يعتبر جان ـ ماغري ديلاجورس من اهم الباحثين والمفكرين الاستراتيجيين في فرنسا, فقد شغل مناصب عديدة منها مستشار استراتيجي في الدفاع عند الرئيس الفرنسي جاك شيراك, وكتب العديد من الكتب والمقالات اهمها ما نشرها في صحيفة اللوموند حول استراتيجية الولايات المتحدة الجديدة, وسياسة الولايات المتحدة في البلقان, ومشروع الدفاع الامريكي ضد الصواريخ, وسياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط, ومفاوضات كامب ديفيد, وهو يرأس تحرير مجلة (الدفاع الفرنسي الوطني) ورئيس (لجنة دراسات الدفاع الوطني)... واصدر مؤخرا كتاب (الامبراطورية الاخيرة ـ هل يصبح القرن العشرون امريكيا) وكتاب (شارل ديجول), (الملف السياسي) التقى ديلاغوس واجرى معه الحوار التالي: * كيف ينظر العالم الى فترة حكم كلينتون ايجابا وسلبا؟ ـ من الواضح مثل كل الاحداث ذات الصيغة العالمية لابد من مرور الزمن من اجل ان نحكم على هذه الفترة او تلك, والتاريخ كما نقول لم يصدر بعد احكامه حول الفترة المزدوجة لحكم الرئيس الامريكي بيل كلينتون وهي دامت ثماني سنوات, لا ينبغي ان نصاب بالدهشة اذا كانت الاحكام مختلفة ومتناقضة, ولا احد مجبراً على تبني اية نظرة ما حول هذه السياسة, يمكن ان نميز في هذا المجال بين تفسيرين في حكم بيل كلينتون في البيت الابيض: التفسير الاول يشمل شخصيته, وصفاته وسلوكه ومن الطبيعي ان العالم بأكمله اصيب بصدمة اثر المصاعب التي واجها الرئيس كلينتون وكيف انه تبنى صفاته الخاصة بالنسبة الى نظام الحكم في الولايات المتحدة, وهو ليس بالضرورة يتضمن سلوكا بيوريتالنيا ـ طاهراً ـ جذريا او انها خارجة عن الصنف البشري. ومن المعروف ان كبار رؤساء الولايات المتحدة السابقين كانت لهم حياة شخصية عاصفة مثل روزفلت وهناك مثال ذو دلالات معاصرة مثل الرئيس كيندي. لكن الرئيس كلينتون عاش في مناخ اصبح ثقيلا بسبب اصرار الصحافة التحدث دون رقابة او تحفظ عن الحياة الخاصة للشخصيات. وفي هذا المناخ الذي اصبح ثقيلا, وشمل العنف الذي اظهرته الصحافة, لم يتمكن الرئيس كلينتون من ان يعيش حياته الشخصية التي تتلاءم مع مطالب الرئاسة الامريكية ومن الطبيعي ان هذا سيبقى في ذاكرة الجميع, اعتقد ان هذا التفسير يعتبر ثانويا بالنسبة للتفسير الذي يشمل ادارة الولايات المتحدة من قبل الرئيس كلينتون داخليا وخارجيا, اعتقد بأنه ليس هناك اي شك بأن حكم الرئيس كلينتون سيبقى متميزا بمرحلة ازدهار هائلة, وجذور ذلك يمتد الى ريجان, وتوجيهاته التي اعطاها في هذا المجال. وقد طور كلينتون كل هذه الامكانيات الى اقصى ما يمكن. ومن جهة اخرى فإن كلينتون قام بإدارة قوة عظمى بدون منافس كانت هذه حالة جورج بوش في بعض الاوجه, ولكن في اللحظة التي كان فيها جورج بوش رئيسا كان الاتحاد السوفييتي لا يزال قائما, وتحت رئاسة كلينتون لم يكن في العالم اية قوة عظمى قادرة على ان تنافس الولايات المتحدة. ولأول مرة نلاحظ كيف تتصرف هذه القوة العظمى تحت رئاسة بيل كلينتون. * مسلسل فضائح كلينتون, هل شكلت نقطة سوداء في تاريخه السياسي؟ ـ اعتقد انه مع مرور الزمن ستطرح المسألة الحقيقة التي تخص شخصية الرئيس كلينتون وحياته في البيت الابيض القضية الجوهرية وهي: هل ان مصاعبه الشخصية اضعفت ام لا سلطته السياسية؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي ان نطرحه, ومع مرور الزمن لا احد سيعير اهتماما الى القضية الشخصية, ويدرك العالم ان اهميتها عابرة ولا قيمة لها. والسؤال كما قلت هل سلطته السياسية تضررت من هذه العملية؟ وقد طرحت السؤال مرات عديدة في الفترة التي رأينا فيها ان سلطة الرئيس الامريكي كانت حاسمة في فتح افاق جديدة في عملية السلام في الشرق الاوسط, هل كانت له السلطة الضرورية للتأثير على ذلك داخليا وخارجيا وفرض سلطته كاملا هل ان هذه السلطة لم تضعف من خلال النقد والهجوم الذي تعرض له على صعيد المشهد السياسي الداخلي. لا اعرف بالضبط كيفية الاجابة على هذا السؤال ربما المؤرخون سيجيبون عليه في المستقبل. * حاول كلينتون جاهدا ايجاد تسوية شاملة في الشرق الاوسط بين العرب واسرائيل ليحقق به انجازا تاريخيا يختتم به ولايته ما مدى نجاح هذه الجهود؟ ـ فكر الرئيس كلينتون ان احدى مهامه في رئاسة الولايات المتحدة تكون المساهمة في حل مشكلة الصراع العربي الاسرائيلي, وتتذكر بأن في بداية حكمه ثمة حدث مهم وقع في واشنطن واثر محادثات مدريد, وقد ورث ذلك من فترة حكم جورج بوش, كانت الادارة الفلسطينية قبلت او كانت تأمل او ترغب بمحادثات مباشرة وسرية مع اسرائيل, وفكر القادة الاسرائيليون بأنهم قد يستفيدون من علاقات القوة التي يتمتعون بها من اجل ان يقوموا بمحادثات مباشرة مع المقاومة الفلسطينية, في اطار ايجاد حل يعتبره الاسرائيليون اساسيا وهو محادثات اوسلو. الرئيس كلينتون عمل بالاتفاق مع الطرفين الاسرائىلي والفلسطيني ان يرأس مباحثات اوسلو, وكلنا يتذكر توقيع الاتفاقية على مدرجات البيت الابيض الذي له دلالات سياسية كبيرة. وقد ظهر بيل كلينتون وكأنه مهندس هذا الاتفاق, ومن الناحية التاريخية لم يكن هذا صحيحا, الدبلوماسية الامريكية لم تساهم مساهمة فعالة في اتفاقيات اوسلو لكن هذه الاتفاقيات اخذت بنظر الاعتبار من قبل كلينتون, وهنا اظهر كلينتون موهبة معينة في قيادة اتفاقيات اوسلو وكأنها تحت المباركة الامريكية. وفي الليلة نفسها للاتفاقيات اتصل الرئيس بيل كلينتون بالرئيس الراحل حافظ الاسد ليخبره بأن المفاوضات بين اسرائيل وسوريا ضرورية من اجل ارساء عملية السلام في الشرق الاوسط. في رأيي ان وجهة نظر كلينتون كانت صحيحة. وتحليله صائبا, واختار ان يقطع نصف العالم لكي يلتقي بالرئيس السوري الراحل حافظ الاسد في جنيف. وكان ذلك اختيارا استراتيجيا صحيحا. والسؤال المطروح هو: لماذا لم يتحقق الاتفاق بعد مرور سنوات طويلة؟ على اية حال في عام 1996 عندما وافق رابين على فكرة الانسحاب من مرتفعات الجولان فإن الدبلوماسية الامريكية اقنعت سوريا بهذه المفاوضات في بلورة الانسحاب الكامل والسلام الكامل. لكن كما هو معروف قطع شيمون بيريز هذه المفاوضات على اثر الانفجارات في اسرائيل التي نتجت عنها احداث قانا الدامية. وشيء مهم افتقد انذاك هو ان كلينتون لم يستطع ان يحتوي هذه الفرصة الضائعة, ربما يعود ذلك الى ضعف سلطته السياسية ويبقى هناك بعض الاسابيع في محاولة لتحقيق اتفاقيات بين اسرائيل والفلسطينيين واسرائيل والسوريين. وفي كل الاحوال في هذه الفترة استطاع بيل كلينتون ان يقود الاتفاقيات الاردنية الاسرائيلية. اعتقد انها الفترة المهمة جدا في عمل كلينتون وربما ترسم حدود عمله السياسي ايضا. * سياسة كلينتون هل تؤهل لنجاح نائبه آل جور وحزبه الديمقراطي امام الجمهوريين ومرشحهم بوش الابن؟ ـ من الصعب التنبؤ بالحملة الانتخابية الامريكية وسلوك المتنافسين بوش الابن وآل جور, لدي احساس ان المرشح الديمقراطي يجد صعوبة في تجميع القوى السياسية والاجتماعية التي تكون اساسية في نجاحه واختياره نائباً الرئيس محافظاً للغاية واخلاقياً وبيوريتانياً ـ طاهراً ـ وارثوذوكسياً دينياً, وهذا غامض جدا, من وراء ذلك يأمل آل جور بهذا الاختيار ان يحصل على اصوات الامريكيين ذوي الاصول اليهودية, او الوسط الامريكي المؤيد والداعم لاسرائيل. ولكن في مجمل الشعب الامريكي هناك الاتجاهات الليبرالية والحديثة, لا اعتقد ان المرشح الديمقراطي قادر على تمثيلهم, وهو يسعى الى نسيان شخصية بيل كلينتون, ويعطي الى حملته الانتخابية صبغة اخلاقية ومحافظة وبيوريتانية ـ طاهرة ـ من اجل ان ينقص من عدد المعارضين له, واتساءل فيما كان هذا هو عين العقل او مجرد وهم, في الحقيقة ان المجتمع الامريكي حديث وليبرالي ومتحرر اكثر مما يعتقد آل جور فكان عليه ان يتبنى موقفا اكثر صراحة من ذلك. * هل تعتقد ان اختيار نائب آل جور اليهودي المتزمت سيزيد من الاصوات المؤيدة الى الحزب الديمقراطي؟ ـ هذا اختيار غامض ليس هناك مشكلة في اختيار نائب للرئيس من اصل يهودي لان الولايات المتحدة لا تعترض على ذلك, لكن خاصية النائب الذي اختاره آل جور التقليدية والمحافظة والمتزمتة والدينية والداعمة لاسرائيل هي المشكلة, وفي نظر المجتمع الامريكي فهو محافظ ومتزمت وتقليدي وبيوريتاني ليس مؤكدا ان ذلك يساعد على نجاح آل جور. * يحاول كلينتون اللهاث في انجاز قضايا ملحة داخلية وخارجية لتتويج فترته الرئاسية هل سينجح في ذلك؟ ـ من الطبيعي ان كلينتون الذي هوجم كثيرا في شخصيته وسلوكه الفردي يسعى الى اعطاء اكبر قدر من الاهمية لفترة لحكمه واعتقد ان ما يحسب في نظر المجتمع الامريكي هو الانجازات التي قدمها كلينتون في ازدهار الحياة الاقتصادية المهمة بالنسبة لجميع الدول ايضا ليس في مجال اختفاء البطالة عن العمل ولكن بقوة الدولار مقارنة بالاسعار والثقة التي منحها الى المجتمع الامريكي وكذلك في افاق تسديد الديون الداخلية. وهذه جردة حساب موفقة واقول اذا ما نجح آل جور في الانتخابات المقبلة في شهر نوفمبر فذلك بفضل الاوضاع الاقتصادية الامريكية المزدهرة. من الممكن ان الرأي الامريكي لا يحكم عليه الا المواطن الامريكي هناك مثالان: الرأي الامريكي لا ينتقد التدخل الامريكي في حرب البوسنة وكوسوفو, وما نتج عن ذلك من نتائج انسانية وخيمة. والمثال الآخر العراق, السياسة الامريكية بعد ثمانية اعوام من حكم بيل كلينتون تسعى الى تغيير الحكم في العراق, وفرض الحصار عليه وتهميشه لم يحصل ذلك في التاريخ. وفي هذين المثالين يمكن ان توجه انتقادات قوية الى السياسة الامريكية لكن ذلك لا يدخل في النقاش السياسي في الولايات المتحدة ولا يؤثر ابدا على سير الانتخابات. * هل حقق كلينتون برنامج حزبه الانتخابي الذي طرحه قبل وصوله البيت الابيض؟ ـ كلا على الاطلاق, منذ ثمانية اعوام عندما قاد المرشح كلينتون حملته الانتخابية تضمن برنامجه نظاما عاما ومعقدا وكاملا, مساعدة المرضى والشيوخ وحمايتهم او ما يسمى (مديكيد) ولكن هذا البرنامج لم يتحقق, لا احكم على هذه المشاريع لكني احكم على النصوص التي قدمها إلى الكونجرس الذي تضمن أحد هذين المشروعين 8 آلاف صفحة, نصوص معقدة ومفصلة وقد تحسنت الاوضاع الاقتصادية لغالبية الامريكيين وهي افضل مستوى في العالم. اعتقد ان نوايا كلينتون وزوجته هيلاري التي ساهمت كثيرا في المصالح الاجتماعية كانت صادقة ولكن الوسائل التي استخدمت لم تكن تلائم المجتمع الامريكي والحقيقة ان كلينتون وجد نفسه في مواجهة اغلبية جمهورية في الكونجرس ولذلك لم يستطع مواصلة مشاريعه المذكورة, كانت مشاريعه جريئة للغاية, حماية المرضى وحماية الشيوخ, مشاريع عامة. ولكن المجتمع الامريكي بوسائله المتعددة استطاع ان يحل هذه المشكلة بالنسبة للغالبية العظمى. * هل لهيلاري زوجة كلينتون دور في سياسته وما هي العلاقة بين سياسة كلينتون ومحاولاته انجاح آل جور في الانخابات؟ ـ اعتقد ان هيلاري كلينتون في الفترة الاولى من رئاسة زوجها لعبت دورا اجتماعيا مثل (المديكيد) الذي تحدثنا عنه قبل قليل لكن فشل هذا المشروع اثر على مجمل السياسة الامريكية عامة, ولكنها كانت تخدم كلينتون مثل ناطق رسمي باسمه تتذكر هي اول من نطقت بالدولة الفلسطينية ولم يأت هذا التصريح عن طريق الصدفة, ولكن يكن رأيها الشخصي بل كانت مكلفة بهذا التصريح حتى يتقبله الرأي العام الامريكي وقد لعبت في هذا دورا كبيرا, وقد دعمت كثيرا مواقف زوجها في مجالات عديدة وخاصة في المصاعب الشخصية التي واجهها. * ما هو رأيك بالضغوطات التي مارستها الادارة الامريكية في التهديد بنقل السفارة الامريكية الى القدس؟ ـ يمكن القول ان قضية الصراع العربي الاسرائيلي هي النقطة القوية والنقطة الضعيفة في السياسة الامريكية بصورة عامة تحت رئاسة بيل كلينتون. النقطة القوية هي اتفاقيات اوسلو واتفاقيات الاردن واسرائيل والتطورات الحاصلة في هذا المجال دون ان ننسى, الخطوات الاولى في المفاوضات السورية الاسرائيلية, وكذلك المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية ولكن فشل هذه المفاوضات ناتج عن محدودية الدبلوماسية الامريكية ومدى تأثر سلطتها السياسية باتجاه الدولة الاسرائيلية, والسؤال هو: وما هي التنازلات التي يجب على الفلسطينيين ان يقدموها من اجل فرض السلطة الفلسطينية على الجانب الشرقي من القدس؟ ان ردود فعل الرئيس كلينتون في المفاوضات وتهديده بنقل السفارة الامريكية الى القدس يعني ان هناك مشكلة خطيرة في العلاقات بين الولايات المتحدة واسرائيل من خلال تأثير اسرائىل الثقيل على السياسة الامريكية. ولا ادري فيما لو تقدم الولايات المتحدة على هذه الخطوة او انه مجرد وعد من قبل الرئيس كلينتون في حالة الوصول الى اتفاق بين الطرفين. * هل ولاية كلينتون خلقت استراتيجية معينة للولايات المتحدة؟ ـ اعتقد بأن الاستراتيجية الامريكية حيال العالم بأكمله واضحة هناك سياسة امريكية وهناك استراتيجية امريكية الشيء الاساسي ان السياسة الامريكية منعت ظهور قوة عظمى مقابلة لها, وهذا هو قلب الاستراتيجية الامريكية هذه السياسة تطبق بالنسبة لاعداء الحرب الباردة روسيا وغيرها وبالرغم من وجود حلفاء لها في الخارج الا انها لم تسمح لأي واحدة منها من اتخاذ قرار مستقل كما حصل في حرب البلقان وكوسوفو والشرق الاوسط. وقد ظهر ذلك منذ عهد جورج بوش وحرب الخليج. هذا الاتجاه في السياسة الامريكية حافظ عليه الرئيس كلينتون وقد استطاعت هذه السياسة ان تستفيد من كل الصراعات في العالم وتجييرها لصالحها والمحافظة على روسيا في علاقة التفاهم مع الولايات المتحدة وفي الوقت نفسه منعها من ان تصبح قوة عظمى والمشكلة الاساسية بالنسبة للولايات المتحدة هو صعود الصين, وسياسة امريكا واقعية للغاية فهي تحافظ على علاقة طيبة مع الصين على الصعيد الاقتصادي, وفي الوقت نفسه تسعى الى خلق قوى ضاغطة حول الصين من اجل ايجاد التوازن كما الحال في اليابان والدول الاسيوية الاخرى. اجرى الحوار في باريس: شاكر نوري