حين يتناول المراقبون فترة حكم الرئيس الأمريكى بيل كلينتون بالتحليل, فإنهم لا يستطيعون الا يلاحظوا تزايد الطابع العدوانى لاستراتيجية الولايات المتحدة خلال تلك الفترة رغم المظهر (السلمى) و(الديمقراطى) لخطاب الادارة الأمريكية فى عهد كلينتون, والكلمات البراقة التى تميز هذا الخطاب. وإذا كان عهد الرئيس الأسبق رونالد ريجان (يناير 1981 يناير 1989) قد شهد بداية تصدع الاتحاد السوفييتى وحدها والمعسكر الشرقى, وعهد الرئيس السابق جورج بوش( يناير 1989 ـ يناير 1993) قد شهد تفكك الاتحاد السوفييتى وحلف وارسو وانهيار النظام العالمى ثنائي القطبية وميلاد (النظام العالمى الجديد) القائم على أحادية القطبية.. فإن ولاية كلينتون ( يناير 1993 ـ يناير 2001) تمثل فترة جني الولايات المتحدة لثمار هذه المتغيرات الهائلة فى علاقات القوى الدولية, التى أصبحت تميل لصالحها بقوة تسمح للكثيرين بالحديث عن (القرن الأمريكى) و(أمركة العالم). والواقع ان الخلل الفادح فى موازين القوى الدولية فى السنوات الأخيرة يتيح للولايات المتحدة انتهاج استراتيجية تهدف الى محاولة فرض الهيمنة الأمريكية السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية المطلقة على العالم, واعادة صياغة العلاقات مع حلفاء وأصدقاء واشنطن واعدائها على السواء بمايؤمن فرض وتكريس هذه الهيمنة على العالم بأسره, وازاحة العقبات التى يمكن ان تقف فى وجه تحقيق هذا الهدف. وبالتالى فإن الطابع العدوانى المتزايد يصبح ملازما للاستراتيجية الأمريكية فى شتى المجالات وفى مختلف أقاليم العالم. اخضاع الأمم المتحدة وعلى سبيل المثال فإن واشنطن بذلت جهودا مستميتة لإخضاع منظمة الأمم المتحدة لسيطرتها خلال السنوات الأخيرة, وتفريغها من محتواها كإطار رئيسى للعلاقات الدولية والمحافظة على الأمن والسلام فى العالم. وقد قامت المنظمة الدولية بمختلف هيئاتها, وفى مقدمتها الجمعية العامة ومجلس الأمن, بدور بالغ الأهمية فى هذا الصدد منذ قيامها عام 1945 وحتى أوائل التسعينيات. واستفادت الدول الصغيرة بالذات من نظام التصويت الديمقراطى فى الجمعية العامة (صوت لكل دولة) لجعل الأمم المتحدة منبرا دوليا بالغ الأهمية للشعوب المناضلة من أجل حريتها, وضد الاستعمار والعدوان والتفرقة العنصرية. واذا كان الاستقطاب الدولى قد أضعف دور مجلس الأمن الى حد ما فى ظل تمتع الدول الخمس الكبرى بحق (الفيتو) فإن علاقات القوى الدولية المتوازنة وانعكاسها فى قرارات الجمعية العامة كانا يمثلان عنصر ضغط أدبىا لا يستهان به على الدول الكبرى لدى تصويتها فى مجلس الأمن. الا انه بعد انهيار الاتحاد السوفييتى والمعسكر الشرقى, وماترتب على ذلك من ضيق هامش المناورة أمام حركة عدم الانحياز والدول الصغيرة, أصبحت الولايات المتحدة أكثر قدرة على ممارسة الضغوط على تلك الدول سواء فى الجمعية العامة أو فى مجلس الأمن, حيث توجد عشرة مقاعد غير دائمة تنتخب الدول بصورة دورية لشغلها. بل ان الدول الكبرى نفسها اصبحت عرضة للضغوط الأمريكية العنيفة لدى التصويت فى مجلس الأمن, لمنعها من استخدام (الفيتو) ضد القرارات التى لا تراها مناسبة. ورأينا مرارا موافقة روسيا والصين على بعض القرارات وامتناعها عن التصويت ضد بعض القرارات نتيجة للضغوط الأمريكية. كما استغلت الولايات المتحدة مساهمتها الكبيرة فى ميزانية المنظمة الدولية, ومتأخرات هذه المساهمة (حوالى 5.1 مليار دولار) لكى تفرض شروطها على الامم المتحدة فى مجال تقليص النفقات والهيكل الادارى, بل ولمنع اعادة انتخاب د.