القصر الجمهوري مقر أهل الحكم في السودان يتوسط العاصمة الخرطوم, في موقع اختير بعناية تداخلت فيه الروايات التاريخية. ويقال إن الحكمدار محو بك هو من وضع اساس المبنى الذي كان يسمى في فترة الحكم التركي بسرايا الحكمدار وفي الحكم الانجليزي المصري بسرايا الحاكم العام. وان زوجته هي التي اختارت الموقع لأنها كانت شديدة الغيرة فأرادت ان يكون موقع القصر الذي تقطنه وسطا وعاليا حتى تتمكن من مراقبة تحركات زوجها في أي مكان داخل العاصمة. لكن الأيام لم تمهل محو بك وزوجته فماتا قبل ان يكتمل البناء. وكانت المرحلة الثانية من بناء القصر في عهد خورشيد باشا الذي تولى الحكم في الفترة من 1826 حتى ,1871 واستخدم خورشيد الطين في البناء. لكن البناء الحالي تم في عهد عبداللطيف باشا. واستخدم فيه الطوب الاحمر الذي استجلب من بقايا قصور مملكة سوبا. وجوانب القصر من الحجر الابيض الذي تم استجلابه من مدينة أم درمان. استغرقت عملية البناء عامين من 1850 حتى ,1852 اجبر خلالها ابناء السودان على العمل سخرة. وتم البناء على طراز الكنائس الكاثوليكية في القرن السابع عشر. احتفظ المبنى باسم سرايا الحاكم العام حتى الاستقلال عام ,1956 حيث اصبح اسمه القصر الجمهوري. وخلال انقلاب الرائد هاشم العطا الذي استمر ليومين فقط اطلق على المبنى اسم قصر الشعب لكن المبنى استعاد اسمه عقب الانتفاضة في ابريل 1985. الأتراك بدأت الحياة تدب في العاصمة الخرطوم عقب ان نقل الاتراك مركز ادارة الدولة من سنار الى الخرطوم وقبلها كان المركز ودمدني, وشيد عثمان بك جركس ثاني ولاة الاتراك في السودان ثكنات للجيش وقد نما هذا الاهتمام حتى اختيرت الخرطوم كعاصمة للدولة على يد خورشيد باشا في عام 1834 وزادت بالطبع المباني الحكومية وتوسعت, واحتل القطاع الحكومي الشريط المحازي للنيل الازرق ولا يزال كذلك وامتداده من وزارة التربية والتعليم وحتى ملتقى النيل الازرق بالابيض غربا, والقصر الجمهوري يتوسط الشريط آنف الذكر إن لم يكن يميل الى الغرب قليلا. ويحد القصر من الجهة الغربية مبنى المديرية التي اصبحت حاليا وزارة المالية وغالبا ما يتم الخلط بينها وبين القصر الجمهوري من ناحية التاريخ لأنها كانت في وقت سابق لبناء القصر مقر ادارة الحكم حيث يطلق عليها اسم (الحكمدارية) بينما ظل القصر مكان سكن الحاكم وظل مكتبه في مبنى المالية الحالي لفترة طويلة لذلك انصرف لفظ الحكمدارية الى مبنى المديرية الى ان انتقل الحكمدار بمكتبه الى مباني القصر الحالية. مكتب رئيس الدولة ظل هذا المكتب ثابتا منذ عهد الحكمدار السير ستاك وحتى هذه اللحظة حيث تعاقب عليه الرؤساء من اسماعيل الازهري حتى الرئيس الحالي عمر البشير. وتحمل الغرفة التي تضم المكتب رقم (13) وفيها اول جهاز تكييف هواء عرفه السودان. داخل القصر دخلنا القصر عبر بوابته الغربية فاستقبلتنا حدائقه الواسعة ومنها انتقلنا ببصرنا لنرى بناء غاية في الروعة والجمال. تتشكل الواجهة المطلة على الحدائق المطلة على حدائق القصر من فرندة طويلة يقطعها سلمان في شكل دائري يصلان الطابق الأرضي بالأول حيث مكتب الرئيس. يتشكل القصر من ثلاثة اجنحة والحديقة وصحن ويتوسطه نافورة مياه بيضاوية الشكل. ويرون ان الحاكم العام الانجليزي كتشنر الذي نفذها تلقى امرا بنقله الى جنوب افريقيا وهو يشرف على بنائها الا انه اجل تنفيذ النقل حتى اكملها. يمتد بناء القصر من الشرق الى الغرب يجاوره جناحان آخران ممتدان من الشمال الى الجنوب وجعلت له واجهتان الأولى تطل على نهر النيل من الناحية الجنوبية والأخرى تطل على الحدائق الداخلية وخصص المدخل الشمالي المطل على نهر النيل للرؤساء فقط. وتقبع في الجزء الجنوبي