بعد مرور أشهر معدودة على استلام الرئيس التركي الجديد احمد نجدت سيزر مهامه أظهرت الدولة تصميمها على متابعة حملتها ضد الإسلام السياسي من خلال تأييد محكمة التمييز التركية في الخامس من يوليو الماضي، قراراً يقضي بسجن رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب الرفاه نجم الدين أربكان سنة مع النفاذ ومنعه من مزاولة أي نشاط سياسي... وقد استند القاضي في حكمه على المادة 312 من قانون العقوبات في الدستور التركي تلك المادة التي تنص على أن حرية التعبير والرأي خارج الأسس الأتاتوركية للدولة يعد جرماً بحق القانون. وفي هذا السياق اتهم أربكان بالتحريض على الفتنة الطائفية والعرقية خلال خطبة انتخابية ألقاها في محافظة بنغول (جنوب تركيا) في عام ,1994 وقد أثار الحكم استياء السياسيين الأتراك على مختلف اتجاهاتهم حيث عبر رئيس الوزراء التركي بولنت ايجيفيت عن احترام القضاء غير أنه ليس سعيداً وراضياً عن الحكم كما طالب رئيس حزب الفضيلة رجائي قوطان بضرورة إلغاء البرلمان المادة 312 المقيدة لحرية الرأي والتعبير, وعلى جانب آخر فقد وصفت الصحف التركية الحكم بأنه (نوع من التخلف والإصرار على الإخلال بحق الإنسان التركي واعتراف بغياب حرية الرأي الحقيقية في البلاد) , وجدير بالذكر أن هذا الاستياء العام نابع من الورطة التي وُضعت فيها تركيا أمام الاتحاد الأوروبي وهي المرشحة للانضمام إليه.. حيث اعتبر رئيس اللجنة البرلمانية للمجلس الأوروبي أن الحكم (يعرقل انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي) كما أنه (يخالف كافة المعايير القانونية للتعددية الديمقراطية التي تؤمن بها أوروبا) . وتجدر الإشارة إلى أن تيار الإسلام السياسي في تركيا ليس حديث العهد وإنما يضرب بجذوره إلى فترة قيام الدولة التركية العلمانية حيث جاء مؤسسها كمال أتاتورك وأطلق حظراً عام 1925 على كل الأنشطة الدينية وهو ما أدى إلى سرية المسألة الدينية ونشاطها على أيدي مجموعة من زعماء وأفراد الطرق الدينية, ومع إقرار نظام التعددية الحزبية في عام 1945 ولاعتبار التنافس الانتخابي مع افتراض وجود مشاعر إسلامية لدى زعماء بعض الأحزاب العلمانية تم تخفيف الحظر الذي كانت تواجهه التيارات الإسلامية, ودخلت الحركة الإسلامية مرحلة جديدة من التنظيم السياسي العلني الذي كان يحظى بالشرعية القانونية مع تأسيس حزب النظام الوطني عام 0791 ثم بديله حزب السلامة الوطني عام 1972 ثم بديله أيضاً حزب الرفاه الإسلامي عام 1973 والذي حل محله أخيراً حزب الفضيلة عام ,1998 وعلى جانب آخر فإن للحركة الإسلامية جمعيات علمية تمدها برجال العلم وكوادره ولهذه الجمعيات نشاطات خيرية وهي تنسق جهودها مع مراكز البحوث الأهلية في بعض الدول الإسلامية.. كما تحفل دور النشر الأهلية برؤى إسلامية للترجمة تقوم بدور فعال ومؤثر في تعريف الأتراك بالإسلام وبالأخص بعد صدور قانون توحيد التدريس وإلغاء التدريس الشرعي والذي استمر في تقوية العلوم الإسلامية على نحو ما كان يدرس في برامج المدارس العثمانية. وشكلت هذه البنية التحتية مدداً لتقوية أسلمة المجتمع مقابل التطرف العلماني لتتكون النخبة الإسلامية من التقنيين والمثقفين. ذروة الصعود كانت ذروة صعود التيار الإسلامي في تركيا في النصف الثاني من التسعينيات فرغم أن رموز هذا التيار وأحزابه كانوا قد شاركوا في السلطة غير أن المشاركة الأكبر جاءت بعد فوز الرفاه الإسلامي في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في ديسمبر عام 1995 بأكبر نسبة من الأصوات حيث حصل على 22.21% من جملة الأصوات واحتل بواسطتها 