يتوقع المراقبون العسكريون ان روسيا ستبدأ في نوفمبر المقبل على ابعد تقدير تنفيذ عزمها المعلن على ارسال حاملة طائرات مصحوبة بأسطول السفن الحربية الى البحر الابيض المتوسط لاستئناف وجودها العسكري فيه بعد حوالي عقد من الغياب. وكان قائد الاسطول الشمالي الروسي الادميرال فياتشيلاف بوبوف قد أعلن قبل حوالي الشهر من الآن عن العزم الروسي هذا. وتأتي هذه الخطوة في وقت لا يحتمل الاقتصاد الروسي تنفيذها. لكنها تبدو احدى الوسائل المتاحة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين للضغط على الغرب آملا في الحصول على المزيد من الاستثمارات المالية دون اظهار البلاد بمظهر الضعيف. وبالتأكيد فان الرئيس بوتين يريد ان يذكر الغرب ايضا بأن روسيا لاتزال قوة عالمية كبرى, ومع ان لهذه الخطوة التي تضع القوة العسكرية الروسية المترنحة امام تحد يصعب عليها مواجهته, الا ان لها ايضا ان تكسب روسيا موقفا تفاوضيا افضل. وتأتي الخطوة الروسية بالاعلان عن عودتها عسكريا الى المتوسط بالتزامن مع تطورين اثنين. الاول هو ان روسيا بدأت منذ فترة بتطوير منشآتها في الميناء المتوسطي الوحيد التي تستطيع سفنها الحربية الدخول اليه الا وهو ميناء طرطوس السوري. والثاني ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قبل منذ ايام دعوة وزير الخارجية الليبي الزائر في موسكو لزيارة طرابلس الغرب دون ان يحدد حتى الآن موعد الزيارة, كما ان الحكومة الروسية ارسلت بمذكرة الى نظيرتها الليبية تحثها فيه على تسريع عجلة التعاون بين البلدين بما فيه التعاون العسكري. ومن بين النتائج التي يثيرها المراقبون للمنطقة هي ان العودة العسكرية البحرية الروسية للمتوسط يمكن ان تعيد للاضواء المكانة الاستراتيجية السورية لكل من روسيا والولايات المتحدة على السواء. ومع تسلم القيادة السورية الجديدة لمناصب الحكم في دمشق فان الناتو وتحديدا الولايات المتحدة قد تستخدم هذه الفرصة لاقناع سوريا بالغاء اتفاقية حقوق دخول ميناء طرطوس مع الروس. وفي المقابل ستسعى موسكو للاحتفاظ بالموقف السوري الى جانبها. وطوال العقد الماضي لم يكن لروسيا وجود عسكري له أهمية في مياه المتوسط على الرغم من ان سفن الاستطلاع الروسية كانت تتناوب على استخدام ميناء طرطوس. والمرة الوحيدة التي حضر الروس عسكريا بقوة في المتوسط خلال العقد الماضي هو عام 1996 في الذكرى السنوية الثلاثمئة لانشاء البحرية الروسية عندما جابت حاملة طائرات روسية مصحوبة بمجموعة من السفن الحربية حوض المتوسط لعدة شهور, اما الآن فقد عاود الروس العزم على استعراض قوتهم البحرية فيه امام اعين الاوروبيين القلقين من هذا التطور. ويأتي استئناف الوجود البحري الروسي في المتوسط لا ليكون رسالة توضح القوة العسكرية البحرية الروسية بقدر ما هو رسالة لايضاح مقدرة روسيا على تحريك قواتها ونشرها في مناطق يعتبرها الناتو ملعبا خاصا به. وفي سياق هذه الرسالة ستتحرك حاملة الطائرات الروسية أدميرال كوزينتسوف مصحوبة بتسع سفن حربية في عرض للقوة يفوق عروض القوة التي كانت تجري ايام الحقبة السوفييتية, ويتضمن تلك السفن خمسة غواصات تعمل بالطاقة النووية والسفن الحربية العاملة بالطاقة النووية بيوتر فيليكيي, وتأتي كل من كوزينتسوف وفيليكيي من الاسطول الروسي الشمالي. وينتظر ان تدخل هذه