عكست ورشة تقنين وترشيد الهجرة والهجرة العكسية التي عقدت بعد اسبوعين من مؤتمر المغتربين الرابع (1ـ3) اغسطس إلى الاهتمام الذي تجده الكفاءات المهاجرة بتصويب الانظار حول الاستفادة من العائد منها, ففي الوقت الذي ترى فيه احدى الاوراق المقدمة في مؤتمر المغتربين الرابع حول (، آفاق استيعاب الهجرة العائدة) والتي تجدد النقاش حولها في الورشة التي نظمها جهاز العاملين بالخارج تفعيلا لتوصيات مؤتمر المغتربين الرابع التي تم رفعها لمجلس الوزراء الاحد الماضي, ازدياد معدلات الهجرة العائدة للسودان للحاجة المتزايدة لها بالداخل خاصة في اوساط اساتذة الجامعات واصحاب التخصصات النادرة, طالب عدد من المغتربين حضروا الورشة بضرورة تشجيع هجرة المهن التي يوجد بها فائض في سوق العمل المحلي ولا تترك اثرا في هيكل القوى العاملة. المغتربون لم يتركوا الامر هكذا بل اوصوا في الورشة بأن يكون ترشيد الهجرة عبر اتفاقيات ثنائية تبرمها الدولة مع الدول التي تستقطب العمالة السودانية وذهبوا ابعد من ذلك بان تنشىء الدولة ملحقيات عمالية بالخارج خاصة في الدول ذات الاستقطاب الاكبر للايدي العاملة السودانية واوضحوا ان قيام آلية للاستفادة من قدرات المهاجرين ومعرفتها من شأنه دفع عجلة التنمية والانتاج بالبلاد. وربط هؤلاء المغتربون بين استقطاب العقول المهاجرة وانشاء مشاريع استثمارية قائمة على دراسات جدوى تصب في الاتجاه الجاذب للهجرات العكسية مطالبين في السياق نفسه بتطوير الصناعات في السودان لاستقطاب مدخرات المغتربين. لكن ورقة تكوين واستثمار مدخرات السودانيين العاملين بالخارج لمعدها عمر محجوب علي التوم المستشار الاقتصادي ببنك الاستثمار المالي اقرت بوجود صعوبة كبيرة عند محاولة رصد مدخرات المغتربين وحصر تجاربهم الاستثمارية السابقة أو الراهنة, وذكرت الورقة ان المعلومات المتوفرة على قلتها غير دقيقة ومن مصادر متعددة, قالت انها تثير الشك اكثر من اليقين قائلة (هناك من يقول بان مدخراتهم تربو على الاربعين مليار من الدولارات وانهم يحتفظون بها خارج البلاد ومنهم من يؤكد انها لا تتجاوز الاربعة مليارات فقط) , واضافت بين هذين القولين مزاعم اخرى كثيرة. واخذت الورقة في مناقشة الامر دون ان تأخذ بالارهاصات التي تقول باحتفاظ المغتربين السودانيين بمدخراتهم بمليارات الدولارات خارج بلادهم اعتقادا منها انهم لا يملكون ذلك الحجم من الاموال بحجة انهم اذا كانوا يملكون ذلك الحجم من الاموال لاحتفظ بعضهم بجزء مقدر منه داخل السودان ـ واوردت ما يشبه الطرفة تعليقا على المسألة بالقول ـ ما لم يكونوا جميعهم قد تعاقدوا على مقاطعة الادخار في البنوك الاسلامية وهو امر استبعدته الورقة استنادا على معلومات مستقاة من مصادر شخصية توفرت خلال الفترة من 1993 ـ 1999, من المملكة العربية السعودية. بيد ان الورقة اشارت إلى ان الاستثمار لم يجد حظه الكافي من المغتربين السودانيين وباستثناء محاولات محدودة نفذها قلة منهم فان الغالبية العظمى لم تحاول الدخول في تجارب استثمارية لاسباب حصرها معظم الذين دار معهم الحديث حول الاستثمار بالسودان في ان مسألة الاستثمار رغم اعترافهم باهميتها الا انها لا تأتي ضمن اولوياتهم التي رتبوها في ارسال مصاريف نقدية وعينية لدعم الاسرتين الكبيرة والصغيرة, واكمال مراسم الزواج واقتناء أو تشييد منزل, كما ذكر اخرون ان دخولهم لا تكفي لمقابلة احتياجاتهم المعيشية وليست لديهم مدخرات يمكن استثمارها فيما اوضح غيرهم عدم ثقتهم في الاستثمار بالسودان, استنادا على معلومات منقولة من اخرين, وان الظروف الاقتصادية لا تشجع على الاستثمار. وقسمت الورقة الذين قالوا بالاستثمار في السودان إلى ثلاث مجموعات شملت تجارب الاستثمار الفردي وهي تشكل النسبة العظمى من تجارب المغتربين الذين قاموا بالاستثمار في السودان وانها تركزت في مشروع فردي يدر عائدا منتظما يعين على العيش الكريم بين الاهل الا ان حجم تلك المدخرات عرض المشاريع الاستثمارية تلك والتي تتراوح تكلفة الواحد منها بين 10 ـ 20 الف دولار في المتوسط, كحافلة نقل للركاب أو سيارة نصف نقل أو ماكينة لصنع الايس كريم, عرضها لنسبة عالية من المخاطر بحكم تكوينها ولاحظت الورقة ان معظمها ونتيجة لتأثره بالظروف الاقتصادية غير