158 مقعداً من مقاعد البرلمان التركي البالغ عددها 550 مقعداً مكوناً بذلك أكبر كتلة برلمانية وصاحب الأغلبية. وعلى هذا الأساس شكل نجم الدين أربكان زعيم الحزب الحكومة مؤتلفاً مع تانسو تشيلر زعيمة حزب الطريق القويم في 29 يونيو عام 1996 وذلك بعد عدة محاولات من جانب القوى والأحزاب العلمانية والعسكريين للحيلولة دون تشكيل الإسلاميين للحكومة. غير أن أربكان لم يستمر كثيراً حيث قدم استقالة حكومته في 18 يونيو عام 1997 نتيجة تضييق الخناق عليه من قبل المؤسسة العسكرية التي أبدت استياءها من توجهات أربكان التي اعتبرتها مخالفة لتوجهات تركيا العلمانية, ولم يقتصر الأمر على ذلك بل وتم حظر حزب الرفاه ومنع أربكان من العمل السياسي لمدة خمس سنو ات وهو ما دفع الإسلاميين إلى تكوين حزب الفضيلة الذي شارك في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أجريت في 18 إبريل عام 1999 وحصل على 208.15% من جملة الأصوات محتلاً بذلك 110 مقاعد من مقاعد البرلمان محققاً بذلك المرتبة الثالثة في البرلمان من حيث عدد المقاعد. وبالرغم من هذا النجاح الذي حققه حزب الرفاه ومن بعده الفضيلة في الحياة السياسية التركية إلا أنه يصبح من قبيل الاختزال الشديد للصورة إذا نظر لذلك الحزب على أنه هو فقط تيار الإسلام السياسي في تركيا. فهذا التيار يشمل العديد من الجماعات والحركات بل والأحزاب الأخرى إلى جانب حزب الفضيلة, ويمكن تقسيمها إلى جماعات سلمية وأخرى مسلحة على النحو التالي: أ ـ الجماعات السلمية: 1ـ جماعة النوريون: وتنسب إلى سعيد نوري وأساسها النظري هو تقوية الإيمان ومعارضة الإلحاد والشيوعية والرأسمالية والنظام العلماني, وقد انقسم النوريون إلى جماعات مختلفة بعد وفاة مؤسسي الجماعة وأبرزها جماعة فتح الله غولين, وجماعة بازجي نسبة إلى محسن بازجي أوغلو زعيم حزب الاتحاد الكبير وهي حزب إسلامي صغير, وجماعة صحيفة بن آسيا وهي ذات توجه إسلامي متشدد. 2ـ السليمانيون: أسسها سليمان حلمي تونهان المتوفى عام 1959 وأنصار هذه الجماعة يتصفون بالتشدد والراديكالية ومعارضتهم لأتاتورك والنظام العلماني ونمط الحياة على الطراز الغربي ويعلنون أن تركيا هي (دار حرب) يجب الجهاد لتحويلها إلى (دار سلام) وتركز الجماعة نشاطها على المدارس الدينية وفصول تحفيظ القرآن. 3ـ الإيشيكتشيون: وأسسها في أوائل الثمانينيات حسين حلمي ايشيك الضابط السابق وهذه الجماعة تولي أهمية قصوى للتجارة والاقتصاد عموماً كمدخل رئيسي للسلطة والقوة حيث يتزعمها الآن رجل الأعمال المشهور (أنور أوراق) صاحب مجموعة شركات إخلاص التي تصدر عنها صحيفة (تركيا) رابع الصحف التركية من حيث التوزيع وتمتلك كذلك محطة تليفزيونTGRT الفضائية ومجلات أسبوعية وشهرية خاصة بكل القطاعات والفئات وهم ليسوا على انسجام مع (الفضيلة) ومن قبله (الرفاه) ويميلون غالباً إلى الحزب اليميني المتواجد على رأس السلطة. 4ـ القادريون: وهؤلاء يؤيدون الاتجاهات القومية التركية ويعارضون دخول تركيا الاتحاد الأوروبي ويرون في الولايات المتحدة العقبة الكبرى أمام إحياء القومية التركية. 