السفن مياه المتوسط في نوفمبر المقبل. وعلى الرغم من الاقاويل التي تثور حول مدى جاهزية حاملة الطائرات الروسية وعن كونها حاملة الطائرات الوحيدة تقريبا المتبقية في الخدمة البحرية الروسية فان موسكو اذا ما قررت ترك هذه القوة في المتوسط, حينئذ سيكون على الناتو ان يأخذ في الحسبان المصالح الروسية وهي الشيء الذي لم يفعله العام الماضي حين قصفه ليوغسلافيا. واذا ما كان القدوم الروسي الى المتوسط نذيرا بحضور دائم فيه فان الرسالة الروسية لاوروبا الغربية وامريكا ستكون واضحة, روسيا ليست عاجزة, هذا على الرغم من ان روسيا ستمر بأوقات عصيبة جدا لو اضطرت لاثبات استعدادها للدفاع عن مصالحها العسكرية في المتوسط او في الشواطئ السورية. وعلى صعيد اخر تخطط كل من ليبيا وروسيا الآن واللتين كانتا حليفتين ايام الحرب الباردة لاعادة اواصر التعاون بينهما, ففي 31 يوليو الماضي وخلال زيارة مهمة قام بها وزير الخارجية الليبي الى موسكو قبل الرئيس بوتين دعوة لزيارة طرابلس الغرب, وكانت العلاقة بين الجانبين قد توترت منذ فرض العقوبات الدولية على ليبيا عام 1988 وستؤذن زيارة بوتين المرتقبة بحقبة جديدة من العلاقات الاوثق بين موسكو وحليفتها السابقة. وعلى الرغم من عدم تحديد موعد للزيارة فان لدى كل من بوتين والعقيد معمر القذافي ما يكفي من الاسباب للاجتماع معا, فليبيا تدين لروسيا حسب بعض المصادر بمليارين و400 مليون دولار هي ديون من ايام الحقبة السوفييتية, كما ان القذافي يأمل برفع كامل ودائم للعقوبات وتعزيز موقفه الاقليمي. لكن الا يمكن ان تكون الخطوة الليبية هذه ذات اثر عكسي وتضفي بعض الشكوك حول العلاقات التي بالكاد بدأت بالتحسن مع دول اوروبا الغربية والولايات المتحدة؟ حتى تتمكن ليبيا من رفع العقوبات عنها فهي مضطرة اولا لتحسين علاقاتها مع الغرب. ولهذا وجه القذافي الدعوة في العام الماضي لرئيس الوزراء الايطالي ماسيمو داليما لزيارة طرابلس الغرب والتي كانت اول زيارة يقوم بها زعيم دولة غربية الى ليبيا طوال عقد من الزمن تقريبا, وفي سبيل هذا الهدف ايضا توقف القذافي ايضا عن دعم الحركات الانفصالية والثورية الاقليمية والعالمية واخذ يركز على تحسين علاقات بلاده الاقتصادية مع الغرب. لكن هذه الجهود لم تصل حتى الآن للمستوى الذي يريده القذافي. فالشركات النفطية الغربية وخصوصا الامريكية ما زالت تتردد في الاستثمار في ليبيا بسبب العقوبات. وهذا التراجع الشديد في الاستثمارات يستمر في اضعاف عائدات النفط الليبية الى حد كبير وهي العائدات التي تمثل حاليا 95 في المئة من دخل البلاد التصديري. وبدون شك فان دعوة القذافي للروس هي محاولة لوضع حد للعقوبات لكن النقطة التي يشير اليها المراقبون باعتبارها قد تسبب مشاكل لطرابلس الغرب في دعوتهم للروس للعودة الى البلاد وهي المطالب الروسية مقابل دعم موسكو لرفع العقوبات عن ليبيا, وعلى سبيل اذا ما طلبت موسكو بحق الاسطول السوفييتي العائد الى المتوسط باستخدام الموانئ الليبية فقد يجد القذافي ان من الصعب عليه رفض هذا الطلب, وفي المقابل فان السماح لهذا الاسطول بالرسو في الموانئ الليبية في مواجهة السواحل الاوروبية القريبة قد يعني عودة العلاقات للتوتر على الاقل بين طرابلس الغرب وروما التي لم تبدأ بالتحسن الا منذ سنة تقريبا. اعداد جلال الخليل