يستحيل اعتبار الفساد والقمع غير المسبوقين ضمن مقومات الدولة الفلسطينية المرتقبة, أو لأي من دول العالم الثالث. من جهة أخرى فإن العلم, والنشيد وحرس الشرف, والبساط الأحمر, ومقعد في الأمم المتحدة, لاتكفي مجتمعة مقومات للدولة المرجوة. بعد هذا كله يمكننا أن ندلف الى ما يحدده علم الأنظمة الدولية من مقومات للدولة, ونعني بها: الشعب, والأرض, والسيادة. شرط الشعب نبدأ بالشعب الفلسطيني الموجود عبر التاريخ, منذ آلاف السنين, حتى تحت الاحتلال الذي تتالى على فلسطين, وآخرها الاحتلال الاسرائيلي, رغم أن الموجود من هذا الشعب فوق تراب الضفة الغربية وقطاع غزة لا يمثل إلا قرابة ثلث مجموع الشعب العربي الفلسطيني, بينما سدس هذا الشعب (مليون نسمة) يقيم في فلسطين المحتلة منذ ,1947 ونصف الشعب نفسه يقيم خارج فلسطين بمناطقها الثلاث (الضفة, والقطاع, والمحتلة) وإن كانت النسبة الأكبر من هذا النصف ترابط في (دول الطوق) على مشارف الوطن الفلسطيني السليب (مصر, الأردن, سوريا, ولبنان). الى ذلك فشعبنا العربي الفلسطيني معترف به دوليا, في التشريعات, والقرارات الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة, وجامعة الدول العربية, وما عداها في المحافل الدولية والعربية ذات الاختصاص. مقوم الأرض أما الأرض فحدث ولا حرج, إذ أنها لاتمثل سوى خمس مجموع أراضي فلسطين, أي أقل من نصف ما منحها قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة, يوم 29/11/1947. مع ذلك فإن ذلك الخمس ليس صافيا, بل ممزقا, مخصوما منه قرابة ثلثه, لحساب الكتل الاستيطانية, والطرق الالتفافية, ناهيك عن (القدس الكبرى) التي وضعها الاسرائيليون في مصاف المحرمات, (عاصمة أبدية موحدة لاسرائيل) والتي تلتهم 18 في المئة من مجموع أراضي الضفة الغربية. لعل من فضلة القول بأن اسرائيل استمرأت انتهاك قواعد القانون الدولي, وادارة الظهر للمقررات الدولية, والتنصل من التزاماتها الدولية, ومما تعقده من اتفاقات, ما يؤكد, مجددا, بأن اقامة الدولة مطلق الدولة عملية كفاحية, محفوفة بالعرق, والدم, والدموع. ومثل هذه الدولة إنما تنتزع من براثن محتليها, وهيهات أن يتنازل أولئك المحتلون عن أراض احتلوها, فمجرد التفاوض المفتقر لأسباب القوة, من طرف المفاوض المتطلع لاقامة دولته. ولعل ما يفاقم في أمر هذا العائق أن المحتل هنا مستعمر استيطاني, اجلائي, احلالي, يرى في ما يحتله (حق تاريخي) وليت هذا المستعمر كان مجرد محتل, يستعيض باحتلاله العسكري المباشر معاهدة تبقي له نفوذه في القطر المستقل حديثا, بكل ما كان لذلك المستعمر من نفوذ اقتصادي, وسياسي, رغم غياب المظهر العسكري للاحتلال, وهي الصيغة التي شاعت بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945) وحملت اسم (الاستعمار الجديد). ناهيك في مقوم الأرض عن افتقاد الدولة الفلسطينية المرتقبة لعامل التواصل الجغرافي فالضفة 240 جزيرة عربية فلسطينية, تحيط بها الكتل الاستيطانية والطرق الالتفافية وتقطعها عن بعضها البعض. والسيادة نأتي الى مقوم السيادة, الأمر الذي تفتقده الدولة الفلسطينية المرجوة, لأن