لا يزال حلم الدولة الفلسطينية يعيش طور الامكانية التاريخية والنضالية والقومية والدينية فيما اختلفت ملامحه التي اختلطت بألوان الطيف التي تسود دائرة الواقع السياسي في هذه المرحلة الحاسمة. وخاصة ان الاساس الذي يعزز مشروع اعلان الدولة على ارض الواقع يكمن في القرارات الدولية المختلفة ابتداء من قرار التقسيم رقم 181 في 29/11/1947 والذي نص على وجود دولتين فلسطينية ويهودية على ارض فلسطين وانتهاء بقرار رفع التمثيل الفلسطيني في الامم المتحدة الذي تم قبل عامين تقريبا والذي احتوى على كافة المبررات القانونية التي دعت اليها وثائق وقرارات الامم المتحدة. ان المشكلة الفلسطينية والتي نفضل ان نستمر في تسميتها على هذا النحو لا تزال انموذجا دراميا يوازي المآسي الاغريقية القديمة في كافة مشاهدها وفصولها التاريخية. ويمكن القول ان بداية الحياة تميزت بالاستغلال والقهر والعجز والضياع وذلك خلال حقبة الاربعينيات ثم اعقب ذلك التهجير والطرد وما عاصره من معاناة الحياة اليومية والافتقار لاسس الحياة الكريمة من تعليم وصحة وحرية الفكر والتعبير عن الرأي, اما المرحلة التي تلت ذلك تمثلت في انطلاقة افاق النضال المسلح والثورة في مواجهة العدو الواحد وما واكب ذلك من مشاكل داخلية وخارجية في بعض الانظمة العربية التي حاولت احتواء واخضاع الثورة واهدافها, حتى جاء السلام واجوائه التي غطت المنطقة العربية بل والاسلامية بأسرها وصلت الى حالة من ما وصفته الوسائل الاعلامية بالهرولة تجاه اعداء الامس, ومن التفكير في اقامة الدولة على اراض الحكم الذاتي في الضفة وغزة. مد وجزر يعتبر اعلان الدولة الفلسطينية الذي هو من الحقوق الطبيعية والتاريخية والقانونية والدولية للشعب الفلسطيني وطبقا للاتفاقات الملتزمة مع الكيان الصهيوني من محاور الخلافات القائمة بين السلطة الفلسطينية والكيان الاسرائيلي في ظل تداعيات تفاوضية تعيش مرحلة المد احيانا والجزر احيانا وخاصة بعد التصريحات والانباء الصحافية منها المؤكدة ومنها غير المؤكدة عن تسليم ابو ديس والعيزرية للسلطة الفلسطينية لتكون بديلا عن العاصمة التاريخية للفلسطينيين والدولة المرتقبة فالدولة الفلسطينية تثير خلافات كثيرة. وذلك بالرغم من الفروق الكبيرة بين اعلان الدولة في شكله الرسمي والدولي وبين قيام هذه الدولة على ارض الواقع تطبيقاا لهذا الاعلان. وصورة ذلك ما حدث في اعلان الجزائر عام 1988. وما اعقب ذلك من ظهور السلطة الفلسطينية في مناطق الحكم الذاتي بالضفة الغربية وقطاع غزة. فالدولة هي المرحلة الاخيرة من مراحل تطبيق حق تقرير المصير المعترف به للشعب الفلسطيني طبقا للقرارات الدولية بحيث لا يمكن استقرار المنطقة دون تنفيذ هذا الحق. ويتطلب اعلان الدولة البحث في آليات تنظيم البيت الفلسطيني من الداخل والخارج سياسيا وتنظيميا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا. وبمعنى آخر يجب وضع الخطط الكفيلة بضمان مواجهة كافة الاحتمالات الاسرائيلية التي لا تخلو من التصلب والمراوغة والشذوذ السياسي. اعتراف قديم لابد من التأكيد في هذا المجال بأن الدولة الفلسطينية معترف بها منذ زمن بعيد كدولة وابرز دليل على ذلك الممثليات والمكاتب التي تمثلها في مختلف دول العالم حيث تحمل بعضها اسم سفارات رسمية, كما يعامل رئيسها كرؤساء الدول الرسمية, واخيرا فإن الشعب الفلسطيني متواجد على الارض الفلسطينية, اي تتوافر مقومات الدولة: الشعب والسلطة والارض. بل ومنذ ان اعلن المجلس الوطني الفلسطيني عن الدولة خلال دورته الـ 18 في الجزائر عام 1988 على الاراضي الفلسطينية التي احتلت في عام 1967 بدأت آمال الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات تأخذ بعدا جديدا. وكان هذا الاعلان لا يخرج