تشهد بعض الدول العربية شيئا مشجعا في تفكيرها السياسي وفي نهجها الداخلي, وفي ادراكها لضرورة التحديث والانسجام مع حقوق التطور. وفي الآفاق السياسية في العالم العربي نستطيع ان نرصد ايجابيات تنويرية ستدفع بالمجتمعات نحو المزيد من التلاحم والمزيد من ممارسة الحرية, والمزيد من اتساع دائرة الديمقراطية, والمزيد من السعي تجاه تفكيك دولة المخابرات. وقد سعدت كثيرا في الاجراءات التي اتخذها الملك محمد السادس, ملك المغرب الشاب, الذي حرك جمود السلطة الذي ورثه عن أبيه المغفور له الملك الحسن الثاني, ولم اكن اتصور ان يقوى الملك الشاب على ابعاد الوزير المتنفذ ادريس البصري, الذي كان يسيطر على مسرح السياسة في المغرب خلال العقود الثلاثة الماضية, وكان دوره شبيها بالدور الذي قام به عبد الحميد السراج في دمشق, وهو ترسيخ قبضة الحكم على المجتمع, ومحاصرة الفكر المختلف, وفرض نهج واحد على المسيرة السياسية في المغرب, ولا شك بأن استقبال شعب المغرب لتلك الخطوة ومشاعر الاطراء شجعت الملك محمد السادس الى توسيع دوائر الانفتاح على المنفيين, والعفو عن المحكومين, واطلاق سراح الشخصيات العامة السياسية والفكرية, وتدشين اسلوب جديد في السلوك الملوكي بزيارة الارياف والمناطق المختلفة, وتعزيز مفاهيم حقوق الانسان, والديمقراطية, والدفع تجاه الابداع. ويتفاعل الملك محمد السادس مع التطورات الدولية ومستجداتها في تعظيم اهمية الانفتاح والتلاقي مع الحضارات والتشابك مع الشعوب بمختلف ثقافاتها. ولا ينحصر هذا الاتجاه في المغرب فقط, وانما يصل الى الجزائر, تحت قيادة الرئيس بو تفليقة, الذي كان مسئولا كبيرا في عهد الطغيان الفردي مع الرئيس المرحوم بو مدين, وتعرف على الحضارة الغربية بعد ان عاش فترة في مدينة نيويورك, في اوروبا, وآمن بنهج الانفتاح وفوائد الاعتزاز بالقيم الانسانية, ونرى بلدين هامين يخرجان من الجمود والتقوقع الفكري وتخرج القيادتان فيهما من الخوف من المجهول, وهو العقدة التي شلت البلدين. لا ارى نفس حجم التطور في تونس, التي ما زال الخوف من المجهول يعتري فكر القيادة فيها, فلا تزال تونس مكبوحة بترسبات قديمة اعاقت انطلاقتها. وتظل ليبيا في ظل نظام العقيد القذافي خارج دائرة التحديث, وتظل هي الاخرى اسيرة لمفاهيم جامدة. نشاهد في سوريا بداية فصل جديد بعلامات مشجعة من القيادة الشابة الجديدة في اخراج سوريا من الشيخوخة السياسية والاقتصادية والفكرية التي اقامتها وهدت حيلها, وضيعت عقودا من شبابها ومصداقيتها. وقد كانت سوريا, وهي ارض الشام, مفخرة الابداع الانساني ومبادراته ونجاحه الى ان عقدتها الايديولوجيا الجافة, وشلتها الآليات التي اختارها الحكم لتنفيذ هذه الايديولوجيا. جاء الرئيس بشار الاسد, بحماس متجدد ليدفع بالحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الى مشهد آخر فيه التجديد والحيوية والعزم على ازالة الخروقات الاخلاقية والمالية, والبدء بفلسفة وتثمن الكفاءة وان ظلت تستذوق الولاء. تحتاج سوريا الى عمليات جراحية لا سيما في حياتها السياسية وصيغتها الاقتصادية, لكي تتلاءم مع المنحى الدولي في تحرير الادوات الاقتصادية من الكوابح العقيمة. زرت سوريا اول مرة في حياتي عام 1953, كنا صغارا بهرتنا دمشق بنضارتها وحيويتها ونشاطها الاقتصادي وابتكارات طبقة رجال الاعمال فيها. اختفى ذلك المشهد المثير ودخلت سوريا في حياة الانبوب الخانق, قتلت حيويتها الايديولوجيات والصراعات السياسية, تحتاج سوريا اليوم الى اعادة التأهيل في برامجها الفكرية والسياسية والاقتصادية, واول شيء مطلوب من الرئيس بشار الاسد ـ عمله هو الدفع نحو حقوق الانسان والانفتاح السياسي وتشييد صيغة متكاملة لنظام مالي حديث يتفاعل مع الانظمة المالية في العالم. وفوق ذلك لابد من النظر في تقنين المحاسبة والمساءلة والشفافية في السلوك والدفع نحو حرية التعبير