بطرس غالى لولاية جديدة فى منصب الأمين العام, لمعارضته لبعض المواقف الأمريكية!! وأصبح الكونجرس الأمريكى طرفا فى تسيير شئون الأمم المتحدة بحكم سيطرته على عملية اقرار موازنة الولايات المتحدة, وبالتالى على قرار دفع متأخراتها للمنظمة الدولية!! وبفضل هذه الضغوط وماشابهها تمكنت الولايات المتحدة من اضفاء (الشرعية الدولية) على العديد من مواقفها كالحصار الظالم على الشعبين العراقى والليبى من خلال استخدام مجلس الأمن لفرض عقوبات ضد العراق وليبيا, تطبيقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وكذلك من خلال اضفاء (الشرعية) على التدخل الأمريكى فى كوسوفو بدعوى الدفاع عن مسلميها, بينما كان هدف واشنطن الحقيقى هو تأكيد سيطرتها على البلقان. علما بأن قرار تفويض الولايات المتحدة وحلف (الناتو) جاء بعد أن كان التدخل قد تم فعلا!! كما نجحت الضغوط الأمريكية فى حمل الجمعية العامة على الغاء قرار سابق لها يعتبر الصهيونية أحد أشكال العنصرية. وباختصار فإن الخلل الفادح فى علاقات القوة الدولية أدى لسيطرة أمريكية على الأمم المتحدة, جعلت من المنظمة اداة لسياسة واشنطن المجافية للشرعية ولقواعد القانون الدولى. توسيع (الناتو).. ضد من؟ يمثل توسيع حلف (الناتو) باتجاه الشرق أحد الاتجاهات الرئيسية فى الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة فى السنوات الأخيرة (عهد كلينتون). وقد بدأ توسيع الحلف ببرنامج (المشاركة من أجل السلام) بعد انهيار الاتحاد السوفييتى وهو برنامج انضمت اليه دول أوروبا الشرقية والوسطى والجمهوريات السوفييتية السابقة باستثناء طاجيكستان ويتضمن البرنامج أشكالا مختلفة من التعاون العسكرى بما فى ذلك التدريبات والمناورات المشتركة وسرعان ما بدأت الولايات المتحدة تطرح فكرة توسيع (الناتو) من خلال ضم دول جديدة فى أوروبا الشرقية والوسطى الى عضوية الحلف الكاملة. وتحقق هذا رسميا العام الماضى (1999) بانضمام ثلاث دول هى التشيك والمجر وبولندا الى عضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو), وهى دول كانت أعضاء فى حلف وارسو. كما تسعى الولايات المتحدة الى ضم دول أخرى مجاورة لروسيا أو قريبة منها الى (الناتو) فى مرحلة لاحقة, وفى مقدمتها جمهوريات البلطيق السوفييتية السابقة (ليتوانيا ولاتفيا واستونيا) وكذلك بلغاريا ورومانيا. وتتوطد علاقات التعاون العسكرى بين الولايات المتحدة وهذه الدول بصورة مضطردة سواء من خلال العلاقات الثنائية المباشرة, أو من خلال برنامج (الناتو) الذى تتزعمه الولايات المتحدة.. كما تتوطد العلاقات العسكرية الأمريكية بدول أخرى سوفييتية سابقة مثل أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان, ودول آسيا الوسطى وخاصة كازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان. ولا يمثل التغلغل الأمريكى فى تلك البلدان خطرا مباشرا على الأمن القومى لروسيا وحدها, بل وعلى الصين أيضا, حيث تشترك حدودها الغربية مع دول آسيا الوسطى, كما يمثل التغلغل الأمريكى فى آسيا الوسطى حلقة اضافية فى احكام الحصار على ايران, المجاورة لتلك المنطقة من الجنوب. وعلاوة على ذلك فإن الحلف قد اتخذ فى قمته التى انعقدت فى واشنطن العام الماضى (1999) قرارا يسمح له بالتدخل فى بلدان خارج نطاق إقليمه الجغرافى إذا نشأت أوضاع تهدد أمن اعضائه أو مصالحهم الحيوية بما فيها الامدادات النفطية(!!) الأمر الذى يعنى امكانية تدخل (الناتو) فى الشرق الأوسط وجنوب البحر المتوسط, ووسط وجنوب اسيا.. وفى كل مكان فى العالم عمليا!! وبمبادرة أمريكية كما أثبتت ذلك الأحداث فى البلقان. الا ان مالا يشير