الشرقي منه الكاتدرائية الانجليزية التي حولت الآن الى متحف وظل القصر محافظا على شكله منذ القدم ولم تضف اليه اية بنايات جديدة تغير ملمحه الاساسي. ويوجد بالقصر الجمهوري مصعد كهربائي واحد شيد خصيصا للملك فيصل بن عبدالعزيز ملك المملكة العربية السعودية ابان زيارته للسودان لكنه لم يكتمل الى ان غادر لبلاده, وشهد القصر العديد من الاحداث العنيفة اولها مقتل غردون الذي اصبح الآن موقعه واحداً من المزارات المهمة في القصر وتحدد الموقع علامة نحاسية ولوحة كتب عليها النشيد الوطني وهو في الجزء الغربي من المبنى الرئيس ومن ثم احداث انقلاب هاشم العطا في 19 يوليو ,1971 واعتقال الرئيس السابق جعفر نميري داخله في المكاتب الشرقية من المبنى الرئيسي ومعه عدد من الوزراء هم ابوالقاسم محمد ابراهيم وفاروق ابوعيسى وزين العابدين محمد احمد ومأمون عوض ابوزيد. وعقب عودة الرئيس نميري الى الحكم في 22 يوليو فتحت احدى الدبابات نيرانها على المبنى فهدمت جزءا كبيرا منه. الى جانب ذلك شهد القصر الاحتفال بإعلان استقلال السودان في العام 1956 وأنزل من على ساريته العلمان الانجليزي والمصري ورفع العلم السوداني. متحف لأهم المقتنيات في القصر مجموعة من المقتنيات والأسلحة التي تعد الآن من الاثريات وقررت الحكومة الحالية تحويل مبنى الكنيسة المتواجد في الركن الجنوبي الشرقي من القصر الجمهوري الى متحف. وقد شيدت هذه الكنيسة وظلت تؤدى فيها الصلوات من قبل الحاكم العام وكبار رجال الدولة. ويقال ان اليزابيث ملكة بريطانيا قد حلت فيها ابان زيارتها للسودان. وشيدت الكاتدرائية الانجليزية في العام 1912 واكملت بقية اجزائها في العام 1931 وكان موقعها من قبل داخل المبنى الرئيسي للقصر. واشتملت برامج الكنيسة على المراسم الدينية الخاصة بالحاكم العام وفي العام 1975 تحولت الكنيسة الى مكان آخر بالخرطوم وبدىء التفكير في تحويل مبانيها الى متحف وهو الآن قد تم افتتاحه ويشتمل على بيانو من عهد ونجت باشا وهو أول بيانو يدخل السودان وكذلك عربة رئيس أول مجلس سيادة عقب الاستقلال وهي ما زالت تعمل. ويحتوي المتحف كذلك على العديد من المقتنيات والاواني واللوحات والاوسمة التي ترمز الى تلك الحقب التاريخية ويتضمن المتحف عدداً من الاجنحة التي تغطي فترات الحكم المختلفة ومجموعة من الهدايا والانواط اهمها حجارة صغيرة احضرت من القمر بواسطة المركزية الفضائية (أبولو) هدية من الرئيس الامريكي الاسبق ريتشارد نيكسون ومجموعات من اللوحات والاثاث كان يستخدمها الحكام الانجليز ومن بعدهم الحكام الوطنيون. الناس والقصر استطلعنا العديد من المواطنين الذين وجدناهم بالقرب من القصر الجمهوري ان كانوا قد رأوه من الداخل, وماذا يرمز لهم هذا البناء الضخم؟ عدد كبير منهم لم ير القصر. حسن آدم الطاهر سائق تاكسي, قال انه ظل يعمل بالقرب من القصر الجمهوري يأتي صباحا ليوقف عربته لينتظر الزبائن الذين لهم حوائج بوزارة المالية أو وزارة المواصلات أو مصلحة البريد وهو مداوم على ذلك منذ سنين لم يحددها ولكنه حتى هذه اللحظة لم تتح له فرصة رؤية القصر من الداخل لهذا يحس احيانا ان السياسيين ينسون الناس عندما يعملون بالرئاسة, ويعتقد ان القصر به غرفة مضرجة بالدماء منذ مقتل غردون. وأردف: لا أحب هذا المبنى فهو رغم انه يرمز للوطن لكن سرعان ما تعطي صورته عندي بعض الاحداث الدامية: مقتل غردون, انقلاب هاشم العطا وهو أيضا ارتبط في العصر الحديث بالحكومات العسكرية والدكتاتورية وغيرها. آخر قال ان هذا المبنى يجب ان يتم تحويله لمتحف لأنه اصبح ثروة تاريخية, يجب ان تفتح ابوابه للشعب ليرى المكان الذي شهد اعظم انتصار لثورة شعبية, هي الثورة المهدية.