اعلن الامين العام للامم المتحدة يوم الاربعاء الماضي تعليق جميع رحلات الاغاثة الجوية لبرنامج شريان الحياة في جنوب السودان بصفة مؤقتة حتى يتم تقييم الوضع الامني في المنطقة, وذلك بسبب سقوط ثماني عشرة قذيفة في محيط احدى القواعد التابعة لمرافق الامم المتحدة في منطقة مابال (60 كيلومترا جنوب شرق واو) حين كانت احدى طائراتها تهم بالاقلاع من مدرج مابال. وابدى الامين العام ووكالات الاغاثة عن قلقهم الشديد من جراء ما قد ينجم عن قرار التعليق بالنسبة للسكان الذين يعتمدون على العون والاغاثة, ودعا الامين العام الحكومة وحركة التمرد الى انفاذ الاجراءات المتفق عليها لضمان سلامة العاملين في المجال الانساني والمدنيين المستفيدين من الاغاثة, كما دعا الطرفين لتجديد وقف اطلاق النار الذي انقضى اجله في منتصف يوليو الماضي. والتقطت امريكا القفاز سريعا فادانت وزارة الخارجية الامريكية في ذات اليوم الذي صدر فيه قرار الامين العام بتعليق رحلات الاغاثة استئناف الغارات الجوية على مواقع مدنية في جنوب السودان ودعت الخرطوم الى وقف تلك الغارات, واعلنت المديرة التنفيذية لبرنامج الغذاء العالمي في روما ـ الذراع الرئيسية لبرنامج شريان الحياة ـ اجلاء موظفيها من منطقة ماردين لان احدى الطائرات التابعة للبرنامج تعرضت لاطلاق النار عليها وهي تحلق على ارتفاع منخفض مما ادى الى سقوطها دون حدوث اصابات, وربما تفكر واشنطن في تجديد دعوتها القديمة بانشاء ممرات آمنة لايصال الاغاثة للمتضررين في جنوب السودان, ولم تتباطأ منظمات الاغاثة العالمية في اصدار بيان مشترك يهاجم حكومة السودان بسبب تعويقها توزيع الاغاثة للمدنيين المتضررين من الحرب في جنوب السودان. كل هذا الزخم من ردود الفعل العالمية تصدر متسارعة ومتناسقة في ظرف ثلاثة ايام دون ان يكون هناك فرد واحد قتل او جرح او اختطف. ولا يسألن احد لماذا تقصف امريكا اهدافا مدنية في العراق دون اذن من مجلس الامن على دائر ايام السنة ولا يحاسبها على ذلك احد, وتقصف مصنعا للدواء في قلب الخرطوم دون ان تقبل لجنة علمية تحقق في دعواها الكاذبة. هذا الوضع هو حصيلة النظام العالمي الجديد ذي القطبية الواحدة تحكمه القوة الغاشمة التي تسيرها الاعتبارات السياسية المحلية والمصالح القومية. وجاء رد الحكومة على تعليق الامين العام لعمليات الاغاثة مفاجئا الى حد ما, فقد اصدرت وزارة التخطيط الاجتماعي بيانا يذوب رقة وتضرعا عبرت فيه عن مشاركتها الامين العام (كل الشعور بالقلق وعدم الاطمئنان للحالة التي تسير اليها عملية شريان الحياة) , والفهلوة اللفظية لا تغني عن الاختلاف في اسباب القلق, فقلق الامين العام سببه خروقات الحكومة لتأمين الاغاثة وقلق الحكومة سببه خروقات حركة التمرد لوقف اطلاق النار! وقال البيان ان الحكومة فوجئت بقرار الامين العام مع ان هذا كان ديدن الامم المتحدة في كل مرة تتهدد فيها سلامة العاملين في مجال الاغاثة, واكد البيان ان الحكومة ملتزمة بتوصيل الاغاثة لمواطنيها في مناطق سيطرة الحكومة والمناطق التي تحت سيطرة التمرد خاصة في اقليم بحر الغزال, وناشد البيان الامين العام للامم المتحدة الاسراع في الخطوات التي من