اثارت تصريحات عوفاديا يوسف الاخيرة ردود فعل غاضبة في العالم العربي, والحقيقة ان ما اثار غضب كتاب المقالات الاسبوعية في الصحافة اليومية في الوطن العربي هو شق معين في تصريحاته التي جاءت في الدرس الديني الاسبوعي، الذي يلقيه على مسمع من اتباعه والذي تبثه قناة شاس التلفزيونية, وقد تناول درسه الديني تفسيرا فريدا و (مبدعا) للهولوكست. فالكارثة التي حلت بيهود اوروبا على يد النازية تحير اللاهوتيين اليهود المتدينين الذين يتهافتون من اجل وضع تفسير ديني لها. وبعضهم ذهب في الماضي الى اتهام الصهيونية والعلمانية بالكارثة التي جاءت عقابا الاهيا وحمل بعضهم الآخر القومية العلمانية المتطرفة في اسوأ تجلياتها (الالمانية) مسئولية هذه الكارثة, متقربا بذلك من التفسيرات العلمية التاريخية الرائجة .. وهكذا. لكن عوفاديا يوسف اسهم في تفسيره للكارثة في فضح الطبيعة الشعبوية المشعوذة لمدرسته الدينية, التي تخلط بين عقائد الدين وبين الارواح والجن وغير ذلك. بالطبع لا ذكر للجن في اليهودية وهو امر لا يرد في تفسيرات عوفاديا, كما ان اليهودية لاتتضمن اية اشارة قريبة او بعيدة الى موضوع تناسخ الارواح. وقد تبناه الراب يوسف لتفسير الهولوكست خالطا كلاما عجيبا عن ارواح اشرار تناسختها ضحايا الهولوكست البريئة ودفعت ثمنها في المحرقة. هذا الشق من الدرس الديني لم يثر الاستغراب في العالم العربي, الذي تنتشر فيه تفسيرات اكثر غرابة للهولوكست ولموضوعات اقل اهمية منها لا تقل عن تفسيرات يوسف سحرا وشعوذة, وتمتلىء بها معارض الكتب والمكتبات وارصفة الطرق التي يفرد عليها الباعة المتجولون بضاعتهم وتتسع لها صفحات الصحف المحترمة وغير المحترمة. هذا الشق تحديدا هو الذي اثار ردود فعل غاضبة في اسرائيل, ولكنها غاضبة من منطلق رفض اهانة ضحايا الهولوكست, وليس من منطلق الخجل بأن قائد ثالث حزب في اسرائيل من حيث العدد ويتحكم منذ عقد بالتشكيلات الائتلافية الحاكمة هو في الواقع مشعوذ غيبي يكرس, عن سابق اصرار وبديماغوغيا شعبوية, تخلف الفئة الاجتماعية التي يمثلها. اما الشق الذي لم يثر الغضب في اسرائيل, على عكس العالم العربي, فهو ذلك المتعلق بالحديث عن العرب والاسماعيليين على حد تعبيره بوصفهم ثعابين لا يؤتمن جانبها. وفي العالم العربي لا يعرفون ان عوفاديا يوسف يتحدث عن الآخر الذي يخالفه الرأي في اسرائيل بنفس اللغة المستهجنة محرضا الدهماء من اتباعه. ولكن المستغرب هو الدهشة العربية من هذه التصريحات, خاصة ان من بين المعلقين العرب من روج في السابق لفكرة الائتلاف او التحالف المحتمل بين العرب وفئات واسعة من اليهود الشرقيين بصفتهم ضحايا المشروع الصهيوني الاوروبي الذين عانوا ايضا من التمييز. يضاف الى ذلك رواج فكرة اخرى مفادها ان حركة شاس وزعيمها يمثلان موقفا (معتدلا) في موضوع التسوية السلمية مع العرب. والادعاءان يفتقران الى اي اساس تاريخي في الواقع والى اي اساس تحليلي نظري. صحيح ان اليهود الشرقيين بشكل عام قد عانوا من التمييز في الماضي بسبب قوة المشروع الصهيوني اوروبي الطابع, وكان دمجهم فيه يعني تحطيم شخصيتهم الثقافية واقتلاعهم من جذورهم الريفية في بلادهم او حتى العربية المدينية في حالة انحدارهم من المدن العربية, كما تعامل معهم القيمون على المؤسسات الصهيونية من موظفي الوكالة اليهودية وحتى تيارات الدولة بتعال يقارب الازدراء والاحتقار. لكن في نهاية المطاف, وبعد ان مرت علاقة اليهود الشرقيين بالدولة بأزمات حادة, من تمرد وادي الصليب مرورا بالفهود السود وصولا الى حركة شاس, تغلب الطابع اليهودي الاسرائيلي الجامع للدولة على التمايز بين الثقافات, لتصبح ايضا الحلبة الاسرائيلية الجامعة والمسلم بثوابتها الصهيونية هي حلبة التنافس على تقسيم الثروة الوطنية وعلى المناصب وصولا الى هذه الثروة ـ ويرافق هذا التنافس استثمار كثيف للثقافة والانتماء كرأس مال رمزي, وباختصار يتبع التنافس خطوطا عامة بالامكان ان نطلق عليها تسمية سياسات الهوية. تتم سياسات الهوية, التي تستثمر فيها النخب الشعور بالانتماء وتركب من خلاله هويات جديدة تسميها شرقية او دينية او روسية, ضمن سعي هذه النخب