لم يمض وقت طويل حتى انهارت مبادرة السلام الجديدة حول المنطقة المتنازع عليها من كشمير. ولكنها مع ذلك ربما تكون قد أتت ببعض الفائدة. وهذه المبادرة تعتبر ثاني مبادرة سلام فاشلة بالنسبة للهند وباكستان في غضون ثمانية عشر شهرا. ففي فبراير من عام 1999 زار رئيس الوزراء الهندي أتال بيهاري فاجبايي نظيره الباكستاني واتفقا على حل النزاعات بين البلدين بالوسائل السلمية. لكن تلك المحاولة انهارت بعد بضعة أشهر عندما اكتشفت الهند قيام قوات باكستانية باحتلال مواقع في الجانب الخاص بها من خط المراقبة. وهذا الخط يفصل بين المناطق الهندية والباكستانية من ولاية جامو وكشمير, التي تعتبر مصدر التوتر الرئيسي بين البلدين. أما المبادرة الثانية, فقد استلزمت, على الأقل في البداية, تفاوض الهند بشكل مباشر مع الكشميريين الهنود, الذين يريد معظمهم الاستقلال أو الاتحاد مع باكستان. وقد بدأت هذه المحادثات في الرابع والعشرين من يوليو الماضي عندما أعلن حزب المجاهدين, وهو إحدى الجماعات الرئيسية التي تقاوم الحكم الهندي في كشمير, عن وقف لاطلاق النار من جانب واحد واقترح اجراء محادثات مع الحكومة الهندية. وكانت تلك أول هدنة هامة خلال حركة التمرد المستمرة منذ عقد من الزمان والتي لقي فيها حوالي 30 ألف شخص مصرعهم. وهي الهدنة التي لم تنجح في وقف المذبحة التي وقعت مؤخرا, وراح ضحيتها أكثر من 100 هندي على يد ما يفترض انهم معارضون لعملية السلام التي لا تزال في مهدها. ومن الواضح ان الهدنة قد انتهت في الثامن من أغسطس الجاري بعد أن أطلق حزب المجاهدين انذارا متأخرا تجاهلته الهند مفاده: اقبلوا باكستان كطرف مباشر في المحادثات أو انسوا أمر وقف اطلاق النار. وصرح زعيم الجماعة, سيد صلاح الدين, من العاصمة الباكستانية اسلام أباد, قائلا ان (الهند تلكأت في منح السلام فرصة) . وعلى الفور, استأنف الحزب عملياته زاعما انه نجح في قتل 12 جنديا هنديا في معسكر للجيش يقع إلى الجنوب من سرينجار, العاصمة الصيفية لكشمير. وقالت مصادر في الشرطة انه لم تقع أية اصابات. وكان انفجار قنبلة في سرينجار قد أدى إلى مقتل تسعة أشخاص وجرح 25 آخرين في العاشر من أغسطس. ومن ناحية أولية, لم تعلن أي جماعة مسئوليتها عن الانفجار. ومن المرجح أن يتم القاء اللوم على جانب الحدود الخاضع لسيطرة صلاح الدين. وكانت الهند قد ردت بابتهاج عادي على قرار وقف اطلاق النار. واجتمع مسئولوها بالمقاتلين الكشميريين في سرينجار للتحدث عن القواعد الأساسية لوقف اطلاق النار. وأوضح فاجبايي بأنه لا يتوقع أن يتعهد الانفصاليون بالولاء للهند (مع انه أصر على ان الهند لن تنتهك دستورها). ولو ان المحادثات جلبت الهدوء, لما كان بمقدور الهند أن تتملص من الحديث مع باكستان بشكل مباشر. إن المطلب الذي يقضي باجراء محادثات فورية ثلاثية الأطراف لن يتم تلبيته على الاطلاق. فهو يحمل مظهر الخدعة الهادفة للحنث بالوعود. وتعتقد الهند ان المسئول هو