المستقرة خلال العقد الماضي قد عانى من صعوبات جمة ادت لتدهورها وإلى توقفها تماما عن العمل في بعض الاحيان واشار عمر محجوب إلى ان العديد من المشروعات تعرضت لمشاكل ادارية وتشغيلية بسبب عدم وجود شخص متفرغ للادارة مما ادى إلى زيادة تكلفة اصلاحها وتشغيلها وتسبب في حالات عديدة في توقفها عن العمل وتصفيتها. وتعرض لتجربتين في الاستثمار في الاسهم الاولى خلال الفترة حتى منتصف التسعينيات التي اتسمت بتأسيس عدد من شركات المساهمة العامة, كانت نتائجها سلبية بوجه عام رغم طواف وفودها بالبلاد العربية مروجة لاسهمها وذلك لتآكل رأس مال تلك الشركات والبنوك بفعل التضخم وتدهور اسعار الصرف, مما افرز احباطا وسط المساهمين, واضاف عمر محجوب ان ظهور بعض حالات الغش والاحتيال والشركات الوهمية (زاد الطين بلة) واضعف ثقة المغتربين بوجه عام وانصرفوا زاهدين عنه. اما التجربة الاخرى فحصرها في قيام سوق الخرطوم للاوراق المالية عام 95 وبنك الاستثمار المالي 98, التي اتاحت للمساهمين في شركات المساهمة العامة الفرصة لبيع وشراء الاسهم بقدر عال من الشفافية يعكس الاداء الفعلي للشركات المدرجة بالسوق واوضح عمر محجوب ان قيام بنك الاستثمار المالي الذي قام بالترويج لاسهم سوداتل اتسع وبصورة عكست الاداء الفعلي, اقنع الكثيرين بالاستثمار في الشركة خاصة في دول الاغتراب. وتمثلت التجربة الثالثة في تأسيس الشركات وتقف شركة المهاجر العالمية كنموذج حي لها وهي شركة نبعت فكرتها من مؤتمرات سابقة للمغتربين تم تأسيسها في مارس 95 كشركة خاصة سرعان ما تم تحويلها لشركة مساهمة عامة في اغسطس 1995, وبادر جهاز المغتربين بتبني الفكرة والدعوة لتأسيسها وساهم بالنصيب الاكبر اذ بلغ نصيبه 41% من رأس المال المدفوع إلى جانب مساهمة عدد من البنوك والشركات ذات الاهتمام بالمغتربين وقضاياهم اضافة إلى مساهمة عدد من المغتربين كافراد. وقال ان الشركة رغم حداثة تجربتها سعت بطريقة مباشرة لتحقيق الاهداف التي انشئت من اجلها والمتمثلة في استقطاب وتوظيف مدخرات المغتربين من خلال تسويق مشاريع الشركة المدروسة التي افرزت عددا من الشركات الفرعية تضمنت شركة الهجرة للصرافة وشركة عروس للسياحة وشركة المهاجر ليموزين وشركة المهاجر لخدمات التعليم, واستطاعت بذلك اقناع اجهزة الدولة بفعالية مدخرات المغتربين وتأثيرها على التنمية الاقتصادية. إلى ذلك فتحت الورقة افاق الاستثمار امام المغتربين ولافتة الانتباه إلى اهمية اتباع الوسائل الصحيحة عند الاقدام على الاستثمار الذي شجعت الورقة على الاقدام عليه بصورة جماعية لما فيه من شفافية وحرفية وانضباط, ولا بأس ان يأخذ اشكالا مختلفة حسب مقتضى الحال. وساقت الورقة بعض الميادين التي ترى ان يوجه نحوها المغتربون مدخراتهم وتتمثل في التصنيع الزراعي لما يتمتع به السودان في هذا الشأن باعتباره قطرا زراعيا ينتج العديد من المحصولات ثم الاستثمار في الاسهم والاوراق المالية لمرونته العالية المتمثلة في سهولة الدخول فيه والخروج منه عن طريق التداول وما يحققه من عوائد مجزية مقارنة بعوائد الودائع الاستثمارية الاخرى, وهناك الاستثمار العقاري الذي اعتبرته الورقة مجالا يمكن ان يفكر فيه المغتربون لتوفيره حاجة اساسية وهي المساكن التي دفعت بنسبة كبيرة للاغتراب من اجلها, إلى جانب برنامج الخصخصة الذي شرعت الدولة في تنفيذه وذلك اما بشراء الوحدات المعروضة للبيع أو بالمساهمة في رأسمالها في حالة تحويلها إلى شركات مساهمة عامة أو بابرام عقود ادارة طويلة الاجل. من ناحية اخرى اكد وزير التخطيط والتنمية والاستثمار بولاية الخرطوم لرؤساء الجاليات السودانية التزام وزارته بتسهيل كافة الاجراءات لاستثمارات المغتربين وشرح لهم الشروط التي يجب توفرها عند الطلب والامتيازات التي يوفرها قانون الاستثمار وحث المغتربين على الحرية في الاستثمار. واشار الوزير إلى ان هناك حوالي 40 مشروعا استثماريا معدا وجاهزا للتنفيذ وان ذلك سيتم بعد جدول زمني وبتبادل الزيارات من كلا الجانبين مشيرا في ذات السياق إلى الترويج لجذب مدخرات المغتربين ورؤوس الاموال العربية. وانصب حديث رؤساء الجاليات على ضرورة ان تقوم المشروعات على رؤية علمية وذات جدوى اقتصادية من شأنها جذب مدخرات السودانيين العاملين بالخارج.