للوصول الى القوة السياسية والاقتصادية في اطار الثوابت الصهيونية, وكلما ازدادت (التعددية الثقافية) , وهي التسمية الايجابية لسياسات الهوية, ازداد معها التأكيد على الجوامع المشتركة. وليس غريبا ان ترافق عملية تنظيم اليهود الشرقيين ضمن هوية جامعة تفترض انهم متدينون وتقليديون وذوو طبيعة محافظة, ليس غريبا ان ترافقها عملية تأكيد على صهيونيتهم وتمسكهم بالثوابت, بما في ذلك من ابداع لتدين اورثوذكسي يهودي متصالح تمام التصالح مع صهيونية الدولة العبرية. يضاف الى ذلك عامل نفسي ـ اجتماعي نقترح عدم التقليل من اهميته. ويتلخص هذا العامل في سعي الوافدين الى المشروع الصهيوني من خارجه والمطالبين بالمساواة في اطاره كيهود الى تأكيد صهيونيتهم ويهوديتهم اكثر من الآخرين الذين بنوا المشروع ولا يشعرون بحاجة للمغالاة في التأكيد على انتمائهم له. ويتخذ هذا التأكيد في العديد من الحالات عملية صهينة مكثفة للقادمين الروس مثلا توصلهم الى مواقف اليمين المتطرف بنفس واحد مع مطالبتهم بامتيازات وحقوق ضمن الدولة العبرية, كما تتخذ شكل تأكيد ممثلي اليهود الشرقيين على الفرق بينهم وبين العرب بالتصريح من حين لآخر بتصريحات عنصرية مباشرة ضد العرب وبالتأكيد على الطابع اليهودي للدولة والذي يتخذ في حالتهم شكلا اكثر دينية وتقليدية. ان الوافد اليهودي, الذي يطالب بالمساواة في دولة تعتبر الانتماء اليهودي والمساهمة في بناء المشروع الصهيوني مقاييس المواطنة الصالحة, لابد ان يعوض عن عدم المساهمة في بناء المشروع الصهيوني بالتأكيد على الانتماء اليهودي وعلى التطرف السياسي ليعوض, على مستوى الخطاب, عن النقص على مستوى الواقع. لقد انجر بعض المثقفين العرب في الداخل والخارج الى اعتبار (التعددية الثقافية) في المجتمع الاسرائيلي مسرحا للتحالف بين اقليات مثل المغاربة والعرب وهكذا, معتبرين العروبة مجرد ثقافة ضمن ثقافات عديدة في المجتمع الاسرائيلي وتحويل العروبة من انتماء قومي الى مجرد ثقافة ليس خطأهم الوحيد. اذ يضاف اليه تناسي الطبيعة الصهيونية للدولة والتي باتت تتيح في داخلها تنافسا سياسيا يتخذ شكل النسبية والتعددية الثقافية, ولكن تبقى هذه الطبيعة الصهيونية حاجزا يفصل بين العرب وبين انتماء موهوم لتعددية ثقافية قائمة في الدولة. لقد حطم عوفاديا يوسف اوهاما لدى بعض المثقفين والسياسيين المراهنين على تحالفات تكتيكية واستراتيجية ضمن هذه التعددية الثقافية التي يكثرون من التشدق بها في الحوارات اليهودية العربية كأنها مطلب العرب. ليس هذا مطلبا عربيا, بل لعبة نخب سياسية اسرائيلية في السعي لتقسيم السلطة والسيطرة. على اي حال, لو كان هنالك مجال لتحالف فلا يصح الا الصحيح, لا مجال لتحالف بين اقلية قومية تسعى لاحقاق حقوق مدنية وقومية ضمن اطار مواطنة ديمقراطية, وبين فئات سياسية ذات ايديولوجية غيبية متخلفة ورجعية ومعادية للديمقراطية, هذا اضافة الى خطابها السياسي اليميني والمعادي للعرب. حركة شاس ليست مدرسة مثيولوجية في اليهودية, انما هي حزب سياسي يستخدم الخطاب الديني الشعبي بدون عقلنة فقهية, ويزداد يوما بعد يوم استخدامه للتضرع بالاولياء والاضرحة والمقامات والتعاويذ وغير ذلك. كما ان حركة شاس ليست تيارا معتدلا فيما يخص قضايا السلام والتسوية. وهي تتصرف في هذا الموضوع بنفس الشعبوية ـ اي انها تتعامل مع مزاج جمهورها السياسي اليميني, وتؤكد بشكل انتقائي على قضايا دون اخرى وتناقض ذاتها كل يوم في خليط يشبه حساء الفقراء الذي يطبخ من بقايا اطعمة او برامج الاحزاب اليمينية الاخرى. والحركة ينقصها البعد الايديولوجي العقائدي في موضوع ارض اسرائيل ومسلمات الصهيونية والاستيطان, الجيش والقيم والاعراف الاخرى, التي سادت في اليشوف, لكنها قد تتبنى مواقف يمينية وعصبوية في يمينيتها اذا لزم الامر. ان الامر مرتبط بالمزاج السياسي الشعبي, وعليه لن تؤدي الحركة دورا هاما في تحويله لصالح التسوية, فكم بالحري اذا تم الحديث عن تسوية بالشروط الفلسطينية. والتأثير على الرأي العام يؤثر على حركة حماس وليس العكس, فلا يمكن اعتبارها باي حال قوة (معتدلة) او فاعلة او مؤثرة باتجاه (الاعتدال) .