5ـ جماعة فتح الله غولين: ويركز رئيس هذه الجماعة التي انشقت عن النوريين على التعليم حيث يمتلك أكثر من عشرين مدرسة في تركيا وما يزيد على 20 مركزاً تعليمياً, كما أنشأت جامعة الفاتح. وتولي جميع هذه المدارس الطابع الديني والأخلاقي عناية خاصة, وعلى الجانب الاقتصادي يمتلك غولين عدداً كبيراً من الشركات والمصارف المالية وكان قد أسس حديثاُ المؤسسة المالية (آسيا فينافس), والملاحظ أن جماعة غولين لا تلتقي مع الجماعات الأصولية التركية بل تسعى لحركة تطور تفسيراً إنسانياً يتوافق مع حقوق الإنسان والديمقراطية ويمكن أن تساهم في ترسيخ الديمقراطية وبصفة عامة تقترب الجماعة من أحزاب اليمين أكثر من قربها من أية أحزاب أو تيارات أخرى. 6ـ النقشبنديون: وهي أكبر الجماعات الدينية في تركيا وتهدف إلى إقامة نظام إسلامي غير أنها شهدت في السنوات الأخيرة عدة انقسامات بين صفوفها مما أثر على نفوذها. ب ـالجماعات المسلحة: 1ـ حزب الله التركي: وهو أهم حركة إسلامية مسلحة تهدف إلى إقامة نظام إسلامي بالقوة غير أن الحزب يعاني من الانقسامات الداخلية حيث أن هناك قسماً موال لإيران وهو جماعة منزيل, وهذه تعمل على إقامة نظام إسلامي على النمط الإيراني, وقسم آخر مناهض لإيران وهو مجموعة (أيليم) , وجدير بالذكر أن الدولة كانت تتساهل مع هذا الحزب في البداية حيث كان يساعدها في التخلص من عناصر حز ب العمال الكردستاني المطالب بالانفصال غير أن الحكومة التركية أخيراً بدأت في مطاردة عناصر الحزب وتصفيتها. 2ـ مجاهدي الشرق الإسلامي الكبير: وهي حركة مسلحة أيضاً دخلت في معارك دامية مع الشرطة وتبث أفكارها من خلال صحيفة (سلام) ضعيفة الانتشار حيث تدعو الجماعة إلى الثورة الشعبية الإسلامية. 3ـ منظمة الحركة الإسلامية: وتورطت هذه الجماعة في اغتيال عدد كبير من الصحفيين والمبدعين والمفكرين المعروفين. 4ـ اتحاد الجمعيات والجماعات الإسلامية: وهو يعد النموذج العلني والأشهر للحركات الإسلامية الراديكالية في تركيا وكان يتزعمه الشيخ جمال الدين قبلان المتوفى في مايو 1995 والذي أسس الاتحاد عام 1978 بدعم مباشر من إيران, ودعا قبلان إلى هدم النظام العلماني واعتبر زعماء تركيا (كفاراً), وتتخذ الجماعة بعض المجلات مثل اقتباس ـ مكتوب ـ وحدت ـ غيريشيم ـ استقلال ـ شهادات ـ توحيد ـ دعوت ـ العالم الإسلامي, منابر لنشر أفكارها ورؤيتها المعادية للعلمانية كفكر وللنظام العلماني كتطبيق وممارسة. ومع هذا الكم الهائل من الجمعيات والحركات التي تمثل تيار الإسلام السياسي في تركيا يثور تساؤل هام عن العوامل التي أدت إلى صعود هذه الجمعيات بهذه الصورة حتى أصبح لها ثقل سياسي في المجتمع تمثل على الأقل في حزب الرفاه ومن بعده الفضيلة. ويرتبط بهذا التساؤل تساؤل آخر عما إذا كانت هناك مؤشرات في المجتمع التركي ذاته على نجاح هذا التيار في تأهيل مبادئه وتجذيرها في نفوس الأتراك. وفي معرض الإجابة على السؤال الأول أشار المحللون إلى وجود بعض العوامل التي ساعدت على تصاعد حركات تيارات الإسلام السياسي, وقسمت تلك العوامل إلى نوعين هما: أـ عوامل خارجية... تتمثل هذه العوامل في مجموعة الأحداث الإقليمية والعالمية المحيطة والتي ارتبطت بدرجة أو بأخرى بأوضاع المسلمين والإسلام في العالم وأهم هذه العوامل: 1ـ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام1979: حيث كان للثورة مردود مباشر على الإسلاميين في تركيا الذين أيدوهم وأعلنوا دعمهم لها صراحة باعتبارها ضربة للاتجاه العلماني والغربي في العالم الإسلامي, وفي هذا السياق زار الشيخ جمال الدين قبلان إيران عام 1983 والتقى آية الله الخميني وبعدها في عام 1984 أسس جماعته الراديكالية المتطرفة اتحاد الجمعيات والجماعات الإسلامية. 2ـ حرب الخليج الثانية: حيث اعتبرها البعض مؤامرة تهدف إلى إضعاف المسلمين ونهب ثرواتهم. 3ـ اشتعال حرب البوسنة والهرسك: وما صاحبها من عمليات تطهير استهدفت المسلمين من البوسنيين ونظر بعض الأتراك إلى المجازر الصربية على أنها تستهدف الدور التركي بصفته الإسلامية في البلقان. 