باكستان. فهي تعتبر على نطاق واسع المحرضة أو المساندة على الأقل لوقف اطلاق النار, ربما كوسيلة لكسب الثقة السياسية من أمريكا ودول أخرى تخوفت من النظام العسكري في باكستان ودعمه للعنف في كشمير. ومن وجهة النظر الباكستانية, لا تعتبر أية عملية سلام تستبعد باكستان شرعية. وهكذا, كان محكوما بالفشل على المحاولة الهندية لعقد اتفاق منفصل مع جماعة مسلحة واحدة من بين جماعات عديدة. ويقول خالد محمود من معهد الدراسات الاقليمية في اسلام اباد ان (الهند ظنت ان بمقدورها احداث شرخ في معسكر المقاتلين. وكانوا مخطئين في ذلك) . غير ان الهدنة المجهضة يبدو انها عمقت تصميم الهند على معاملة نزاعها مع باكستان وخلافها مع الكشميريين كقضيتين منفصلتين. وفي أعقاب عمليات القتل الأخيرة التي وقع فيها بعض الضحايا على يد الجنود الهنود وانهيار المحادثات المقترحة, فإن الهند ستكون مترددة بشكل مضاعف على الموافقة على انعقاد اجتماع بين فاجبايي وبرويز مشرف, الحاكم العسكري لباكستان, في اجتماع الشهر المقبل للجمعية العامة للأمم المتحدة. فهي ترفض الحديث مع باكستان حتى يخمد العنف في كشمير وتهدأ معه الدعاية المضادة للهند. وفي الوقت نفسه, تتلهف الهند لايجاد شركاء كشميريين يحلون محل حزب المجاهدين المحافظ. وعبرت الهند عن أملها بأن يواصل أعضاء الجماعة الموجودين في كشمير الالتزام بوقف اطلاق النار الذي تبرأت منه قيادتهم في باكستان. ويوحي هجوم الجماعة على أي منشأة عسكرية ان الأمر عبثي. لكن البحث عن معتدلين سيستمر. وكان وزير الداخلية الهندي ال. كي أدفاني قد خاطب البرلمان قائلا ان (الهند لن تحيد عن مسار المحادثات الذي اختارته مع جميع أولئك الموجودين في كشمير ممن يتجنبون طريق الارهاب والعنف) . وإذا ما قرنت الهند هذا المبدأ بادارة أفضل وبمنح مزيد من الديمقراطية في ولاية تشهد انتهاكا للديمقراطية وحقوق الإنسان بشكل منتظم, فإن مبادرة السلام التي لم تعمر طويلا تكون قد حققت بعض النتائج الطيبة. ولكنها أظهرت أيضا ان مبادرات السلام من المستبعد أن تمضي بعيدا بدون تعاون من باكستان. وما لم تقم الهند باعادة التفكير في موقفها القائل بأن حصتها من كشمير ستظل جزءا لا يتجزأ من أراضيها (وهو أمر غير محتمل), فإن باكستان سيكون لديها دافع ضئيل للتعاون. وهكذا فإن العالم سيظل يجد سببا للارتجاف خوفا من وقوع مواجهة بين أحدث قوتين نوويتين فيه. ووفقا لتقرير نشر في صحيفة (نيويورك تايمز) , مؤخرا, فإن تقديرا سريا من جانب وكالات مخابرات أمريكية وضع فرصة نشوب حرب تقليدية بين الهند وباكستان عند 50% بعد المغامرة الباكستانية في كشمير الهندية العام الماضي. ولا شك بأن الخطر قد تضاءل منذ ذلك الحين, وذلك في جانب منه بفضل الدبلوماسية السرية والعلنية لأمريكا ودول أخرى. إن وقف اطلاق النار القصير يعني ان الوضع لا يزال قائما بألا تبقى الحرب تقليدية وأن تتحول إلى نووية. عن ايكونوميست ، ترجمة: ضرار عمير