقوانين الدولة وحسب. فالدولة هنا هي كل شيء, والمواطن لا شيء. اما الفلسفة التّاويّة, فهي على العكس من ذلك, تقول ان الدولة مؤسسة هامشية, لا ثقل لها, ولا اهمية لها, وكان رائد تلك الفلسفة لاوتسي يقول ان مهمة الحاكم ينبغي ان تكون بسيطة لا تتعدى في اهميتها عملية شي سمكة صغيرة! وخلال تاريخ الصين جاءت فترات انفتاح محدود على الخارج اعقبتها فترات انغلاق متطاول, وعلى سبيل المثال فقد التقت سفن الكشوف الجغرافية البرتغالية ببعض السفن الصينية في المحيط الهندي, ولكن بعد ذلك انغلقت الصين لعدة قرون, متجاهلة كل ما هو خارج الحدود, وعاقبت كل من خرج من البلاد وعاد اليها بالاعدام, وسنت قانونا يعاقب بالاعدام كل من ينشىء قاربا طوله اكثر من مترين! بين الفرد والمجتمع ان اي فرد انساني يتردد دائما ما بين فردانيته وما بين اندماجه في مجتمعه. ونكهة كل مجتمع تتأتى من قدر الاهتمام الذي يعطيه للفرد وللاسرة. اننا في الغرب نعطي للفرد اكبر قدر من الاهتمام. وهذا ما ينعكس في افلامنا السينمائية, حيث لترى الفرد في صراع دائم مع المجتمع. وما ينعكس في موسيقانا حيث التوتر المستمر بين الفرد والمجتمع, وكل انواع الآداب والفنون وصنوف التقاليد والقيم السياسية تعكس ذلك الصراع, وتزكي دور الفرد على حساب المجموع. اما في الصين فلا يوجد اي تركيز على دور الفرد ولا حقوقه. ولا توجد كلمة في لغة (الماندرين) ولها اللغات الصينية الاخرى, تتحدث عن الفرد, او الحقوق الشخصية, او الخاصة, لأنها تحمل في الوقت نفسه معنى الانانية, والجشع, والقسوة, واللامبالاة بحقوق المجتمع. فالمجتمع هو كل شيء. ان ماكينة الاقتصاد الصيني هي الاسرة, فكل من له امكانات اقتصادية يديرها عن طريق الاسرة, ويعطي ارباحه لكبير تلك الاسرة ليوزعها على افراد الاسرة جميعا, ولا يعطى صاحب تلك الامكانات الا ما يحتاجه من ضرورات الحياة, فنجاح الفرد اقتصاديا هو نجاح لكل الاسرة, ونجاح الاسرة اقتصاديا هو نجاح لكل افرادها, وكل قرارات الفرد: أين يعيش, وماذا يعمل, ومتى ومن يتزوج تتخذها الاسرة بالنيابة عنه. ان روابط الفرد بأسرته شبيهة بروابطه بالمكان, فإذا كان الأمريكي يكثر من التنقل بين الأمكنة, حتى تنبأ صاحب كتاب (صدمة المستقبل) بظهور البدو الجدد في امريكا, فإن الانسان الصيني لا يكاد يغير سكناه قط, بل لا يكاد يسافر لأي غرض من الاغراض. ومن الطريف ان كثيرا من الجنود الذين اخمدوا تظاهرات ميدان تيان آن مين (أو ميدان بوابة السلام السماوي) في 1989 لم يكونوا قد رأوا اي طالب جامعي من قبل قط. وكان الحزب الشيوعي يصدر بطاقات اثبات الشخصية للمواطنين حسب المدن أو الاقاليم التي يعيشون فيها, ولا يسمح لهم بالتالي بالتنقل بعيدا عنها, وحتى عهد قريب لم يكن يسمح لأي مواطن صيني بدخول مدينة شانغهاي الا بإذن خاص! هذه الفروق الجوهرية بين انسان الصين, وإنسان الغرب, تجعل من رؤيتنا لإنسان الصين مضللة على الدوام, ولعل هذا هو سر عجز كثير من الدبلوماسيين ورجال الاعمال الغربيين عن التفاهم مع المسئولين الصينيين حتى في الأساسيات. مصدر المشروعية إننا عندما نتحدث عن المشروعية في الغرب, فإننا نعني, في الغالب, بعض تفاصيل الممارسات الحكومية, لنناقش مدى انسجامها مع الفلسفة التي لا نقاش حولها قط, وهي فلسفة التفويض الانتخابي. أما في الصين فإن الفلسفة التي لا نقاش حولها عدم وجود أي تفويض شعبي على الاطلاق. فالتفويض يأتي من السماء والحكم الصالح, هو الحكم الفردي, الذي يستمد مشروعيته من السماء. ومع ان ذلك التفويض ليس مقدسا, وانما يمكن قياسه بمستوى العيش المادي للمواطنين. فهم يظنون ان السماء تظل راضية عن الحاكم, متى كانت الاحوال السياسية هادئة, مطمئنة, بلا قلاقل, والطبيعة ساكنة, فلا زلازل, ولا اعاصير, ولا فيضانات, ولا جفاف, ولا مجاعات. أما ان حدث شيء من ذلك فهو علامة على سخط السماء, واشارة منها الى نزع التفويض عن الحاكم الفاسد. لقد فقد الحزب الشيوعي الحاكم كثيرا من مصادر مشروعيته التاريخية, ولكنه بدأ الآن يستعيدها مع ملامح الرخاء الاقتصادي, واقتلاع الناس من سطوة الفقر, وهذه حقيقة يجب ان يعرفها الغربيون الذين يعتقدون ان الحزب أي حزب يجب ان ينال تفويضا شعبيا عبر الانتخابات, ويظنون ان الحزب الشيوعي الصيني لا مشروعية له, ولا ترضى بحكمه جموع الصينيين.