4ـ انهيار الاتحاد السوفييتي في أواخر 1989 وانتهاء الشيوعية من أوروبا عام1991: حيث استطاعت الحركات والأحزاب الإسلامية وعلى رأسها الرفاه أن تملأ بشعارات العدالة والإنقاذ والمساواة الفراغ الذي أحدثه اليسار التركي وأيضاً استطاعت أن تستقطب دعم الفقراء في ضواحي المدن وغيرها من الفئات التي كانت تقترع دائماً لأحزاب التغيير. ب ـ عوامل داخلية... تتمثل هذه العوامل في بعض الأحداث والظواهر الداخلية التي كان لها انعكاس مباشر في تقوية تيار الإسلام السياسي في تركيا, وأهم هذه العوامل ما يلي: 1ـ إن زيادة حركة الانفصالية الكردية في بعض الفترات أدى إلى تعزيز الاتجاهات الإسلامية في تركيا.. فغياب تمثيل الأكراد في البرلمان وحظر قيام أحزاب كردية ـ من قبل ـ أديا إلى إعطاء الأكراد أصواتهم للأحزاب المعارضة للحكومة وعلى رأسها الرفاه وحزب الحركة الإسلامية الأول ومن بعده الفضيلة. 2ـ اشتعال النزاع المذهبي السني العلوي منذ أواخر السبعينيات وحتى يوليو عام 1993 ثم مارس 1995 وأخذه طابع الصدام الدموي داخل تركيا مما دفع إلى مزيد من الشروخ وتعميق الشعور المذهبي والتأكيد على الذات عند كلا الطرفين. 3ـ قضاء دستور 12سبتمبر 1982 على الحركات اليسارية التركية مما أكسب الأحزاب الإسلامية وعلى رأسها الرفاه أصواتاً انتخابية كثيرة.. ومن جهة أخرى فقد حمل هذا الدستور تغييرات جذرية في نظرة العلمانية إلى الدين فعلى الرغم من تأكيده على العلمانية في المادة 42 تشير المادة 24 إلى أن تأخذ الثقافة الدينية والأخلاق مكاناً بين الدروس الإجبارية التي تدرس في مؤسسات التعليم الابتدائي المتوسط. - أما الإجابة عن السؤال الثاني الخاص بوجود مؤشرات على تصاعد التيار الإسلامي في المجتمع التركي... فقد أشار البعض إلى أنه ليس وصول حزب الرفاه إلى سدة الحكم ثم اتخاذ حزب الفضيلة بعده موقعاً لا بأس به في البرلمان هو الدلالة الوحيدة لتنامي صعود تيار الإسلام السياسي في تركيا.. بل أن هناك عدة مؤشرات ودلائل أخرى أهمها ما يلي: 1ـ زيادة عدد دورات القرآن الكريم بمعدل مرتين بين عامي 1979و1990 إذ بلغ عام 1979 حوالي 2610دورة فما بلغ عام 1990حوالي 5179 دورة. 2ـ تضاعف عدد الطلاب في دورات القرآن الكريم أربع مرات إذ كان يبلغ عام1976 حوالي 68486 طالباً وارتفع في عام1990 إلى حوالي 290ألف طالب. 3ـ بلغت نسبة الفتيات اللواتي يتابعن دورات القرآن الكريم بين عمر 7أعوام نحو 63% من عدد الطلاب الإجمالي. 4ـ الازدياد المستمر في عدد المعاهد (إمام ـ خطيب) إذ بلغ عام 1996 نحو 48% من إجمالي عدد المدارس في مستوى المرحلة المتوسطة و18% من إجمالي عدد المدارس في المرحلة الثانوية, وقارب عدد طلاب هذه المعاهد حوالي 400 ألف طالب عام1996 مقابل 2.2663 طالباً أي نحو نصف عدد الذكور (49%). 5ـ ازدياد عدد الجوامع بصورة هائلة بين عامي 1980و 1995إذ ارتفع من 57ألفاً عام 1980 إلى 70الفاً عام 1995 بمعدل إنشاء من 1500إلى 2000جامع كل سنة. 6ـ ازدياد عدد الصحف والمجلات التي تنتمي إلى تيارات إسلامية في مطلع عام 1996 بنحو 500صحيفة ومجلة, فضلاً عن 350محطة إذاعية وأربع محطات تلفزيونية علاوة على تسعة آلاف عنوان لكتب دينية مختلفة. موقف الجيش وإزاء هذا التنامي الواضح في قوة تيار الإسلام السياسي يثور تساؤل أكثر أهمية عن سابقيه ومفاده.. هل وقف الجيش العلماني في تركيا متفرجاً ومكتوف الأيدي؟ والواقع أن الجيش لم يكن أبداً كذلك بل أنه دخل في صراع مرير مع هذا التيار منذ اللحظة الأولى حيث اتخذ أسلوباً للحرب على الإسلام السياسي من خلال التضييق على الإسلاميين ومحاصرتهم بالقوانين التي أدرجت تحت عنوان المحافظة على المبادئ العلمانية للجمهورية, وفي هذا السياق برزت المادة 312 من قانون العقوبات في الدستور التركي ـ سبق الإشارة إليها ـ والتي سجن بمقتضاها العديد من الشخصيات التركية الإسلامية والكردية اليسارية والمعنية بحقوق الإنسان, بالإضافة إلى ذلك درج الجيش على حظر الأحزاب السياسية التي تتخذ الإسلام هوية لها كما تم سجن قادة الحركة الإسلامية وحرمانهم من ممارسة النشاط السياسي.. وتجدر الإشارة في هذا السياق أن الجيش كان قد تدخل بصورة مباشرة ثلاث مرات منذ عام 1960 ضد تيار الإسلام السياسي وكان ذلك على النحو التالي: 1ـ القيام بأول انقلاب عسكري في تاريخ تركيا الحديث في 27مايو 1960 تحت ذريعة (حماية العلمانية) وأُعدم على إثره رئيس الوزراء التركي الأسبق (عدنان مندريس) الذي ساهم كثيراً في الإحياء الإسلامي في الخمسينيات عبر العديد من الإجراءات التي سمحت بتنامي التيار الإسلامي. 2ـ القيام بالانقلاب العسكري الثاني في 12مارس 1971 رداً على الممارسات و (الأخطار) التي تحيق بالعلمانية من جراء تصاعد الحضور الإسلامي في الحياة السياسية. 3ـ القيام بالانقلاب الثالث في 12ديسمبر عام 1980. وقد تمثلت الشرارة المباشرة لهذا الانقلاب في المهرجان الذي أقامه حزب الأمة الوطني في مدينة (قونية) في 9 سبتمبر عام1980 وحمل شعار (تحرير القدس) وشارك في المهرجان مئة ألف شخص جاءوا (بالجبب والطرابيش والبيارق الخضراء) مطلقين هتافات معادية للنظام العلماني.. داعين إلى هدمه وإقامة دولة إسلامية بدلاً منه.. لذا كانت الخطوة الأولى لزعيم الانقلاب (كنعان إيفريني) هي حظر كل الأحزاب السياسية ومحاكمة زعمائها وسجنهم وكان بينهم حزب السلامة الوطني وزعيمه نجم الدين أربكان. - وخلال التسعينيات تغير أسلوب الجيش في مواجهة الإسلاميين حيث تخلى عن أسلوب الانقلابات ـ إرضاء للاتحاد الأوروبي الذي تسعى تركيا للانضمام إليه ـ واتبع أسلوباً آخر تمثل في تضييق الخناق على الجماعات والأحزاب الإسلامية وحظرها وحبس زعماءها, بالإضافة إلى محاولة تجفيف منابع هذه التيارات والأحزاب, وقد بدأ اتباع هذا الأسلوب منذ نجاح حزب الرفاه الإسلامي في تشكيل الحكومة الائتلافية مع حزب الطريق القويم في 8 يونيو عام ,1996 ورغم أن أربكان قد حقق بعض النجاحات سواء السياسية او الاقتصادية وكذلك الداخلية أثناء توليه رئاسة الحكومة إلا أن المؤسسة العسكرية لم تقبل فكرة التعايش السلمي بين التيارات السياسية وعملت على إعاقة كثير من المشاريع الإصلاحية لحكومة أربكان سواء كان الأمر يتعلق بالمسألة الكردية أو بتوطيد أركانه من خلال المؤسسات السياسية. استمراراً لسياسة الجيش في مواجهة حكومة الرفاه الإسلامية قام مجلس الأمن القومي في 28فبراير عام1997 بتوجيه لائحة إلى حكومة أربكان تضم عشرين مطلباً تمثل أبرزها إحياء المادة 163 من قانون العقوبات والتي تنص على تجريم أي نشاط سياسي بدافع ديني وكانت هذه المادة قد ألغيت في عهد حكومة حزب الوطن الأم في عام ,1991 ومن بين أهم المطالب الأخرى ما يلي: 1ـ منع تشجيع ارتداء أزياء تتعارض مع تلك المنصوص عليها بالقانون في شكل من الأشكال وذلك في إشارة إلى ارتداء الحجاب. 2ـ العمل مجدداً على جعل السياسات التعليمية مشمولة بقانون (توحيد التعليم) ويجب زيادة مدة التعليم الإلزامي إلى ثماني سنوات وتحديد عدد المدارس التي تعد رجال دين وتحويل العدد الفائض منها إلى مدارس مهنية. 3ـ إغلاق مدارس تعليم القرآن الكريم التي يديرها أصوليون وربط بقية المدارس بوزارة التعليم. 4ـ على الحكومة وقف عملية تعيين أصوليين في المؤسسات الحكومية. 