اليه المراقبون عادة هو خطر توسع (الناتو) على.. أوروبا. فالواقع ان توسع الحلف باتجاه الشرق يعنى تأكيد سيطرة الولايات المتحدة العسكرية على القارة الأوروبية. فالدول التى انضمت الى الحلف, وتلك المرشحة للانضمام اليه, تربطها بالولايات المتحدة علاقات أعمق وأقوى من تلك التى تربطها بالدول الأوروبية الكبرى, وتشعر الدول الشيوعية السابقة بأن تخلصها من النفوذ السوفييتى يرجع الفضل فيه الى الولايات المتحدة أكثر من أى طرف أخر. كما ترتبط النخب الحاكمة فيها بواشنطن أكثر من أية عاصمة غربية أخرى. ولذلك فإن تلك الدول تظل مراكز فعلية ومحتملة للنفوذ الأمريكى أكثر مماهى حليفة لدول غرب القارة, وحتى لو كان بعض تلك الدول مرشحا للانضمام للاتحاد الأوروبى فإن مسيرة انضمامها للاتحاد وانصهارها فيه تظل أطول وأعقد من مسيرة انضمامها (للناتو). وهكذا فإن توسع (الناتو) يمثل نقطة قوة اضافية للولايات المتحدة فى مواجهة حلفائها الأوروبيين ايضا, والذين اتسع مجال التناقض بينهم وبين أمريكا, بعد انهيار الاتحاد السوفييتى, وزوال (الخطر الأحمر) عنهم, كما يتضمن ذلك بجلاء فى الخلافات الحادة حول عديد من القضايا, وخاصة احتدام المنافسة الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة. درع أم سيف؟ تصاعد النزعة العدوانية الأمريكية يتجلى بوضوح ايضا فى برنامج الدفاع الصاروخى المضاد للصواريخ, والذى تهدف الولايات المتحدة من خلاله الى شل قدرة أى خصم محتمل على توجيه ضربة نووية لها, مع الاحتفاظ بقدرتها على ضرب الخصوم. وقد خصص (الملف السياسى) عددا كاملا لهذا الموضوع منذ أسابيع قليلة, يمكن للقارئ الكريم الرجوع اليه. لكن مانود التأكيد عليه هنا باختصار شديد, هو ان الولايات المتحدة تهدف من هذا البرنامج الى محاولة تحقيق الهيمنة العسكرية المطلقة على العالم, دون اقامة أى اعتبار للمصالح الأمنية الحيوية للدول الأخرى. ولما كان مثل هذا الاتجاه له عواقب استراتيجية خطيرة لا يمكن أن تقف الدول الكبرى مكتوفة الأيدى ازاءها, وخاصة روسيا والصين - فإن من الطبيعى أن يؤدى البرنامج الأمريكى الى بدء جولة جديدة خطيرة من سباق التسلح فى العالم. الحرب ضد.. الأصدقاء! النزعة العدوانية الأمريكية.. ومحاولة فرض الهيمنة الشاملة على العالم لا تستثنى مجالا أو دولة.. اللهم الا اسرائيل لأسباب سنجىء إليها. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتى, وانفراد الولايات المتحدة بوضع الدولة الأعظم انفتح الباب على مصراعيه للتناقضات المحتدمة بينها وبين حلفائها السابقين فى أوروبا الغربية واليابان, بسبب المنافسة الاقتصادية التى كان الاستقطاب العالمى يزيحها عن مركز الصدارة. وشهدت مفاوضات الجات صراعا عنيفا حول الأسواق, حاولت فيه الولايات المتحدة اجبار حلفائها على فتح أسواقهم امام سلعها وخدماتها فى كل مجال, مع رفع أسوار النزعة الحمائية حول الأسواق الأمريكية!! ووظفت الولايات المتحدة كل أدوات الضغط الممكنة فى صراع الحياة والموت من أجل (كعكة) الاقتصاد العالمى, فنجحت فى بعض المجالات ورضيت بالحلول الوسط فى بعضها الآخر, واضطرت للقبول مؤقتا بمكاسب محدودة, أو بالهدنة مع ترك باب استئناف الصراع مفتوحا فى مجالات أخرى (كالسلع الزراعية, وبصورة أخص المنتجات الثقافية فى المفاوضات مع الاتحاد الأوروبى مثلا). لكن الطابع الأساسى للاستراتيجية الأمريكية فى المفاوضات التجارية كان ولايزال متمثلا فى العدوانية الواضحة, وعدم اقامة الاعتبار لمصالح الحلفاء المنافسين. وقس على ذلك فى علاقات الولايات المتحدة مع شركائها وحلفائها من اليابان