معابرها الى الجارتين الشقيقتين: مصر, والأردن ستظل بأيدي المحتلين الاسرائيليين. مع الأولى وجود اسرائيلي علني ومباشر, فيما يكتفي باحتلال مموه لغور الأردن, بما في ذلك المعابر الى الأردن, حيث يحكم هذا الاحتلال المموه شكل من الايجار الرمزي المديد! مقومات أخرى ليس الشعب, والأرض, والسيادة سوى المقومات الأساسية للدولة, مطلق دولة. فيما تبقى مقومات أخرى, مثل الاقتصاد, وهو هنا ملحق تماما, بالاقتصاد الاسرائيلي, فيما تفتقر أراضي الضفة والقطاع الى الاقتصاد المنتج عدا زراعة ضعيفة فلا مصانع, أو فرص عمل, بل اتكال تام على ما تقدمه الدول المانحة من قروض, ودعم مالي, ما جعل مناطق الدولة المرتقبة مجتمعا متسولا. ناهيك عن حاجة سيادة الدولة الماسة الى القوة المسلحة, شرطا لتسييج هذه السيادة, وتطويرها, باطراد, بينما الدولة المرتقبة منزوعة السلاح, إلا بما يفيد في قمع شعب الضفة والقطاع, دون قدرة رجل الأمن المسلحين على التصدي للعدو الاسرائيلي. يتجلى افتقاد مقومات الدولة في عجز الفلسطيني عن زيارة دولته, كلما عن له ذلك. أما التجلي الثاني فحين تكبل أيدي الدولة عن بناء اقتصاد مستقل. ما العمل؟ ثمة طرق أثبتت جدواها, وأعني بها طريق المقاومة التي تلحق بالعدو الاسرائيلي خسائر بشرية, لا يحتملها, ما يفجر في التجمع الاسرائيلي قوى ضاغطة للانسحاب, حفاظا على أرواح الاسرائيليين, وبما لا يحول اسرائيل الى جهنم, ينفر يهود العالم من الهجرة اليها, بل يدفع مستوطنوها الى هجرها, فتغدو اسرائيل مكانا طاردا, بعد أن ظلت لمدى حوالي نصف قرن مكانا مستقطبا, وكانت هذه الجاذبية تتضاعف مع كل انتصار كانت اسرائيل تحققه في ميدان القتال. باختصار أن اسرائيل لاتفهم إلا لغة القوة. قد يزعم البعض بأن ثمة استعصاءات كثيرة في وجه استراتيجية (حرب الشعب) في فلسطين لكن هذه الاستعصاءات لا تبرر, البتة, خوض المفاوضات مع العدو الاسرائيلي, تحت نير ميزان قوى يميل تماما لصالح هذا العدو, بل أيضا بمفاوضين فلسطينيين يفتقر أغلبهم الى الحد الأدنى من الخبرة التفاوضية, والى لغة أجنبية واحدة, خاصة الانجليزية التي يدور التفاوض بها! في هذا الصدد لاحظ مساعد وزير الخارجية الأمريكية السابق روبرت بلليترو أن المفاوض الفلسطيني يأتي الى المفاوضات بلا أي معلومات, أو أرقام, أو خرائط, حتى أن هذا المفاوض يطلب المعلومات, والأرقام, والخرائط من عدوه الاسرائيلي! أكثر من ذلك, ما أن تنتهي جلسة مفاوضات حتى يسارع أعضاء الوفد الفلسطيني الى السوق لشراء الهدايا, فيما يسارع الاسرائيليون الى الاجتماع, وتقييم الجلسة الماضية, والتحضير للجلسة المقبلة. مع ذلك فإن ثمة طريق إجبارية تفضي الى تعديل ميزان القوى العربي الاسرائيلي, تبدأ بوقف أجهزة أمن الحكم الذاتي (التنسيق) مع نظيراتها الاسرائيلية, والعمل على انهاء تغول الأجهزة الأمنية الأولى, وتحقيق الوحدة الوطنية, واشاعة الديمقراطية في شتى أرجاء مناطق الحكم الذاتي, ناهيك عن ضرورة الاستقواء بالعمق العربي, والبعد الاسلامي, بما يقوي موقف المفاوض الفلسطيني, بعد طول ضعف. بقلم: عبدالقادر ياسين ، كاتب فلسطيني مقيم بالقاهرة