والتفكير, وانتهاج سياسة اعلامية حديثة والخروج من الشخصنة الى تعظيم دور المؤسسات. يقول الملك عبدالله الثاني في تصريح لاحد الصحفيين, بانه سيواصل نهج والده المغفور له الملك حسين, لكنه ليس الملك حسين, هو الملك عبدالله باسلوبه وبتراث جيله وبفكره وبالحصيلة الكبيرة التي تعلمها من الحياة. ونشاهد الجنوح في الاردن نحو المزيد من الديمقراطية, والحد من تداخلات المخابرات, والدفع تجاه تعزيز المجتمع المدني, وترسيخ اقدام حرية التعبير. كنت ازور الاردن بشكل منتظم خلال الثمانينيات, واشعر منذ وصولي مطار عمان بثقل ثقافة المخابرات التي رسختها سلوكيات الحكم خلال العقود الاربعة الماضية. في البحرين لمحت موجة التفاؤل بعد ان اصدر الشيخ حمد بن عيسى امير دولة البحرين قرارات هامة تتعلق بحرية الانتخاب ودور المرأة, والديمقراطية, والانفتاح وتطوير آليات العولمة في البحرين ولا نستطيع ان نتجاهل ما يدور في قطر من رعاية النهج الديمقراطي المنفتح من قبل امير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني, وتصل موجة الانفتاح الى سواحل سلطنة عمان, بعد ان استقبلت السلطنة عالم المتغيرات بتفاعل ايجابي, واعطت المرأة حقها في العمل السياسي, بعد خطوات جريئة في التخصيص الاقتصادي ورعاية دور القطاع الخاص في مجالات التنمية. ومع هذه الصورة الوردية والمشجعة, تبقى محطات في العالم العربي لم تتغير ولم تستقبل المستجدات بل ذهبت في التشكيك في ملاءمتها للمجتمعات النامية. ومهما كانت ارادة التصدي للتطور فانها في النهاية لن تستطيع الصمود الدائم امام التحولات العالمية. يسعدنا اخيرا ان نرى تفكيك الانعزال تفكيك الايديولوجيات السياسية والاقتصادية تفكيك آليات الحكم الفردي الانفتاح امام التطورات والتشابك معها. التعرف على مشارف الحضارات العلمية والفكرية والابتكارات. يسعدنا ان نرى العالم العربي في حضن عصر الاستقلال المتبادل الذي يكرم دور الدولة الوطنية من خلال بناء شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية التجارية الاقليمية والدولية ومن خلال الترابط مع التجمعات الاقليمية والعالمية, والتناغم مع متطلباتها والقبول بحقوقها بصراحة ان العالم العربي اليوم افضل مما كان عليه قبل عام لان فكرا جديدا يجلس على مقعد القيادة مثمنا فوائد التضامن الايجابي مع تحولات الفكر العالمي. ومن مكونات التغيير في العالم العربي, نرصد المشهد الخليجي بتجلياته الحالية, وابرزها تفكيك دولة الرفاه, والدفع بالقطاع الخاص ليبرز في مجال التنمية, والبدء في ترشيد الخدمات بالتخفيض التدريجي لمعدلات الدعم, والاخذ بنظرية التخصيص, والتخلص من القطاع العام, والحد من الاسراف, والانفتاح الاقتصادي والتجاري بتبني قوانين المستثمر الاجنبي ودعوة الشركات عبر الوطنية وعبر الاقليمية بالمشاركة في مشاريع التنمية, لتوسيع دائرة التوظيف والعمل, واقتباس التكنولوجيا, وفنون الادارة الحديثة. واذا كان هذا المشهد الخليجي يتفاعل الآن في الحياة اليومية, فمن الملاحظ ان هذا التطور لم يتم بمعزل عن التحولات السياسية والاجتماعية في الخليج, فلا يمكن تجاهل نمو الوعي نحو المزيد من الديمقراطية, والمزيد من المساءلة, والترحيب بدور المرأة, وحرية الاعلام والتعبير, والتعرف على الحاجة الملحة للنهوض بحقوق الانسان. نلاحظ نمو البناء الديمقراطي, الذي بدأ في التشاور والاستشارة غير المقننة واخذ الطابع المؤسسي عبر المجالس الاستشارية, وادخال اللائحة الانتخابية في نظامها بدلا من التعيين. الشكل العام للخريطة العربية يرصد التوجه المنطقي نحو التفاعل مع التبدلات العالمية, ويبرز التجاوب مع متطلبات العولمة, واعتقد ان مساحة التجاوب ستزداد عموديا من حيث التوسع, وافقيا لانها ستطال البقع العربية التي ما زالت تجتر مصطلحات لا وزن لها في عالم الحقائق (لان نضيء شمعة خير لنا من ان نلعن الظلام) .