هبطت (هارلم) فوجدتها تموج وتغلي فكأنما تركها (مالكولم اكس) امس. كانت تلك اول مرة تطأ فيها قدماي ارض ذلك الحي, ولكثرة ما كنت اسمع عنه من قبل, فلقد تمثلت بقول ابي العلاء وانا ادير خطواتي الاولى فيه في بلدة مثل ظهر الظبى بت بها كأنني فوق روق الظبي من حذر و(روق) الظبي هو قرنه.. ولكني ماعتمت بعد خطوات قلائل حتى ادركت انني لم اكن اتحرك فوق قرن ظبي, وانما على ارض آلفها وذلك رغم محذورات الامن, ورغم اعتذار رفيقي في الرحلة الى نيويورك, حيث قالها صراحة, انه لا يغامر بحياته الغالية بالطواف في هارلم! حياة الفكر والايديولوجيا اغلب الناس هناك كانوا يسعون في تجارتهم ومشاغل حياتهم, ولكن الحياة الفكرية لها نصيب في هارلم, اكثر منه في شوارع واسواق امريكا الاخرى, مما رأيت, باعة الكتب ينتشرون في كل مكان, وهم يبيعون كتبا ايديولوجية بعينها, ولا يروجون لأي كتب اخرى, فهي اذن تجارة ايديولوجية لا تجارة مادية وحسب, واصحاب الدعوات من ملل ونحل السود التي لا تحصى ينتصبون في المنعطفات يوزعون الفصاحة في اركان النقاش, ولأني عدت لا ادهش من شيء, لكثرة ما اندهشت, فلم يدهشني وجود دعاة متحمسين لنحلة جديدة, تسمى (السود الاسرائيليون) وهؤلاء يقفون ضد اسرائيل لا معها, كما قد يتبادر الى الذهن وهنالك داعية سوداني من جنوب السودان, ابعد النجعة حقا عندما ادعى ان السودانيين هم يهود في الاصل ولكنهم لا يعلمون, وله نشرة من ثلاث صفحات يوزعها كتبت بلغة رفيعة, حتى لتخفي المنطق فيها, حيث ذكر ان اليهودية تنتشر من شمال السودان الى جنوبه وذكر ان قبيلته (الماندي) لا تزال تحتفظ بجل عقائد اليهودية وشرائعها! وهنالك داعية سوداني آخر يدعو بدعوى اكثر جرأة, اذ يزعم ان اذنه كانت الى امد قريب في يد النخاس دامية, وذلك الى ان تمكن باعجوبة من الفرار منه, وقطع بحار الظلمات وصولا الى نيويورك, وهو يروج مع جهات اخرى لدعوى وجود الرق بالسودان وضرورة محاربته واجتثاثه! وفجأة ناداني احد اصحاب البقالات قال: انت لست امريكيا.. اهذا صحيح؟ قلت بلى.. ولكن كيف عرفت؟! قال: انك تشمخ بأنفك عاليا, فتشم الهواء الطلق.. وهذا ما لا نفعله نحن هنا, فلكثرة ما سامونا الهوان لأربعة قرون, فلقد اصبح الذل قابعا لدينا عميقا في اللاوعي, ومن ثم اصبح الاطراق الى الارض ميسمنا في السير.. ثم ناداني داعية عجوز قال انه كان صديقا لمالكولم اكس وكان يتجول معه في هذا الشارع يعظ الناس, وهو ما زال يفعل ذلك بعد اكثر من ثلاثين عاما من اغتيال مالكولم اكس.. وقال لي: لا تصدق ما قالوه عن وجود الرق في السودان.. فنحن اعدى اعداء الرق لكثرة ما اصطلينا ونصطلي به.. واننا اول ما سمعنا بتلك الدعوى, وبعثنا رسلنا الى السودان, فجاست خلال دياره, حتى بلغت جبال النوبة فلم تجد اثرا لتلك القرية ولا اصل! وقابلت دعاة لاليجيا محمد, وهم من الطراز العتيق الذي لم يتجدد, فهم ما زالوا يبثون دعاويه العنصرية الفظيعة كالسرطان, وما زالوا يؤمنون بأنه كان نبيا مرسلا, بل النبي الوحيد والاخير المرسل من عند الله, وما زالوا ينتظرون تحقق نبوءاته بالكوارث التي تدمر الانسان الابيض في امريكا حتى يسودها الانسان الاسود, قائلين انه كما ساد سيدنا يوسف عليه السلام واصبح رئيسا لوزراء مصر, بعد ان بيع رقيقا لاسرة فرعون, فهنا مصير الانسان الاسود في امريكا ان يسودها بعد ان جلب