الى (الأوبك).. الخ مع اختلاف الظروف فى كل حالة بالطبع. أما الاختراق الأمنى والتجسس الاقتصادى فيمثل سياسة أمريكية متفاقمة الخطورة تجاه الأصدقاء والمناوئين على السواء. وقد أوضح ماتكشف مؤخرا عن شبكة (إيشيلون) للتجسس الإلكترونى واعتراض المكالمات التلفونية فى جميع بلاد العالم, الأبعاد الرهيبة للتجسس الأمريكى على الحلفاء, وأثار غضبا واسعا, خاصة فى أوروبا. وربما كان الاستثناء الوحيد والدائم! من النزعة العدوانية الأمريكية هو.. اسرائيل. ولا يرجع هذا الى النفوذ الهائل للوبى الصهيونى فى الحياة السياسية والاقتصادية الأمريكية فحسب فهناك بالطبع الدور الاسرائيلى بالغ الأهمية فى الدفاع عن المصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط, ذى الأهمية البالغة للولايات المتحدة بموقعه الفريد وبخزانات النفط الهائلة فيه. ولهذا نجد الانحياز الأمريكى الأعمى للعدوان الصهيونى. وهو انحياز يصل الى حد تبنى أكثر الخرافات الصهيونية رجعية بشأن القدس وأراضى الضفة الغربية. كلينتون.. الفرد والمؤسسة بينما يستعد الرئيس الأمريكى كلينتون لمغادرة البيت الأبيض خلال شهور قليلة (الانتخابات فى نوفمبر 2000 وتولى الرئيس الجديد فى يناير 2001) تثور تساؤلات كثيرة حول دوره فى صنع (المعجزة الأمريكية) الحالية. ويربط كتاب كثيرون بينه وبين الازدهار الاقتصادى غير المسبوق الذى تشهده الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة, وتعاظم قوتها الاقتصادية والعسكرية. ويؤكدون أنه رغم الفضائح الاخلاقية المشينة التى وسمت شخصه وعهده, الا انه أحد أكفأ الرؤساء وأفضلهم فى تاريخ أمريكا, من زاوية تحقيقه لمصالح البلاد. ولا يخطر ببالنا, بالطبع, أن ننكر دور الفرد فى التاريخ, ودور القادة والزعماء فى صنع حاضر ومستقبل بلادهم وشعوبهم. كما لا نود انكار كفاءة وموهبة كلينتون نفسه. لكن من الضرورى هنا لكى نضع الأمر فى نصابه أن نشير الى حدود الدور الذى يلعبه الرئيس الأمريكى فى صنع الاستراتيجيات الكبرى لبلاده. فالولايات المتحدة دولة مؤسسات بامتياز. وهناك الكونجرس بمجلسيه ولجانه, ومعاهد الأبحاث الاستراتيجية, وأجهزة المخابرات والأمن القومى, وجماعات الضغط والمصالح.. الخ وكلها تساهم فى (صنع الرئيس) وايصاله الى البيت الأبيض, وترسم له حدود استقلاليته ومبادراته. ولا ينبغى نسيان ان كلينتون أمضى الجزء الأكبر من وقت ولايته الثانية فى الدفاع عن نفسه بخصوص فضائحه الاخلاقية. والحقيقة الكبرى هى ان كلينتون تولى رئاسة الولايات المتحدة فى مرحلة من التاريخ شهدت تربع بلاده فيها على عرش العالم بلا منازع مؤقتا بفضل امكاناتها الهائلة وعناصر القوة فى نظامها السياسى والاقتصادى, وأسباب الضعف فى النظام المنافس, والتى أدت الى انهياره, وبالتالى الى اختلال علاقات القوى لصالح أمريكا بصورة غير مسبوقة. ولكن موهبة كلينتون بصفة أساسية فى أنه نجح فى التعبير عن هذه الحقائق والتأقلم معها وان لم يكن هو صانعها. كما انه ليس صانع تحولات كبرى فى السياسات الخارجية أو الداخلية الكبرى للولايات المتحدة كالتى ساهم فى صنعها رؤساء مثل ويلسون أو روزفلت أو حتى نيكسون. ولا ينفى ذلك أن كلينتون رئيس ناجح للولايات المتحدة, وأن هذا النجاح يحتاج إلى ذكاء وموهبة كبيرين برهن كلينتون على امتلاكه لهما. لكن المؤكد ان (الحظ) كان حليفه الى حد كبير فى انه تولى رئاسة الولايات المتحدة فى مرحلة من تاريخها هى الأكثر ازدهارا وقوة. وعلى أية حال فإن الحكم النهائى على كلينتون يبقى للشعب الأمريكى.. وللتاريخ. بقلم د.محمد فراج أبوالنور ، كاتب مصري