في 27 اغسطس الجاري تتم الدورة الاولى من الانتخابات النيابية في لبنان, وفي 3 سبتمبر المقبل تجرى الدورة الثانية لانتخاب ما مجموعه 128 نائبا يتولون السلطة التشريعية من شهر اكتوبر 2000 لغاية شهر مايو 2005. والى ان يقر مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي, توزع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين, نسبيا بين طوائف كل من الفئتين, ونسبيا بين المناطق. اتوقع ان يواجه البرلمان الجديد خمسة استحقاقات منها ماهو مؤكد, ومنها ما هو متوقع, ومنها ماهو مأمول. من المؤكد ان يسمي البرلمان الجديد, ابتداء من منتصف اكتوبر المقبل, رئيس الحكومة الذي سوف يشكل الحكومة الثانية في عهد اميل لحود. كما انه من شبه المؤكد ان ينتخب البرلمان الجديد رئيس الجمهورية القادم, الا اذا جرى حله قبل الأوان, وهذا الامر شديد الصعوبة دستوريا. ومن المتوقع ان يناقش البرلمان العتيد مضمون التسوية مع اسرائيل في حال ابرامها, وينكب على معالجة موضوع اللاجئين الفلسطينيين ومنع توطينهم. ومن المأمول ان يكون المجلس النيابي الاول في القرن الواحد والعشرين مؤهلا لاقرار مجموعة مشاريع تشكل اصلاحا شاملا, يحتاجه لبنان لمعالجة مشاكله الادارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتراكمة والضاغطة, ولرسم دور لبنان الاقليمي في المستقبل المنظور. في ضوء استعراض الاستحقاقات المتوقعة بالاضافة الى الاستحقاقات غير المتوقعة وقد تكون كثيرة وكبيرة, يبرز امامنا سؤال ملح: هل مجلس النواب القادم سيكون على قدر كاف من المسئولية والكفاءة لمواجهة كل هذه الاستحقاقات بنجاح وثبات؟ بالطبع لا يمكن الاجابة بلا او نعم, ولكن بمقدوري ان اقول بكل ثقة ان المرشحين يتجادلون حول مشاكل الماضي, اكثر مما ينظرون الى الحاضر, واذا ما نظروا الى الحاضر فقلما يقدمون العلاجات الملائمة, واذا ما قدموا بعض العلاجات فكثيرا ما تكون جزئية ولا تأخذ بعين الاعتبار تحولات المستقبل, واذا ما تطلعوا الى المستقبل فانهم يكتفون بالعناوين العامة, ويبدو واضحا ان لا احد منهم يملك الرؤية والبرنامج وآليات التنفيذ للغد القريب او البعيد. على هذا الاساس لا اتصور ان المجلس النيابي الجديد سيشكل نقطة تحول تدفع بلبنان الى الامام وتخرجه من عنق زجاجة الازمة التي مازالت تتفاقم لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. فهل هذا يعني ان الانتخابات النيابية لا جدوى منها ولا فائدة؟ الجواب بالطبع لا. فمن المستحسن ان تجري انتخابات لا توصل الى النتائج المتوخاة, بدلا من عدم اجرائها, فالانتخابات على مساوئها وعيوبها ونواقصها تحفظ الحد الادنى من الحريات والديمقراطيات, وهي افضل الف مرة من انعدام الحريات الديمقراطية. الديمقراطية المنقوصة والمعيوبة افضل من الديكتاتورية مهما كانت عادلة وحسنة المسلك والسلوك وساعية الى الخير العام. هذا لا يعني اننا لسنا من دعاة الاصلاح لتمسي الديمقراطية شفافة ونظيفة وكاملة لكننا نرى ان ديمقراطية ولو سيئة هي افضل من ديكتاتورية ولو صالحة. والديمقراطية كالمشي بقدر ما يزيد الانسان منها بقدر ما تتعافى. وكما يفترض المشي في الصغر العديد من السقطات فان الديمقراطيات الناشئة تتعثر في البدايات ثم تستقيم مع الوقت الى حين تكتمل كما حال الديمقراطيات المتقدمة. وصورة الطفل الذي يتعثر بخطواته الاولى تنطبق على الديمقراطيات التي تسقط في مطبات المال وضغوط تدخلات الاجهزة وغيرها من الممارسات التي تحرف ارادة الناخب, ولكن مع الوقت تنمو الثقافة الديمقراطية لدى المواطنين فيمشون بخطى ثابتة للتعبير عن ارادتهم الحرة وينبذون كل انواع الضغوط والرشوات والمداخلات. مما لاشك فيه ان الانتخابات الجارية في لبنان تشوبها عيوب كثيرة, غير انه يقتضي الاصرار عليها وتوظيفها لتوعية المواطن اللبناني كي يتحرر من نفوذ المال والسلطة. كل الديمقراطيات بدأت متعثرة ثم استقامت, ولبنان لن يشذ عن القاعدة.