5ـ المراقبة الدقيقة للمؤسسات المالية التابعة للجماعات الدينية ومنع تحويلها إلى قوة اقتصادية. 6ـ مراقبة الإعلام المرئي والمسموع والمقروء الذي ينتهج خطاً مناهضاً للعلمانية وإلزامه مبادئ الدستور. 7ـ منع تسليم مجالس بلدية تمويلاً من منظمات دينية في أوروبا. وبالإضافة إلى ذلك أجبرت المؤسسة العسكرية أربكان على طرد ضباط من الجيش ينتمون إلى الأصولية كما نشرت دباباتها في إحدى ضواحي أنقرة عمدتها من الإسلاميين كانت قد قررت تنظيم يوم للقدس تحت شعار الأصولية, ومن اللافت للنظر أن هذه المطالب تهدف في جوهرها إلى محاربة التيار الإسلامي وتجفيف منابعه والقضاء على أية مظاهر له في المجتمع التركي. وفي هذا السياق أيضاً نجحت المؤسسة العسكرية في دفع قانون إصلاح التعليم إلى البرلمان التركي الذي وافق عليه في 16/8/1997. ويقضي هذا القانون بتعديل مدة التعليم الإلزامي في المدارس من خمس سنوات إلى ثماني سنوات أي حد التعليم الإجباري حتى سن 14سنة.. الأمر الذي يؤدي إلى إغلاق المدارس الدينية التي تعد الركيزة الأساسية للإسلاميين الذين يهدفون إلى تدمير النظام العلماني الذي تنتهجه البلاد على حد قول مسعود يلماظ رئيس الوزراء وقتذاك. وفي تطور آخر قامت المؤسسة العسكرية في تركيا بمجموعة من الإجراءات التي تهدف إلى مواجهة الإسلام السياسي وكان ذلك في عام ,1998 وكانت أبرز هذه الخطوات: 1ـ وضع المؤسسات التعليمية الدينية الخاصة تحت إشراف وسيطرة هيئة الشئون الدينية. 2ـ حل كافة الجماعات والطوائف الدينية وحظر أنشطتها وتخفيض أعداد المدارس الدينية الأهلية التي بلغت مئات الألوف والتي يعمل خريجوها ضد النظام العلماني. 3ـ عدم بناء مساجد جديدة بدون الحصول على موافقة السلطات الدينية المختلفة وجاءت هذه الخطوة في سياق التقارير الأمنية التي أشارت إلى وجود 9216 مسجداً يتبع الطرق الدينية المتطرفة بالإضافة إلى 3آلاف مسجد آخر يتبع الجمعيات الخيرية وتستغل كمورد لتمويل الجماعات الأصولية إلى أكثر من كونها أماكن للعبادة. 4ـ تشكيل لجنة خاصة تضم ممثلين من وزارة الدفاع ـ الداخلية ـ الخارجية ـ التعليم والأمانة العامة لمجلس الأمن القومي ووكالة الاستخبارات والمجلس الأعلى للتعليم وذلك بغرض تنظيم الدراسة في الخارج ومتابعة الدارسين والحد من التحاقهم ببعض الجماعات الإسلامية في الدول الإسلامية بالإضافة إلى وضع خريجي تلك الجماعات تحت الرقابة الشديدة. 5ـ إبعاد كافة الأفراد الذين تحوم حولهم الشبهات في انتماءاتهم الدينية من المؤسسات والهيئات الحكومية وقد شمل ذلك الموظفين العموميين والأفراد المنتخبين من العمد والمحافظين, وفي هذا السياق تم إبعاد عمدة استانبول رجب الطيب أردوغان الذي كان مرشحاً لرئاسة حزب الفضيلة. 6ـ حظر أنشطة المنظمات الدينية التي يثبت مخالفتها للغرض الذي أنشئت من أجله. المعسكر والرفاه ولم تكتف المؤسسة العسكرية بتلك الإجراءات بل أنها عمدت إلى حظر الأحزاب الإسلامية وسجن قادتها ومواجهة أعضائها الذين يتحدون النظام العلماني وفي هذا السياق قام المدعى العام التركي برفع دعوى أمام المحكمة الدستورية في شهر مايو 1997 ضد حزب الرفاه يتهمه فيها بجر البلاد إلى (حرب أهلية) , وقد أصدرت المحكمة حكمها في 16يناير 1998 بحل الحزب وإسقاط عضوية زعيم الحزب نجم الدين أربكان كان أربكان قد استقال من الحزب في يونيو1997 بسبب ضغط الجيش ـ في البرلمان ومنعه من ممارسة العمل السياسي لمدة خمس سنوات. وفي هذا السياق أيضاً جاءت محاولات المدعى العام لحظر حزب الفضيلة الإسلامي الذي يعتبر وريث الرفاه من الناحية الفعلية ـ ينكر الحزب أي علاقة له بالحزب