شأنها اعادة عملية شريان الحياة للعمل وفق المبادىء التي أسس عليها وان تمارس الامم المتحدة والمجتمع الدولي ضغطا كافيا على حركة التمرد حتى تلتزم بوقف اطلاق النار الشامل. الامر المفاجىء في رد الحكومة انه جاء على نقيض اعلان رئيس الجمهورية بقفل الاجواء السودانية امام طائرات الاغاثة وان الحكومة بصدد مراجعة شاملة لبرنامج شريان الحياة. ولقد ادركت الحكومة سريعا انها لن تستطيع ان توقف برنامج الاغاثة لجنوب السودان ولو حاولت ذلك لفتحت على نفسها بابا من الاجراءات والعقوبات الدولية لا لحد لها, فان امريكا وحدها تدفع حوالي 700 مليون دولار سنويا لبرنامج شريان الحياة التي تقوم بتنفيذه الامم المتحدة منذ ابريل 1989 وهي لا تفعل ذلك عبثا انما تفعله لاغراض سياسية واضحة وهي مساندة حركة التمرد حتى لا يضطرها الجوع للتنازل في تفاوضها مع الحكومة, وحتى لا يدفع الجوع المواطنين الى النزوح من المناطق التي تسيطر عليها حركة التمرد فتفقد الحركة المعين الذي تجند منه الشباب. وقد تتحمس بعض المنظمات المخترقة لتتجاوز العون الانساني الى عون عسكري ولوجستي يعين الحركة في عملياتها ضد الحكومة. وقد سبق للحكومة ان اشتكت من تجاوزات كثيرة للمنظمات الاغاثية العاملة مع الامم المتحدة رصدت بدقة واستمرت من مارس 93 والى يونيو 2000 تمثلت في: نقل صحفيين وسفراء عبر الحدود دون اذن, واقلاع طائرات من مواقع اوغندية غير مصدق بها وضعف الاغاثة المرسلة الى مناطق الحكومة, وهبوط طائرات دون تنسيق, ونقل عربات الى بعض مناطق التمرد دون موافقة الحكومة, وتحليق طائرات بارتفاع منخفض فوق مواقع عسكرية حكومية وتصوير هذه المواقع, ونقل قادة عسكريين لحركة التمرد في طائرات الامم المتحدة وغير ذلك من التجاوزات التي لم تؤد الى محاسبة هذه المنظمات او وقفها عن العمل. ولم تثر الحكومة هذه التجاوزات بصورة جادة الا بعد استئناف الحركة الشعبية لعملياتها العسكرية في منطقة بحر الغزال الكبرى واستيلائها على بعض المواقع العسكرية, وستسفر هذه الاثارة على انها (فرفرة) مهزوم ولا صلة لها بنشاط منظمات الاغاثة العاملة مع الامم المتحدة. ان الرد المنطقي والفاعل على خروقات حركة التمرد لا يكمن في وقف عمليات الاغاثة ولكن في تطوير وتجويد الاداء العسكري والاستعداد الدائم لها لاية مفاجآت من مناطق العمليات المحتملة, في ذات الوقت التمسك التام بكل القواعد المتفق عليها في توزيع الاغاثة مثل وجود مراقبين من قبل الحكومة في مواقع اقلاع الطائرات من كينيا (لوكيشيكو), وتنشيط الاقلاع من مطارات الداخل في ملكال والابيض والفاشر وغيرها وحل كافة العقبات التي تعترض استعمال هذه المطارات, وتأمين النقل عن طريق السكة الحديد والطرق البرية. ولا بأس على الحكومة ان تقود حملة عالمية ودبلوماسية واسعة للدعوة لوقف اطلاق النار في كافة المناطق ولكن ان تفعل ذلك من موقف عسكري قوي لا من موقف ضعيف, فالاقرب ان يستجاب لها في تلك الحالة. والحد الادنى المطلوب من الحكومة هو ان تدرس قراراتها جيدا وتجرى التشاور حولها مع جهات الاختصاص قبل ان تعلنها على الملأ ثم تضطر بعد ذلك الى بلعها او اعادة (توضيحها) ! بقلم: د. الطيب زين العابدين