إذا كان القرن الماضي قد طغت عليه الحروب الباردة, فان الصراع ضد الجريمة المنظمة العابرة للحدود القومية سيكون الموضوع الرئيسي المحدد للقرن الحالي. يقدّر اجمالي مردود الاقتصاد الاجرامي العالمي بحوالي تريليون دولار سنوياً تستحوذ مبيعات المخدرات على نصفها تقريباً. وهناك حولي 4% من سكان العالم يتعاطون مخدرات غير مشروعة من المذيبان المستنشقة الى بذور نبات الفوفل. ويتم سنوياً غسيل ما يصل الى نصف تريليون دولار عبر الانظمة المالية العالمية. وتقدّر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ان عملية غسيل الأموال هذه قد كلفت الدول الاعضاء اكثر من 120 مليار دولار في السنة نصيب الولايات المتحدة منها 70 مليار دولار. تتطور الجريمة العالمية المنظمة بشمولها اسواقاً جديدة وتقنيات جديدة وبانتقالها من التسلسل الهرمي التقليدي الى اشكال من التنظيم اكثر مرونة تستند الى شبكات تنظيمية والى حدما, فان العالم الشرعي يعتبر ضحية لنجاحه, فقد أدت عولمة الاقتصاد المشروع الى عولمة العالم السفلي والازدهار غذّى الطلب على العديد من الخدمات غير المشروعة, كما أن تحسين الاداء الشرطي اجبر المجرمين على أن يصبحوا اكثر تنظيماً من أجل البقاء. وقد عملت الراحلة كلير ستيرلنج على اضفاء الطابع الشعبي على الفكرة القائلة بوجود (سلام المافيا) وهي الفكرة التي تتلخص في أن منظمات الجريمة المنظمة الدولية تعمل معاً بكفاءة وانسجام تامين وتقسّم العالم فيما بينها. وهناك أدلة وافرة على وجود هذا التعاون, فالمنظمات الايطالية تبيع مخدرات أمريكا اللاتينية في اوروبا والروس يشترون السيارات المسروقة من عصابات ياكوزا والألبان ينقلون الهيرويين الآسيوي الى عصابات المخدرات التركية. غير أنه سيكون من الخطر المبالغة بشأن هذا التعاون فالعديد من هذه الترتيبات هشة للغاية ولا تتعدى كونها تعاملات تجارية مربحة بشكل متبادل أو تحالفات مؤقتة تعود بالفائدة. واذا كان هناك شيء من هذا القبيل, فان هناك مجال لصراعات مستقبلية داخل العالم السفلي العالمي بعد أن اصبحت الاسواق في حالة من الاشباع وبعد أن استنفدت جميع الفرص لمزيد من التوسع السلمي. ومن نواح عديدة, فان عمليات رسم خط تقليدي فاصل بين الأمن القومي وجهات فرض النظام والقانون اصبحت غير واضحة على نحو متزايد. ويمكن للجريمة الخطرة والمنظمة ان تؤثر بشكل مباشر على موارد الأمن القومي, سواء كانت تقوّض ميزانيات الدولة بما تتضمنه من انفاق دفاعي او تهدد المعنويات والنظام العام. كانت مخاوف بكين بشأن تورط نخبها العسكرية في عالم الجريمة أحد الاسباب الرئيسية وراء جهودها لوقف تدخلها في النشاطات التجارية. وفي روسيا, كان لاختراق الجريمة المنظمة تأثير مباشر مع قيام القوات الخاصة بالعمل كقتلة مأجورين الى جانب عملهم الرسمي وفي ظل بيع الاسلحة حتى للمتمردين الشيشانيين, وبهذا الخصوص, فان هناك تأثير مباشر. فالجماعات الاجرامية المنظمة العابرة للحدود القومية تعمل كوكلاء للاضطرابات وانعدام الامن. فتهريب الاسلحة من مخازن الجيش السوفييتي السابق, وهي تجارة يجري تسهيلها وادارتها في الغالب من قبل عناصر الجريمة المنظمة, اشعل سباق التسلح في البلقان ووضع اسلحة متطورة في ايدي كل حزب وعصابة وميليشيا في البلقان. الجريمة المنظمة عادة ماتكون قوية بما فيه الكفاية لتشكل (دولها الخاصة داخل الدول) . ومن حقول الخشخاش في وادي فيرجانا في اوزبكستان ومناطق زعماء الحروب في ميانمار (بورما سابقا) الى ما يسمى بجيب (فاركلانديا) في كولومبيا ومنطقة الريف الخاصة بزراعة القنب في المغرب, تعمل الجريمة المنظمة على تقويض وحدة وسلامة اراضي الدولة المضيفة وحدودها الوطنية. والجريمة تستخدم منذ زمن بعيد كتكتيك لتمويل التمرد السياسي. غير أن العديد من التنظيمات مثل بقايا تنظيم سندير ولومينوسو البيروفي وعناصر في القوات شبه العسكرية في ايرلندا الشمالية, قد فقدت منطقها السياسي واصبحت لاشيء اكثر من مجرد تجمعات للجريمة المنظمة مع الاحتفاظ بنهج معين في الخطابة الحافلة بالمفارقة التاريخية. ومع تطوّر بعض الإرهابيين الى مجرمين, اصبحت جماعات الجريمة المنظمة نشطة سياسيًا بحيث اخذت تمارس الضغط على الحكومات الشرعية او ترشوها او تفسدها. وفي صربيا, تشير عمليات القتل الأخيرة المرتبطة بالجريمة مثل قتل زعيم الحرب الصربي اركان