اتابع من مدينة (مورجان تاون) بولاية وست فرجينيا بالولايات المتحدة بكل الحواس الحملات الانتخابية التي يشنها الحزبان الديمقراطي والجمهوري, ويبدو ان القضايا الدولية لا تشغل بال الناخب الامريكي, علما بان الولايات المتحدة تقف على رأس الهرم الدولي من حيث القوة العسكرية والسياسية, والاقتصادية, وحتى التأثير الثقافي. فهل يتعامل الامريكان مع العالم على انه كتلة مضمونة, او في الجيب كما يقولون, ام ماذا. اية سؤال حائر, وهذا التجاهل للعالم بصينه وهنده, وعربه, واوروبية, كل هؤلاء لا يشغلون الا حيزا ضئيلا تافها من اهتمام النائب الامريكي. والسؤال الحائر لماذا؟ والجواب عن السؤال هو ان الفرد الامريكي يؤمن كثيرا بمؤسساته, ويترك لها العمل السياسي, وما يهمه من العمل السياسي برمته هو تأثيره على معاشه ورفاهه, وعلى الضرائب التي سيدفعها, والدعم الذي سيقدمه له, ومخصصات التعليم والتدريب, وضمان استمرار فرص العمل المجزية, اما باقي الامور, فهي لا تشكل الا قضايا جانبية, والعولمة التي ينشغل بها العالم متهما الولايات المتحدة بالضلوع في حبك مؤامراتها لا ترد على بال الفرد الامريكي العادي المسكون بهمومه الدنيوية, وفواتيره المستحقة آخر الشهر, والعلاوات التي ستأتيه, وثلاجته المليئة بالطعام والشراب. واننا نحن الذين ترعرعنا في الوطن العربي نتعامل مع السياسة يوميا, وباستمرار, سبعة ايام في الاسبوع ولمدة اثنين وخمسين اسبوعا في السنة, ومع هذا, فنحن نصل دائما الى النتيجة بان السياسة لها اصحابها, وان لها قوة خارقة علينا, وانها قدر مكتوب لا نستطيع التأثير في اتجاهاته او مكوناته. فنحن مشغولون بها عن كثير من امورنا, ولكننا نقف حيالها مستسلمين قابلين لنتائجها في المحصلة النهائية, وهكذا يبقى تعاملنا معها تعاملا فكريا اقرب الى نسيج القصة وحبكة المؤامرة والغموض منها الى تحليل واقعي يلامس قضايا حياتنا وشجونها. ولهذا فنحن لا نحب دفع الضرائب, ولا يحب الامريكيون دفعها, ولكنهم لا يتأخرون عن الدفع, ويرهبون رجل الضرائب رهبتهم من عزرائيل ملاك الموت, ولا يستطيع احد منهم ان يتباهى او يتفاخر بانه خدع رجل الضرائب, لانه ان فعل ذلك حمله الآخرون المسئولية: بلغوا عنه مسئولي الضرائب, والسبب هو دستورهم التكافلي بانهم يجب ان يغرموا معا وفق نصوص القانون, واي نكوص من احد عن دفع مستحقاته, سيرتب على الآخرين اعباء اضافية, وذلك لان الموازنة بشقيها الواردات والنفقات يجب ان تتوازن, وهكذا, فان تقاعس دافع الضرائب عن اداء واجبه, سيرتب على الباقين عاجلا ام آجلا التزامات اضافية. وفي الواقع ان الالتزام بدفع الضرائب يشكل واحدا من اهم اسس الديمقراطية, لان المواطن الذي يلتزم بتمويل الحكومة واجهزتها ونفقاتها, يشعر ان له الحق في ان يكون ممثلا في صنع القرار, لا ان تأتيه القرارات من فوق, ومن قوة تقهره بالاعانات, وبالدعم, فيشعر المواطن حيالها انها هي اليد العليا الاقوى والاكثر خيرا من اليد السفلى. صحيح ان الامريكي لا يأبه الا في القضايا التي لها مساس مباشر بحياته ومعاشه ورفاهه, ولكنه يعلم ايضا ان النظام السياسي كله يعتمد في نهاية الامر على قراره عندما يذهب الى غرفة الانتخابات بملء حريته ليختار من يعتقد انهم الافضل لقيادته, ومتى ما قام باتخاذ ذلك القرار, فانه يعلم ان هنالك مؤسسات واجهزة سوف تقوم بالرقابة باسمه, وهو يجلس مرتاحا لانه يعلم ان الجميع سيعود اليه في آخر المطاف لطلب رضاه وصوته. لا شك ان الديمقراطية اختراع رائع, وهي على عيوبها خير نظام ابتدعه الانسان ليتعايش مع اخيه الانسان في نفس المجتمع, او الحيز الجغرافي, او الدولة ذات الحدود المعترف بها دوليا. وسيبقى الانسان (مدنيا بالطبع) كما قال العلامة ابن خلدون قبل اكثر من ستة قرون, وستبقى حاجاته للتعامل مع اخيه الانسان قوية وملحة, وخاضعة لنظم واساليب تنظم العلاقات بين البشر. ولا فضل لانسان على آخر الا بالعمل الصالح. ولهذا, فان تقسيم الارزاق بين العباد, وتوزيع النفوذ, والقوة, والمنافع, وغيرها مما يتنافس عليه البشر منذ هجروا جنات عدن, يجب ان يتقيد بقوانين عادلة تنبع عن المنتفعين والمتضررين بهذا التقسيم. والديمقراطية هي الوسيلة الانجع.