اذا كنت تريد القاء نظرة على عملية عسكرية منافية للعقل والمنطق في تاريخ الامم المتحدة الحديث, فعليك ان تسافر بالسيارة لمسافة ثلاثة اميال عبر حقل للالغام على طول سياج الحدود الاسرائيلية القديم ثم تتوجه نحو طريق حدودية شقتها اسرائىل تقود الى تقاطع طرق اسرائيلي ثم تتجه الى اليسار. امامك مباشرة, ستجد دبابتين اسرائيليتين من طراز (مجاش) وهما نسختان معدلتان من الدبابة الامريكية إم ـ 60 ولكن صيانتهما رديئة, وعربة مدرعة تابعة للأمم المتحدة وقائدها واقف بجوارها. يعتقد هذا القائد انه يقف على (الخط الازرق) وهو خط الحدود الاصلي بين فلسطين ولبنان. ويعتقد الجندي الاسرائىلي الذي يقف على بعد ثلاثة امتار انه يقف على خط الحدود الاسرائىلي. انني اتساءل عن طبيعة هذا المنطق وصحته. ان نشر اكثر من 700 جندي تابع للأمم المتحدة على الحدود اللبنانية ـ الاسرائيلية قد حول قوات حفظ السلام الى قوة حدودية تقف وجها لوجه مع الاسرائيليين. وفي المركز الحدودي رقم 18 قام الاسرائيليون بتفكيك الدشمة الرملية القديمة لدى وصول فصيل الامم المتحدة الايرلندي, وعلى الفور قام الايرلنديون باحضار جرافة لبناء دشمة اخرى مماثلة في البقعة نفسها تماما. وبمقدور قائد الفصيل الايرلندي, اذا ما اراد ان يتحدث مع الضابط تال, نظيره في الجيش الاسرائيلي عبر الهاتف. والواقع ان تال يجلس على بعد 20 قدما عن الايرلندي. والامر الاكثر مدعاة لعدم التصديق هو ان موقع مراكز الامم المتحدة الثمانية على الخط الازرق, وهو نسخة الامم المتحدة من الحدود, يبدو انها تقررت من قبل ضباط كبار في الجيش اللبناني بدلا من قيادة الامم المتحدة. ومن ناحية عملية لا تستطيع قوات الامم المتحدة ان تثبت ان الاسرائيليين قد انهوا انتهاكاتهم للحدود الا من خلال تلقي الاوامر من اللبنانيين واقناع الحكومة في بيروت بالسماح بانتشار قوات الامم المتحدة. لقد دخلت بعض الوحدات الفيجية والفنلندية والغانية المنطقة التي انسحب منها الاسرائيليون في مايو الماضي ولكنها ليست لديها نقاط تفتيش ويبدو انها تحتفظ لنفسها فقط بموقع المراقب. وهذا على الاقل هو ما يردده تلفزيون المنار, وهو محطة تلفزيونية تابعة لحزب الله, امام مشاهديه. وبالتأكيد, فإن الاسرائيليين كانوا قد التهموا مساحة شاسعة من الاراضي اللبنانية خلال فترة احتلالهم لجنوب لبنان التي استمرت 22 عاما. وفي يارون, من الواضح انهم ظنوا ان الامم المتحدة واللبنانيين لن يلاحظوا انهم حركوا السلك والطريق الحدوديين 150 مترا الى داخل لبنان. وعندما وصلت الى هناك كان المهندسون الاسرائيليون يعملون على بناء خط حدود اسرائيلي (جديد) بالكامل في الجهة الجنوبية من احدى التلال, ومن الواضح ان الاسرائيليين غير المستعدين لوصول الامم المتحدة وخرائطها التي تعود لعام وقد اعتقدوا انهم سينجون بفعلتهم. لكن السخرية تنطبق على الجانبين في جنوب لبنان. فقد اعلن وزير الدفاع اللبناني مؤخرا, نشر 700 جندي لبناني في الجنوب ولكنهم لن يقوموا بحراسة حدودهم. واذا كانت السلطات اللبنانية لا تريد ان يكون جنودها على الحدود, فهذا يعني ان السوريين لا يريدونهم هناك. لكن لم لا؟ ألترك الامم المتحدة تقوم بالعمل القذر وتتحمل المسئولية اذا حاول المقاتلون الفلسطينيون ـ في اعقاب انهيار كامب ديفيد ـ عبور الحدود الاسرائيلية؟ أم لابقاء الجنود اللبنانيين بعيدا عن الاذى؟ اذا ما قررت مجموعة فلسطينية ان تشن هجوما على موقع اسرائيلي حدودي فما الذي سيحدث لجنود الامم المتحدة الموجودين هناك؟ في يارون يوجد 32 جنديا ايرلنديا يتطلعون عبر مناظير في موقع قريب من دشمة رملية للجنود الاسرائيليين, ويضطرون الى اخبار الليفتنانت تال متى يعتزمون القيام بدورية على (الخط الازرق) , وفي الواقع ان الخط غير مطلي باللون الازرق, كما درجت العادة في لبنان, وانما يتبع سلسلة من الاعمدة الوردية واعلام صغيرة للأمم المتحدة تتلوى عبر اكوام من التراب والصخور الى تلة تقع خلف اسمنت اسرائيلي. وهذه الاعمدة تعتمد مواقعها على 38 عمودا للتخوم الانجليزية ـ الفرنسية والتي لم يبق منها سوى ستة. وقال أحد رجال الامم المتحدة بتجهم واضح: (نأمل بأن يتمكن اي شخص يفكر باطلاق النار هنا من رؤية الفرق بين العلم الاسرائيلي وعلم الامم المتحدة) . يبدو هذا الامر غير ممكن من الوادي اللبناني الواقع في الاسفل. لقد استغرقت نصف ساعة لعبور الطريق الحجري الموصل للحدود وفي مرحلة معينة اضررنا انا وسائقي ان نجمع الحجارة ونعيد ترتيبها على الطريق القديمة لكي تواصل السيارة سيرها وهناك واجهنا حقلا من الألغام على جانبي الطريق. اما الطريق الامامي, فقد تم تطهيره من الالغام من قبل مهندسين بولنديين في الامم المتحدة (وفي بعض الاحيان يدويا). وعندما وصلنا الى الطريق الحدودية التي شقتها اسرائيل بخطها الابيض وسياجها المكهرب ولافتات الطرق العبرية التي لا تزال سليمة كما هي, كنا لا نزال داخل لبنان بحسب الامم المتحدة. وفوق رؤوسنا هدير طائرة مروحية تابعة للامم المتحدة وعلى متنها ضباط لبنانيون يتأكدون من ان الاسرائيليين يتمركزون على الجانب الجنوبي من (الخط الازرق) ومن معظم ارجاء الوادي, لا يمكنك رؤية اعلام الامم المتحدة وانما رؤوس هوائيات الارسال اللاسلكي الاسرائىلي. وسيتمتع المؤرخون حتما, بهذا السيناريو البسيط, وهو كيف نشر اللبنانيون قوات الامم المتحدة كقوة حدودية للعيش بالقرب من الاسرائيليين. وقد تكون تلك اوبرا خفيفة تقترب من نهايتها. وعندما تنجز المهمة الامنية, فلن يكون قدر الامم المتحدة قدرا سعيدا. عن روبرت فيسك في اندبندنت ، ترجمة: ضرار عمير