عن كونه البداية والمفتاح السحري للخروج من الأزمات التي تواكبت على منظمة التحرير الفلسطينية ومؤيديها من العرب والدول الاجنبية, إلا ان ذلك كان من العوامل التي ساهمت في وضع اسرائيل في موقف حرج على الصعيد العالمي. ويعتمد اعلان الدولة على اسباب داخلية وخارجية, تتمثل الداخلية في معاناة الضفة الغربية وقطاع غزة اوضاعا داخلية يسودها الترهل الاداري والتراجع الاجتماعي للمجتمع الفلسطيني اضافة الى الضعف الاقتصادي والصراع السياسي البارز بين الفئات والتوجهات المختلفة للحركات والتنظيمات السياسية, وما ترتب على ذلك من بروز حالات الاحباط واليأس لدى رجل الشارع العادي. هذه الظروف وبدون شك ستؤثر على عملية اعلان الدولة ومدى جاهزية الشعب لتقبل هذه الفكرة في مثل تلك الظروف الصعبة مما يتطلب معه ضرورة اعادة بناء اللحمة الفلسطينية وتعزيز الثقة لدى المواطن في قيادته وسلطته الوطنية من خلال مشاركته الفعلية في تبني اعلان الدولة واعتباره الطرف الاساسي في هذه العملية. ومن الطبيعي القول ان الوضع الداخلي مفتاح نجاح او فشل اعلان الدولة التي لن تقوم دون مؤازرة وتأييد ودعم هذا القطاع المهم في العملية السياسية. ولا ننسى ان حالات الفساد الاداري والمالي التي ظهرت في اروقة المؤسسات الحكومية كان ولا يزال لها الاثر البالغ في اعلان الدولة فمع وجودها تقلصت المساعدات الدولية من الخارج وتحديدا من الدول الاوروبية المانحة اما في حالة وجود جبهة داخلية خالية الى حد ما من صور الفساد المختلفة فإن ذلك سيكون له تأثيرا ايجابيا في دعم السلطة وتأييد اعلان الدولة بل التعجيل بذلك كلما امكن. اما الاسباب الخارجية فيمكن القول باعتماد فشل ونجاح مسألة اعلان الدولة الفلسطينية في الدرجة الاولى على مدى استعداد الدول وخاصة الاوروبية اضافة للولايات المتحدة لقبول هذه الدولة بصورتها النهائية كعضو كامل في المجتمع الدولي. يشير السجل الاسرائيلي في هذا المجال الى رفض هذا الكيان جملة وتفصيلا لاسباب اهمها انها تهدد الامن الاسرائيلي وتقلص من سيادته السياسية والاستراتيجية في المنطقة وتساهم في زيادة المخاطر المختلفة على هذا الكيان الصهيوني مما يتطلب المزيد من الجهد الامني والسياسي لبقاء اسرائيل في مأمن من رد فعل المعارضين لعملية التسوية سواء التنظيمات العلمانية او الدينية في فلسطين وخارجها. سيناريوهات مختلفة تتمثل السيناريوهات المحتملة لاعلان الدولة في: 1ـ قيام اسرائيل برد معاكس مضاد قوي يتمثل في اعادة السيطرة على بعض المناطق الفلسطينية التي تم تحريرها سلميا عام 1993. 2ـ فرض حصار بري وبحري وجوي على المناطق الفلسطينية يتمثل في اغلاق الحدود البرية ومنع الطائرات من الهبوط في مطار غزة, ومراقبة بحرية مشددة لسواحل القطاع. 3ـ استغلال وجود المستوطنات داخل مناطق السلطة الوطنية وذلك من خلال اثارة اجواء الفتنة الداخلية بين الجماعات الفلسطينية المناهضة لعملية التسوية. 4ـ السيطرة الاعلامية ومحاولة خداع الشعب في الداخل والخارج وفي الوقت نفسه اقناع العالم ببيانات مضللة عن القيادة وعلاقتها بالشعب الفلسطيني في الداخل في محاولة لزعزعة الاستقرار الداخلي واثارة الفتنة بين فئات الشعب المختلفة. 5ـ ضم المزيد من الاراضي الفلسطينية وتكثيف حملة الاستيطان اليهودي. 6ـ محاصرة الاراضي الفلسطينية ومنع ادخال المواد الغذائية او التموينية مثل البترول مثلا الى فترة محددة ومنع التنقل بين الضفة وغزة وخاصة بالنسبة لرجال الحكومة والسلطة. خلل يعزز مطالب اسرائيل ومن عناصر الخلل التي ستساهم في تعزيز موقف اسرائيل في هذا المجال: 1ـ ضعف السلطة الفلسطينية في الحكم الداخلي حيث توجد المستوطنات وسط الاراضي المحررة مما يفقدها القوة اللازمة لحرية التحرك الداخلي في حالة حدوث تدخل اسرائيلي محتمل بعد اعلان الدولة. 