هل تعلن السلطة الفلسطينية دولتها في الموعد المضروب؟ لهذا مر السؤال المتداول على ألسنة السياسيين, منذ ايام عديدة, وفي التحليلات الصحافية. من وجهة نظر فلسطينية ـ وعربية لا شك ان اعلان الدولة قد تم بعد ذلك سنة 1988, بالجزائر ولا حاجة الى تكراره. لكن المقصود فعله يوم 13 سبتمبر ان اصرت السلطة الفلسطينية على هذا التاريخ ليس مجرد الاعلان, بل جعله يقترن بمضامين اخرى, تتلخص في تأكيد العزم على تحقيق الدولة عن طريق التحدي, واستشهاد المجتمع الدولي على اخلال اسرائيل بكل تعهداتها, وتنكرها للالتزامات التي قطعتها على نفسها بكفالة امريكية وشهادة اوروبية. الذي تريده السلطة اذن, هو ضغط دولي على اسرائيل, كي تنسحب من الاراضي الفلسطينية المحتلة, ومن ضمنها القدس الشرقية, وكي تعترف بكامل صلاحيات السيادة للشعب الفلسطيني, لكن, نظرا الى الدافع الدولي, ومدى ارتباطه بكيفية التحرك الامريكي, بالتجاوب مع هذه الرغبة فلا يتجاوز اعلان المبادىء, في احسن الحالات, فلن يكون له اثر كبير في القرار الاسرائيلي. لكن اعلان الدولة, وما يتضمنه من تحد لاسرائيل قد يؤدي الى صدام عنيف بين الطرفين, ونذكر ان باراك صرح منذ مدة غير بعيدة انه سيرد على اعلان الدولة باحتلال المناطق التي بها مستوطنات. فماذا يكون قد تحقق, يومئذ, باعلان الدولة, والجيش العبري متمركز في اغلب النقاط الحساسة من الضفة, ومقومات السيادة في قبضته الحديدية؟ الحقيقة التي لا مراء فيها ان السلطة الفلسطينية, اليوم, امام خيارين احدهما نظري ـ اما مواصلة الكفاح السياسي الذي توجهت اليه منذ اتفاق اوسلو, واما الرجوع الى الكفاح بالقوة. ان هي ارادت الخروج من سكة اوسلو, فحجتها قوية, اذ اسرائيل ما انفكت تخل بالتزاماتها, تؤجل تنفيذ ما توقع عليه من اتفاقات, والجميع يعلم الروح النضالية التي يتحلى بها الشعب الفلسطيني. وسجل تضحياته الجسيمة منذ اكثر من نصف قرن ماض, يشهد بذلك. لكن هذا الخيار, لن يؤدي الى نتائج, ولا يكون مجرد رمي بالنفوس للتهلكة, ويتطلب شروطا تضمن له الحد الادنى من النجاعة, وفي مقدمتها تأمين دعم عربي فاعل. كيف السبيل الى ضمان هذا الدعم بصيغ تتجاوز العواطف الجياشة, والشعارات الملتهبة حماسا؟ هذا مشكل غير مهين؟ ولابد ايضا من التنبيه الى مكسب ليس بهين احرزته السلطة بواسطة اتفاق اوسلو, وهو الاعتراف الامريكي, ولا شك انه سيتعرض للاهتزاز, ان توجهت القيادة الفلسطينية الى خيار الصدام مع اسرائيل, وحرمانها من الدعم الامريكي؟ هذا ما تبتغيه اسرائىل. خلاصة القول ان القيادة الفلسطينية, انما توجهت الى منهج اوسلو, لانه كان الخيار الوحيد المفتوح امامها, نظرا الى الوضع الاقليمي, وتحول مراكز القوى في المجتمع الدولي, لكن نهج اوسلو طريق سالك في اتجاه واحد, بالامكان الرجوع منه, وليس الا مواصلة السير, بوسائل الكباح السياسي, في الداخل, ووسائل العمل الدبلوماسي في الخارج. وليس معنى ذلك ان القيادة الفلسطينية مدعوة الى الاذعان والاستسلام بل العكس هو الصحيح وانما القضية تتعلق بكيفية التعامل مع المنهج السياسي, واعتقادنا انه في الامكان الاستعانة بوسائل اضافية لا ينبغي الاستهانة بها. ومنها تنظيم تضامن وثيق بين المسار الفلسطيني والمسارين اللبناني والسوري, في مواجهة اسرائىل, للتعاون على احتواء مناوراتها, ومنها ايضا النظر في امكانية تشريك العمل العربي في صياغة اوجه الكفاح على تلك المسارات الثلاثة. واني لأعلم ان هذين الامرين فيهما ايجابيات لا تخفى وفيهما سلبيات لا يمكن التغاضي عنها, لكن قيادات المسارات الثلاثة قادرة على ان تجعل المنابع تجرف المحذرات, ان هي التزمت بالتنسيق المحكم. ومهما يكن من امر فيما يخص اعلان الدولة, وفيما يتعلق بالوسائل الاضافية للكفاح السياسي, كل ذلك يبقى مرتهنا بالقرار الفلسطيني, وواجب الدول العربية ان تسانده وان تتعاون لتضمن له اكبر قدر من النجاح.