رازناتوفيتش الى وجود درجة من الارتباط بعالم الجريمة داخل النظام, وهي ظاهرة متفشية تماما في امريكا اللاتينية وافريقيا وآسيا. غير أنه سيكون من الغباء التظاهر بأن هذا الامر لايمثل مشكلة في اوروبا وامريكا الشمالية, فالظاهرة هنا تميل ببساطة الى تبني اساليب تمويه خادعة. إن من الاهمية بمكان دراسة التغيرات الحاصلة في الاطار الاوسع الذي تعمل فيه الجريمة. فالتطورات السياسية تعمل على تحديد العالم السفلي العالمي الجديد. وكان انهيار الاتحاد السوفييتي حدثاً زلزالياً اطلق شكلاً جديداً من الجريمة المنظمة ينتشر بسرعة في العالم. غير أن عودة هونج كونج وماكاو للهيمنة الصينية والحرب في البلقان والعديد من الاضطرابات الجيوسياسية كان لها آثار ضمنية خطيرة على العالم السفلي العالمي. فحرب البلقان, على سبيل المثال, جعلت من الصعب اعتراض طرق تهريب الهيرويين الى اوروبا الآتية من الجهة الجنوبية الغربية كما ان انتشار المهاجرين واللاجئين في الاتحاد الاوروبي قد أوجد شبكات اجرامية جديدة خاصة شبكات الالبان التي تقوم الآن بالجانب الاكبر من عمليات البيع بالجملة للهيرويين الى العصابات التركية. وتتيح عمليات سياسية اخرى فتح اسواق جديدة وملاذات للجريمة المنظمة. فمعاهدات شنجن (التي فتحت الحدود داخل الاتحاد الاوروبي) والتوسع المستقبلي للاتحاد الاوروبي باتجاه الشرق لها مضامين إجرامية, حيث تجعل الحركة الاجرامية الدولية داخل المنطقة ناجحة على نحو متزايد. وتخاطر معظم الدول بأن تصبح معتمدة على هذه التجارة. فبحلول عام 1999, على سبيل المثال, بلغت ارباح صناعة المخدرات المكسيكية ما يقدر بحوالي 30 مليار دولار وهو ما يعادل أربعة اضعاف عائدات الدولة من أكبر سلعة تصديرية مشروعة لها وهي النفط. والعملية الأخرى قيد التشكل هي تلاشي الحدود الفاصلة بين الجريمة والتجسس وادارة الدول. وهذا ليس بالأمر غير المسبوق, فقد كان المجرمون على الدوام أدوات نافعة لوكالات التجسس لكن التورط مع الجريمة لم يعد مجرد وسيلة قصيرة الاجل وانما اصبح سياسة اساسية. وتعتبر كوريا الشعبية على سبيل المثال, مصدراً مهماً على نحو متزايد للمخدرات الى درجة أن هذا يعكس نشاطات ضباط الجيش والاجهزة الامنية اليائسين والفاسدين. غير ان تحوّل النخب في كوريا الشمالية الى الجريمة يبدو أنه اخذ يتحول الى تحوّل الى الجريمة في سياسة الدولة. فتجارة المخدرات تلقى الدعم والتأييد باعتبارها وسيلة لجلب عوائد جديدة الى دولة معدومة ولتطوير طرق وعلاقات جديدة لجمع المعلومات الاستخباراتية. وتضع التغيرات الاقتصادية والتقنية ادوات جديدة تحت تصرف المجرمين بما في ذلك النشاطات المصرفية عبر الانترنت والامن والمرونة التي يتمتع بها الهاتف الخلوي الرقمي. كما أنها تضع قوة غير مسبوقة في ايدي عدد صغير من الناس, ففي حين تعتبر الجريمة العابرة للحدود القومية منظمة, فان عمليات التخريب الحاسوبية اللصوصية يمكن أن تكون عمليات فردية. ففي عام 1994, تمت سرقة 3.7 ملايين دولار من مصرف سيتي بنك من قبل فلاديمير ليفين, وهو لص حاسب روسي يعمل مع حفنة صغيرة فقط من شركائه, وادى تطور التقنية والقوانين المرتبطة بها الى استحداث جرائم جديدة مثل التجارة العالمية المزدهرة في غازات (كلوروفلورو كربون) والمخلفات السامة. وحتى ان التغيرات الفيزيائية والبييئة قد يكون لها أثرها على العالم السفلي فتسخن الكرة الارضية, على سبيل المثال, يمكن أن يلعب دوره في تغيير جغرافية انتاج المخدرات وهو بالفعل يتيح حاليا انتاج الأفيون والماريجوانا في مناطق جديدة جنوبي روسيا. منذ عام 1986, اعتبرت الحكومة الامريكية, رسميا تهريب المخدرات تهديداً للامن القومي ورغم نجاحاتها المحدودة, اعتبرت موسكو ايضا الجريمة كتحد لها في سياساتها الامنية المتعاقبة, وبالتالي, فان وكالات الاستخبارات لايتم نشرها ضد الجريمة المنظمة والعابرة للحدود القومية فحسب, وانما تقوم ايضا بتطوير أخصائييها في هذا المجال. والتوجه العالمي المشجع يتمثل في تزايد الوعي بالجريمة كقضية من قضايا الامن القومي, ولكن لايزال هناك حاجة لبذل مزيد من الجهد في هذا الاتجاه. ويتعين خفض الحواجز القائمة بين هيئات تطبيق القانون والمخابرات والدفاع, ويمكن ان تساعد الصحف والمجلات المتنوعة في هذه العملية الحيوية. عن (جينس ديفنس ويكلي ، ترجمة: ضرار عمير