إنهم يذبحونه بسكين ساخن.. هكذا صرخت عندما قرأت بعض الكتابات يطالب فيها أصحابها بالتحقيق مع يوسف شاهين لأنه صرح قائلا بأن له صديقا يحمل الجنسية الاسرائيلية, بل وأكثر ما راعني أن هناك أصواتا في نقابة المهن السينمائية علت حتى أصبحت تشبه نعيق البوم وطالبت بفصل يوسف شاهين من النقابة!! كدت أجن عندما تسربت الى أخبار هذه الحملة الهجومية العنيفة على مخرج له تاريخه مثل يوسف شاهين, وأسرعت الى نافذة مكتبي التي تطل على شوارع وسط القاهرة, ونظرت منها الى الزحام المعتاد وأكوام البشر التي تصارع الزمن والحياة ولا تملك غير قدر قليل من الأحلام المثقلة غالبا بإرث من الهموم. وضبطت نفسي أصرخ من شرفة مكتبي غير العالية (ياخبر أسود.. هل تدركون جميعا ما تصنعونه بيوسف شاهين.. وهل في الأساس تعرفون من هو هذا الرجل الذي يحمل مصر في قلبه وعقله وعيونه لا تنطق إلا بحبها..؟!). إنني لا أبالغ إذا قلت ان (شاهين) أكثر صلابة من أن يهتز لمجرد اتهامات أو مطالب لا تدرك أنها تصيب الفن المصري في القلب والصميم, فشاهين بحق هو عميد المبدعين في السينما المصرية, وأغلبنا تعلم منه الكثير, بل هو حالة سينمائية, واستثنائية يمكن وصفها بأنه وحده (سينما), والأهم من ذلك أنه لم يكن أبدا منفصلا عن الحياة السياسية والاجتماعية المصرية والعربية, وله العديد من المواقف الوطنية البارزة, ثم من هم هؤلاء الذين يطالبون بفصل يوسف شاهين ويزايدون عليه, هل يستطيع واحد منهم أن يقول لي ما هو تاريخه أو ما الذي فعله للوطن أو للسينما حتى يجرؤ للاقتراب من شخصية مثل يوسف شاهين الذين يتهمونه بالتطبيع لمجرد أنه صرح بمعرفته لمخرج يهودي, و أود أن أقول لهؤلاء (كفاكم هدما للرموز) إن التطبيع معناه السفر الى اسرائيل أو اقامة علاقات معها, وهذا ما لم يفعله على الاطلاق شاهين, وإنما هو فقط تعرف على هذا المخرج اليهودي في فرنسا وتعرف على أفلامه ووجد فيها الكثير مما يدين اسرائيل, ثم لابد للناس أن تحترم الشخصيات التي لها ثقل, فما هي قيمتنا نحن في العالم كله بدون يوسف شاهين أو شادي عبدالسلام, إن تاريخ الفنون يصنعه أفراد مثلهم. يوسف شاهين وأمثاله ناضلوا كثيرا من أجل السينما والوطن, وكان هذا أول درس تعلمته منهم عندما قررت أن أخطو خطوتي الأولى على درب السينما, حيث قررت أن أكون واحدا من المناضلين في العمل السياسي مع التصاقي الحميم بالوطن وقضاياه وهمومه. في البداية أدين بالفضل للمخرج الكبير كمال الشيخ والمونتير الكبير سعيد الشيخ لأنهما شجعاني على خوض تجربة السينما, ولكنني دخلت هذا المجال على يد المخرج الراحل صلاح أبوسيف علمني كتابة السيناريو, وظلوا يطلقون علي وأنا كاتب سيناريو (مخرج تحت التمرين) الى أن قررت بالفعل أن أتجه للاخراج بعد ما قال لي صديقي الراحل شادي عبدالسلام (حان الوقت لكي تصبح ريس مركب) فقررت هذا وأنا أميل الى التعبير الذاتي وأريد التعبير عن نفسي, وطبعا هذا ليس معناه أن أعمل (أوتوبيجرافيا), وهذا ما تعلمته بعد ما كتبت سيناريو فيلم (على من نطلق الرصاص) الذي توقفت بعده لأخرج فيلمي (عيون لاتنام) وهو فيلم واقعي طبيعي أميل للطبيعة وليس للواقعية, وكنت وقتها أخاف أن أسقط في الميلودراما, فأخرجته مثل الشعر وقتلت الميلو دراما بالشعر, وتجد فيه التعبير عن الموقف من الوجود والسياسة مما أقدمه في (عيون لا تنام) وهي عناصر استخدمتها في أفلامي بعد ذلك. وفي سبيل مواصلة نضالي السينمائي أسست شركة (ستوديو 13) للانتاج لأستطيع أن أقدم ما أرغب فيه كمبدع من أفلام, وأطرح موضوعات بحرية من دون الخضوع لحسابات رغبة المنتج في حشو بعض (التوابل التجارية) لجلب المزيد والمزيد من ايرادات شباك التذاكر. وتوالت أفلامي وكان فيلم (الأفوكاتو) حيث كنت حينذاك مثل من يبحث عن صيغة