المحظور ـ وكانت أولى هذه المحاولات في عام1995 حيث طلب المدعى العام حظر نشاط حزب الفضيلة رسمياً ومنع نوابه من العمل في السياسة لمدة خمس سنوات بحجة أن (الحزب قد خالف الدستور الذي ينص على أن تركيا دولة ديمقراطية علمانية) , ورغم فشل تلك المحاولة لرفض المحكمة طلب المدعى العام إلا أن الأخير استمر في محاولاته حتى اتهم حزب الفضيلة بأنه امتداد لحزب الرفاه المحظور مدللاً على ذلك بما حدث خلال المؤتمر العام للحزب الذي عقد في مايو الماضي مؤكداً أن ترديد عبارة (المجاهد الأكبر أربكان) هي دليل يمكن إضافته على عريضة الدعوى التي سبق ورفعها ضد الحزب لحظره. وكما كانت القوى العلمانية والمؤسسة العسكرية تتعامل مع الأحزاب والجمعيات والمنظمات الإسلامية فإنها تعاملت أيضاً مع الأفراد المنتمين إلى هذا التيار على حده.. ففي رسالة واضحة وشديدة اللهجة تم إسقاط الجنسية التركية من نائبة حزب الفضيلة مروة كاوكاجي التي أصرت على حضور الجلسة الافتتاحية للبرلمان في مايو 1999 وهي مرتدية الحجاب وهو ما أثار حفيظة العلمانيين والعسكريين وقد اتهمت كاوكاجي بأنها (خطر أصولي جديد يهدد علمانية الدولة) وبأنها تعمل على (التحريض على الحقد العرقي والديني) وكان ذلك استناداً إلى المادة 312. تساؤل أخير وعلى خلفية هذه المواجهة المستمرة بين القوى العلمانية والعسكرية وبين تيار الإسلام السياسي يبرز التساؤل الأخير عن مستقبل هذا التيار؟.. وقبل الإجابة على هذا السؤال ينبغي التأكيد على أن هناك قطيعة سياسية بين الدولة والإسلام فهناك مجموعة من المواد الدستورية والإجراءات القانونية التي تمنع إدخال الإسلام السياسي في بنية الدولة رغم أن تركيا دولة إسلامية يشكل المسلمون فيها 98% من مجموع سكانها البالغ عددهم 64مليون نسمة.. وقد أدى ذلك الوضع إلى فشل محاولة التيار الإسلامي المعتدل في تحقيق مصالحة بين العلمانية والإسلام وذلك على رغم التزام هذا التيار بالدستور العلماني للدولة وممارسة النشاط السياسي وفق القواعد التي سنتها الحكومات التركية المتتالية ويرى البعض أن اتباع أسلوب المواجهة مع التيار الإسلامي المعتدل سوف يدفع الثقافة الديمقراطية والمجتمع المدني إلى الانزواء مقابل تصاعد تيار إسلامي متطرف يمثله حزب الله التركي الذي يمارس نشاطه خارج إطار النظام السياسي وبالقوة المسلحة ويرفض الاندماج في اللعبة الديمقراطية وإيجاد قناة شرعية له في العمل السياسي. - وبالنسبة للحديث عن مستقبل تيار الإسلام السياسي فيرى البعض وإن كانوا قلة أن الإسلام السياسي في تركيا سوف يشهد تقدماً وقوة في المستقبل ويدللون على ذلك بقولهم أنه على الرغم من التدابير والإجراءات العقابية ضد التيار في محاولة لتجفيف الينابيع فإنه لا يزال قوياً ويزداد نفوذاً وتأثيراً في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية بتزايد قوته التي يستمدها من القاعدة العريضة للمجتمع التركي. وفي هذا السياق أيضاً يؤكد البعض أن التيار الإسلامي في تركيا ليس مجرد فصيل سياسي يتمثل في الفضيلة وأن محاولات استئصاله بالقوة المسلحة لم تكن مجدية.. فبعد كل محاولة كان هذا التيار كقوة اجتماعية وسياسية يظهر إلى الحياة مكتسباً شعبية أكبر ونفوذاً أقوى إذ أن إلغاء حزب الرفاه وإقصاء رئيسه أربكان عن رئاسة الوزارة أوجدت حزب الفضيلة.. وبالتالي فإن السياسيات التي تتبعها المؤسسة العسكرية في حملتها ضد الإسلاميين إنما تعمل على ازدياد شعبيتهم دون أن تدري. وعلى الطرف الآخر يرى البعض أن حصيلة التجربة السياسية للإسلام السياسي في تركيا تشير إلى التراجع الكبير بعد الصعود الكبير