اليها في اسر الرق. ابن عربي.. هناك وهنالك اتباع المهدي يلبسون الجلاليب السودانية البيضاء وهم يعيشون في (كوميونة) الاشتراكية والزهد بنيويورك, برئاسة عيسى المهدي, الذي يزعم انه من اصل سوداني, وانه ابن مباشر للامام الهادي عبدالرحمن المهدي, الذي اغتيل بواسطة عساكر نميري في 1970, ويزعم عيسى المهدي ان امام الانصار السابق الذي كان يتولى القيادة قبل الصادق المهدي الحالي, قد جاء الى نيويورك في سالف الزمان, وتزوج امريكية, انجبه منها, وهي دعوى ينكرها ابناء الامام الهادي عن حق, اذ ان أيا منهم لم يزر امريكا ولم يتزوج امريكية قط. ولكن هذا لم يمنع الصادق المهدي من الاعتراف بدعوة عيسى المهدي التي كانت تسمى بـ (مجتمع انصار الله) . وقال الصادق انه انما اعترف بهم وزارهم في كوميونتهم, وسمح بالتقاط الصور له مع امامهم بغرض تشجيعهم على درب الدعوة بهدف تعميق بعد الدعوى للانصار السودانيين, في الاقاصى الامريكية. ولمهدي امريكا هذا طرائف عجيبة وله تزويقات كثيرة للحقائق, فعلاوة على زعمه بأنه نجل الامام الهادي عبدالرحمن المهدي السوداني, فإنه قد زور تاريخ ميلاده ليجعله مطابقا للذكرى المئوية لمولد محمد احمد المهدي, قائد الثورة المهدية في السودان, في اخريات القرن قبل الماضي, كما انه ظل يزاوج ما بين شخصيتي المهدي, وعيسى عليه السلام, ويقول انه يجمع بينهما معا.. فهو (المهدي) و(المسيح) في الوقت نفسه واخيرا اتخذ النقلة الحاسمة فسمى مجموعته الدعوية النشطة باسم: العبرانيين) ! ان امريكا قد سئمت من تطرف العلمانيين في فصل الدين عن الدولة وغلواء هؤلاء في تضخيمهم للقضايا الصغيرة كقضية الصلاة بالمدارس وكلما زاد غلو هؤلاء العلمانيين زاد غلاة اتباع البعد الديني, ودعاة النحل والملل الخرافية المستندة على سفر الرؤيا, وعلى كتاب (الفتوحات المكية) لابن عربي الاندلسي ومن اعماق هذا الكتاب الخطير انبثقت دعاوى عيسى المهدي بنيويورك. من هارلم الى جروزني واذا كان العالم الاسلامي قد شبع او سئم من ترداد دعاة المهدية فإن الفكرة اخذت تنتشر انتشار النار في الهشيم الامريكي وكذب دعاة المهدية لا يعني بالطبع ان الفكرة كاذبة من اساسها, فهي دعوة صحيحة ولها احاديث صحاح كثر تسندها وعندما تجرأ عالم المغرب ابن خلدون لتحليل تلك الاحاديث ونقد سلاسل رواتها, ليضعف الفكرة برمتها, تصدى له عالم المشرق صديق حسن خان ببحث اصيل ابان فيه عن حسن اسناد تلك الفكرة, واعاد لها اعتبارها, بعد ان فصلها عن عوالم الخرافة والاساطير والالغاز والمنامات المبهمة التي اترعها بها ابن عربي. ولكن هؤلاء الدعاة المنفعلين بنيويورك هم ابعد ما يكونون عن مثل ذلك التحقيق, واقرب ما يكونون الى رؤى ومنامات ابن عربي وافكاره ذات النزعة العاطفية المرضية.. والغريب ان ابن عربي لا يلهم هؤلاء وحدهم, وانما يلهم معهم عشرات بل ربما مئات من اساتذة الجامعات يسمون انفسهم بـ (الاكبريين) نسبة الى لقب الشيخ المعروف: (الشيخ الاكبر) ولهم مؤتمر اكاديمي رصين يعقدونه سنويا عن (الفتوحات المكية) في واحدة من اشهر جامعات الغرب. ان ابن عربي شخص من اخطر اشخاص التاريخ, وان افكاره لتتسرب في الارض وتتجسس من حيث لا تتوقع على الاطلاق وان لافكاره يدا في جهاد الشيشان والنقشبنديين) كما ان لها يدا اخرى في افكار المهديين النيويوركيين! بقلم: د. محمد وقيع الله