جديدة, ورغم جودة الفيلم وأهميته إلا أنه تعرض لمشاكل قضائية كثيرة, ومع أنني نسيتها لكنها كانت معركة كبيرة ضمن معارك كثيرة لم يتبق منها سوى حكم قضائي صدر لمصلحتي ولم ينفذ حتى الآن, يقضي باعادة المحامي مرتضى منصور 20 ألف جنيه كان أخذها مني, وحصلت على حكم باستردادها ولكن لم أحصل عليها حتى الآن. ولم تتوقف معاركي وإنما استمرت مع أفلامي التالية فكانت معركة فيلم (للحب قصة أخيرة) وهو فيلم تكنيكي مختلف عن الأفوكاتو وعيون لاتنام. ثم معركة فيلم (السادة الرجال) ولكن هذه أمور أحاول أن أنساها وإلا توقفت عن الكتابة, خاصة وأن القصد من هذه المعارك كان ارهابيا من الداخل لأن الفيلم نفسه ليس سبب المعركة وإنما الفيلم المقبل. المهم أنني كنت في كل فيلم أحاول أن أعثر على لغة خاصة, صحيح أنهم يقولون عني مخرج فانتازيا, ولكن في حقيقة الأمر لم أتبع أسلوب الفانتازيا سوى في فيلمين هما (سمك لبن تمر هندي) و(قليل من الحب.. كثير من العنف) أما بقية أفلامي فواقعية كوميدية قد يكون الخيال فيها واسعا, والفانتازيا ليست هربا إنما مواجهة أكثر, لأنني بهذا الأسلوب أضخم العيوب أكثر, ولكي أقدمها لابد من أن أصعد بالواقع وأشاهده وأحلله, فالفانتازيا ليست هربا إنما تجاوز لسخافات الواقع لأنه أصبح مملا. أفكاري وأحلامي وأفلامي كانت تحتاج أموالا كثيرة كي أنفذها, وأنا ليست عندي أموال كي أستثمرها, فاستثمرت ثقة البنوك بي, وكل ما أعمل به من أموال هو قروض مصرفية, ولابد أن أشكر الجهاز المصرفي لأنه وقف الى جانب فرد مثلي لايملك إلا خبرته, وأنا لست سعيدا بهذا الوضع, ولكن (مجبر أخاك لابطل) حتى لا أضع نفسي تحت مفرمة الآخرين, وكي يظل رأسي مرفوعا, فلكي أعمل مخرجا ومؤلفا فقط لابد من أن يكون مستواي المعيشي أفضل مما أنا فيه بكثير, وبدلا مما أنا فيه الآن في ستوديو جلال الذي تسلمته في أول مارس الماضي, بعد أن حصلت على حق استغلاله لمدة 20 سنة, أمضي وقتا طويلا في الحديث عن (الطوب) والتأمين على الاستوديو وما الى ذلك, كان الأجدى أن أمضيه في القراءة والكتابة, ولكن هذا هو حال السينمائيين المصريين الذين يستحقون تمثال الجندي المجهول, فهم حملوا على أكتافهم السينما في الثمانينيات والتسعينات ويقدمون أجمل الأفلام من دون دعم.. وعموما فانشغالي باستوديو جلال واعادة تصحيحه من جديد لم يمنعني من تصوير فيلمي الجديد (علشان ربنا يحبك) وهو تجربة جديدة أحقق فيها ما يسمى بنوع من البكارة على الشاشة, لذلك أست قدمت وجوها لم تظهر قبلا أمام الكاميرا, كممثلين وممثلات, وكذلك خلف الكاميرا, سواء مدير التصوير أو مهندس الديكور أو المخرج المساعد أو المنتج المنفذ وغيرهم, فكلهم يعملون للمرة الأولى في السينما لتحقيق هذه البكارة, وفي هذه التجربة أناقش العلاقات الأسرية بأسلوب كوميدي, عندما شرعت في تحقيق الفيلم بوجوه جديدة قال الناس (رأفت اتجنن) وبعد ذلك بدأت مكاتب الانتاج الأخرى تستعين بالجدد مع نجم يساعدهم, لكنني اختلف عنهم بأن كل من عملوا معي كانوا من الجدد, وأتمنى نجاح التجربة لأنه يعني أنني سأستعين في الفيلم المقبل أيضا بوجوه جديدة, وأن السينما ستنتهج منهجي لاحقا ليحدث التنوع في الوجوه, ولا يعتبر هذا موقفا ضد نظام النجوم بل أريد بهذا إيجاد عدد أكبر من النجوم كي تصبح فرص الاختيار أمامنا أكثر, ولا نستمر معتمدين على العدد المحدود الموجود. يبقى أنني أواصل نضالي السينمائي دون كلل وعيني على الوطن, فقد تعلمت منذ زمن بعيد أن النضال السينمائي لايفرق عن النضال من أجل الوطن, فالسينما مرآة الوطن وعينه وقلبه, ولذا فلن أتوقف أبدا عن أعمالي وأحلامي و.. معاركي, ولن يهمني ما اذا كان سيأتي اليوم الذي يذبحونني فيه مثل يوسف شاهين بسكين ساخن أو حتى بارد.. يرويها: رأفت الميهي