2ـ تبعية الاقتصاد الفلسطيني للجانب الاسرائيلي بشكل كامل وفي كافة المجالات. 3ـ اعلان الدولة سيساهم بشكل او بآخر في اهمال القضايا المصيرية الاخرى مثل مستقبل مدينة القدس وموضوع اللاجئين مثلا. مزايا الاعلان 1ـ تعزيز قدرة المفاوض الفلسطيني على الدفاع عن ارضه ومواقفه بصورة اكثر تشددا وصلابة في مواجهة الغطرسة الصهيونية. 2ـ دعم دولي على كافة الاصعدة مما يعزز الوجود الفلسطيني رسميا وشعبيا داخليا وخارجيا وفي كافة المجالات. 3ـ الاعتداء الاسرائيلي على الاراضي الفلسطينية سيزيد من تأييد العالم للقضية وضرورة دعم السلطة الوطنية بكافة السبل. الخلاصة ان اعلان الدولة في صورته البعدية يؤكد حقائق لابد من تسجيلها باختصار في النقاط التالية: 1ـ لا تستطيع اسرائيل المخاطرة بعمل عسكري في الاراضي الفلسطينية مهما كان الامر بل كل ما تستطيع عمله مجرد التلويح باستعادة الاراضي وعلى اكثر تقدير دخول اراضي السلطة لفترة محددة. الا ان ذلك سيثير غضب الشعب اولا والعالم ثانيا. 2ـ رد الفعل الاسرائيلي المخالف سيغضب العالم الاوروبي تحديدا مما قد يؤثر على الموقف العام في المنطقة بشكل عام وضد اسرائيل بصورة خاصة. 3ـ يمتلك الشعب الفلسطيني المبررات القانونية والدولية والشرعية للدفاع عن حقوقه وخاصة حق تقرير المصير. اما تأجيل اعلان الدولة والذي حدث عام 1999 فيعني وبدون شك ان الحكومة الفلسطينية ما زالت تسلم بما يسمى بالحكم الذاتي رغم تناقض ذلك مع الاتفاقيات ونتائج المفاوضات مع الجانب الاسرائيلي. ففي 4 مايو من عام 1999 كان الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج على موعد مع استحقاق الدولة الوطنية على الارض المحررة استنادا على الاتفاقيات التي تنص مع انهاء المرحلة النهائية من اتفاق اوسلو, الا ان التكتيك السياسي الفلسطيني فرض ضرورة العدول عن ذلك وتأجيل اعلان الدولة في 13/9/2000 كموعد اخير لذلك وبتأكيد من عرفات نفسه. مطالب وامنيات الدولة 1ـ دولة تقوم على ضمانات الوحدة والتوحد بين الضفة وغزة وبعيدا عن القبول بالتجزئة المستترة وغيرها من ألوان الحلول المبتورة. 2ـ دولة ديمقراطية تحمل في طياتها المفاهيم الحقيقية للديمقراطية والحرية في كافة المجالات. 3ـ لابد من الحصول على دولة محددة الهوية تنتمي في توجهاتها الى العالم العربي والاسلامي وليس مجرد كيان مستقل يخضع لارادة جهات اخرى بطريقة مباشرة او غير مباشرة. 4ـ دولة عاصمتها القدس, والتي بدونها تفتقد للرموز الوجدانية والوطنية. 5ـ نطالب بدولة مستقلة استقلالا فعليا وليس مجرد بيانات بضمانات امريكية او غيرها, والذي نريده حرية واستقلال ذات سيادة فعلية وكاملة والتمتع بكامل الحقوق المعترف بها دوليا. 6ـ دولة تعيد للشعب الفلسطيني هويته الوطنية وبالتالي الرقي بالحياة الكريمة لهذا الشعب في الداخل والخارج وفي المدن والمخيمات. الاعتماد على قرار التقسيم رقم 181 واعتباره المرجع الوحيد لأية تسوية سلمية. 7ـ دولة لكل الفلسطينيين اينما وجدوا في ظل حكم برلماني يقوم على اساس حرية الرأي وحرية تكوين الاحزاب ورعاية الاغلبية حقوق الاقلية واحترام قرارات الاغلبية, وعلى العدل الاجتماعي والمساواة وعدم التمييز في الحقوق العامة. نحن نجس النبض حول هذا الموضوع في العالم كله. الصدى ايجابي, ستكون خطوة لتحقيق حق تقرير المصير المقنن بالقانون الدولي, ان بعض الاوساط التي رفضت سابقا حقنا في الدولة المستقلة غيرت رأيها الآن, مثلا في هذا الاسبوع اعلن هنري كيسنجر في تل أبيب بأن الدولة الفلسطينية لا مناص منها وهذا هو كسينجر صاحب القول المألوف (باي. باي بي إل او) كفاحنا الذي شكك فيه الكثير اثمر عن نتائج. بقلم: د. عبدالرحيم عبدالواحد