لم تعتر الدهشة نفوس كبار رجالات السياسة في معمل صناعة ورسم خطط السياسة الخارجية في مقر الاتحاد الاوروبي بالعاصمة البلجيكية (بروكسل) , فلم تكن عملية اختيار (آل جور) المرشح الديمقراطي لرئاسة الولايات المتحدة الامريكية ليكون نائبه هو اليهودي (ليبرمان) مفاجأة لهم, حيث ان احتياج (آل جور) لحصان يجر عربة رعايته الانتخابية كانت ولا تزال واضحة, وضرورة ان تكون شخصية المرشح لمنصب نائب الرئيس مركزية مغناطيسية تجذب الدولارات, وتؤكد القدرة على رعاية وحماية السلطة, وكان لابد من وجود اطار عام له جدار وقواعد مثالية تضمن مسيرة (جور) حتى موعد الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل, فالرجل يحتاج لأموال تدعم التكاليف الباهظة لبرامج الدعاية الانتخابية, ومن هنا جاء الاختيار موفق من وجهة نظر العقلانية السياسية الاوروبية, الا انه اختيار لا يخلو من عنصر المغامرة في وقت واحد, حيث ان فرصة ابتعاد مختلف شرائح جناح (التقدميين الديمقراطيين) داخل وخارج الحزب الديمقراطي وانصرافهم عن مؤازرة (جور) ومنح اصواتهم للمرشح الجمهوري (بوش الابن) , فرصة قائمة من المتوقع حدوثها. (هينك رووى) خبير السياسة الامريكية في لاهاي يقول لـ (البيان) لقد كان اختيار (جور) لليهودي ـ ليبرمان ـ نائب رئيس ضربة ذهبية, فلقد تحول السيناتور ليبرمان القادم من الولاية الصغيرة (كونيكتيكوت) في فترة زمنية قصيرة الى قديس, فانصار الديمقراطية قد وصفوا هذه الخطوة بانها خطوة تاريخية, حيث رفعت اسهم جور وجعلته يقترب من المرشح الجمهوري بوش. وكشف الخبير الامريكي عن فحوى حديث هاتفي قصير بمبادرة من ليبرمان عبر فيه عن امتنانه لـ جور قائلا: (لقد حدثت المعجزة واقام الاثنان صلاة الشكر عبر اسلاك التليفون) . وفي اول خطاب لـ ليبرمان عقب اختياره وقف بجوار آل جور وقال موجها حديثه لله: (انها معجزة ان يحدث هذا الاختيار بعد 40 سنة حينما تجرأ الرئيس الامريكي الراحل الكاثوليكي (كيندي) في دولة بروتستانتية ليضع معالم واضحة يفصل بها الدين عن الدولة, اما اليوم فقد تحولت امريكا لدولة ومجتمع متعدد الثقافات لا تخشى اختيار يهودي وتعلن ذلك على الملأ. ولقد كانت هذه الكلمات هي اولى معالم المثالية التي ييحث عنها جور الذي لعب على هذا الوتر الذي يجد صدى لدى الشعب الامريكي. وكان ليبرمان يفهم اصول اللعبة جيدا فاعطى الجماهير ما تريد ونفخ في صفارة آل جور, وبذلك تم تنفيذ نصائح المستشارين اليهود الذين دفعوا بـ ليبرمان في طريق جور. وعلى الجانب الآخر لا يمكن اغفال حقيقة وجود انفصام في سوق الانتخابات الامريكية, وان العملية تحولت من المبادىء الى تجارة علنية, حيث تعتمد لجان الدعاية الانتخابية لغة حديثة في السوق والتسويق ويتم استخدام اساليب فنية في التأثير على الجماهير, ويتفق انصار الحزب الجمهوري والديمقراطي على حقيقة ان القرار سيكون في المدن الامريكية الكبرى, وهي المدن التي تشكل اهمية كبرى وخاصة للسيدات البيض ومن هنا كان التصريح الجريء والمسبوق لـ آل جور في خطابه مؤخرا في مؤتمر الديمقراطيين عن دعمه لحق المرأة في حرية الاجهاض, ووصف خبير السياسة الامريكية ليبرمان بانه سيكون الضمير الساخن الذي يجذب اصوات النساء البيض وهن يذهبن في اعداد كبيرة لصناديق الانتخابات, لكن ليبرمان الصديق الوفي للرئيس الامريكي بيل كلينتون والذي وقف بجانبه في فضيحة مونيكا لوينسكي من الممكن ان يكون نقمة على جور وليس نعمة في حالة فتح ملفات قضية لوينسكي من جديد وانعاش ذاكرة الشعب الامريكي لربط جور بكلينتون. لاهاي ـ سعيد السبكي