في منتصف التسعينيات ورغم اعتقاد بعض الأوساط التركية بأن الحركة الإسلامية قادرة على مراجعة سياستها من جديد إلا أن لسان حال تركيا يقول أن تركيا بدأت تنتقل إلى مرحلة الانضمام إلى المجموعة الأوروبية ولا مكان للإسلام السياسي في ظل تركيا سائرة نحو العضوية الكاملة. وفي هذا السياق يرى أنصار هذا الرأي أن جميع المؤشرات المتوفرة تتجمع في أفق السياسة التركية على شكل شواهد سياسية لحظر حزب الفضيلة من قبل المحكمة الدستورية العليا بتهمة العمل على تغيير النظام الجمهوري العلماني في البلاد وادعاء المدعى العام الحزب هو امتداد لحزب الرفاه المحظور وسيحمل هذا الحظر خطورة على المستقبل السياسي للحركة الإسلامية في تركيا سيتضمن القرار ـ حسب مصادر تركية ـ وللمرة الأولى مواد جديدة تنص على منع تأسيس أحزاب جديدة تكون امتداداً للفضيلة وبالتالي فإن حل الأخيرة لا يعني مجرد إلغاء حزب سياسي معارض بل التخلص من الإرث السياسي لتجربة أربكان سواء بإلغاء ولاية جميع نواب الحزب في البرلمان والبالغ عددهم 110 نواب أو دفع القضية إلى الحل من خلال تقسيمه إلى كتل حزبية ضعيفة عاجزة عن الحصول على نسبة الـ 10% التي ينص عليها قانون الانتخابات في تركيا وبالتالي حرمانه من دخول البرلمان. - ومن العوامل الرئيسية التي تعمل على إضعاف تيار الإسلام السياسي في تركيا المؤسسة العسكرية ذات الذراع الأقوى في الحياة السياسية التركية.. وبالتالي لا يمكن إغفال دور الجيش التركي الذي يعد أحد أهم المؤثرات على تطور الحركة الإسلامية ومستقبلها ورغم استبعاد أمر القيام بالانقلابات العسكرية إلا أن رغبة هذه المؤسسة في القيام بمثل هذه الانقلابات لا تعدم مشروعيتها استناداً إلى المادة 35 من قانون المهمات الداخلية للقوات المسلحة والتي تنص على حق الجيش في التدخل في حال إذا رأى أن الجمهورية والديمقراطية معرضتان إلى الخطر.. وفي ذلك يقول كنعان إيفرين (إذا جاءت الشريعة فالانقلاب سيكون مشروعاً) ورغم هذه الصلاحية للمؤسسة العسكرية إلا أننا نعتقد بعدم إقدام الجيش القيام بأي انقلاب عسكري نظراَ لأن تركيا ترغب في تحقيق الشروط المطلوبة منها للدخول إلى الاتحاد الأوربي ومن ضمن هذه الشروط هو تحسين مناخ الديمقراطية في تركيا ولا شك أن الانقلابات العسكرية تعد مخالفة تماماً لروح مبادئ الديمقراطية غير أن الجيش لن يعدم الطرق لمواجهة أي حركة إسلامية يمكن أن تؤثر على علمانية الدولة وهو ما ظهر من خلال تعامله مع حزب الرفاه الإسلامي. وبصفة عامة فإن هناك مجموعة من المؤشرات الدالة على تراجع تيار الإسلام السياسي في المستقبل وأهمها ما يلي: 1ـ عدم قدرة هذا التيار على تقديم النموذج الأمثل القابل للتطبيق خاصة وأن تجربته في الحكم ـ حزب الرفاه ـ قد تمخضت عن كثير من الآراء والمواقف المتناقضة التي تعبر عن اهتزاز الرؤية أمام قادة هذا الحزب مما أفقده المصداقية حتى بين مؤيديه. 2ـ أن الجيش وباقي القوى السياسية والاقتصادية والعلمانية لن تسمح بأي حال من الأحوال بتهديد النظام العلماني في تركيا خاصة وأن هذه القوى لديها الوسائل المدروسة لكيفية التصدي لمثل هذه التهديدات. 3ـ إن النظام العلماني بصدد إغلاق كافة المنابع الفكرية والتربوية للتيار الإسلامي مما سيضمن عدم زيادة أعداد المنتمين إليه ومن ثم تقليص قوته على كافة الصعد. 4ـ أن نتائج الصراع بين العلمانيين والتيار الإسلامي في تركيا تعتبر وحتى الآن في صالح العلمانية التي تكتسب أرضاً جديدة كل يوم وتزداد القناعة بها كنموذج سياسي واقتصادي يضمن لتركيا الاستقرار والسلام الاجتماعي على الأقل في المستقبل المنظور.