من أين استمد مزيج القسوة والذكاء الحاد والأدب البارد ، بوتين غذى تياراً من الحقد والدم لكسر حاجز حرب الشيشان الأولى عديدة هي الكتب التي صدرت حول الحرب الشيشانية. وقد يكون هذا الكتاب في عداد الأكثر تميزا فيما بينها من حيث تعرضه لأصول المواجهة الروسية - الشيشانية وعرضه لآليات الاستغلال السياسي لهذه الحرب من أجل خدمة غايات انتخابية وشخصية. وهو أيضا كتاب يسمح بضم الواقع الروسي وآليات عمل السلطة في فترة ما بعد الشيوعية حيث شكلت الشيشان أحد الرهانات الأساسية لهذه السلطة من خلال نشوب حربين, الأولى 1994 - 1996 والثانية 1999 - 2000 لا تزال نارها مشتعلة. ثم انه كتاب بقلم صحفي وكاتب سويسري عمل لسنوات طويلة في روسيا وعاش الواقع الروسي والشيشاني بكل تفاصيله ولم يتردد, على أساس قاعدة صلبة من المعلومات والوقائع, في ان يبرز تواطؤ الصمت للغرب الذي لا يحرك عمليا (ساكنا) أمام المجازر التي يتعرض لها الشعب الشيشاني على يد الجيش الروسي دون عقاب. الكتاب يتحدث أيضا عن تاريخية المواجهة الروسية - الشيشانية, واللعبة الروسية في حرب لم تنته بعد. نحن في شهر اغسطس من عام 1999 وفي احدى محطات (مترو) العاصمة الروسية موسكو وهاهو (ساشا) يمد يده متسولاً من المارّة. إن موسكو تبدو كغابة, مدينة متوحشة وعنيفة حيث ينبغي على الانسان ان يشق طريقه وسط الزحام ولا يلتفت لأي شيء حوله. اللامبالاة تسيطر هنا والقاعدة السائدة هي (من بعدي, فليكن الطوفان) فالهم هو أن يؤمن كل فرد سبل الحياة أو بالاحرى سبل البقاء. كان (ساشا) مبتور الساقين من اعلى الفخذ مثل آلاف الشباب الذين عادوا مشوهين من حرب الشيشان الاولى. لم تكن حفنة الدراهم التي يتقاضاها باعتباره (مشوه حرب) تكفيه لسد رمقه لذلك كان مضطراً للتسول في ممرات (مترو) موسكو مثل الآلاف من زملائه. والأدهى من هذا أن تقوم (المافيات) الروسية باقتسام حصيلة تسوله كل يوم. في شهر ديسمبر من عام 1994, كان (ساشا) احد عناصر الوحدة العسكرية الأولى التي تم ارسالها لـ (تثبيت النظام الدستوري) في (جروزني) العاصمة الشيشانية حيث تم استقبال الدبابات الروسية بحمم من النيران. ولايزال (ساشا) يستحضر في ذاكرته بقوة ذلك الانفجار الكبير والصرخات الصمّاء وأنين المحتضرين من حوله قبل ان يغيب عن الوعي كي يجد نفسه على سرير أحد المستشفيات وقد بترت ساقاه. في ذلك اليوم 8 اغسطس 1999, وبعد توقيع اتفاق (خسفيورت) الخاص بانسحاب القوات الموجودة في شيشينيا, من كان يعتقد بان موسكو سوف تقوم بمغامرة جديدة في منطقة القوقاز؟! ومن كان يتصور بان رئيس الحكومة ـ آنذاك ـ فلاديمير بوتين الذي كان قد تم تعيينه ذلك اليوم بالمنصب الجديد في جو من اللامبالاة العامة سوف يجعل من الحرب الشيشانية الثانية محور حملته الانتخابية وسيلة صعوده السياسي للوصول الى سدة رئاسة الفيدرالية الروسية بعد عدة اشهر فقط؟! ربما كان من المفترض ان تكون الحرب الشيشانية الأولى حاجزاً معنوياً لايمكن لفلاديمير بوتين تجاوزه وإنذاراً قاسياً بالنسبة للجيش الروسي وجنرالاته. لكن الواقع لم يكن كذلك. بل على العكس, لقد كانت الحرب الشيشانية الثانية التي بدأت في أواخر عام 1999 بمثابة نقطة انطلاق عملية تلاعب سياسي واستغلال انتخابي لمشاعر الرأي العام ـ لقد غذّى الرئيس الروسي الجديد تياراً من الحقد والدم. وربما أن الشبيبة الروسية التي أصابتها تشوهات الحرب سوف تطلب منه ذات يوم ان يقدم كشف حساب عمّا فعل. واليوم هناك آلاف الضحايا الذين يسقطون في الشيشان تحت قصف القنابل الروسية وهم يطالبون بالقصاص. هذا دون أن ننسى الافواج المتلاحقة من اللاجئين الذين يهربون امام تجاوزات الجنود الروس الذين يمثل سلوكهم خروقاً فاضحة لأبسط حقوق الانسان. ان فلاديمير بوتين, سيد الكرملين الجديد يتحمل القسط الأكبر من المسئولية عن هذه المأساة التي سوف تترك ولا شك آثارها العميقة في النفوس وفي الاجساد ايضاً. وإنه بإطلاق جنوده في هجومات متكررة على (جروزني) انما لا يفعل سوى احياء خصومة قديمة بين الروس والشيشانيين مع ما يترتب على هذا من نزوع نحو الثأر. لكن فلاديمير بوتين وصل الى ما كان يسعى اليه: وهو الآن على رأس اكبر بلاد في العالم. الحرب الباردة في المانيا لا شك بان الكثيرين سوف يهتمون ذات يوم بكتابة سيرة حياة الرئىس الروسي الحالي فلاديمير بوتين. لكن من أجل فهم كيف استطاع القائد الروسي الجديد الدخول في مغامرة شبيهة والوصول الى تحقيق ما كان يبدو أبعد من آماله (المجنونة) اي (احتلال الكرملين) تحت سمع وبصر الطبقة السياسية الروسية كلها, قد يكون من المفيد الاهتمام بماضي هذا الرئيس الشاب. من أين أتى بوتين؟ ما هي رؤيته للدولة؟ من اين استمد هذا المزيج من القسوة ومن الذكاء الحاد والأدب البارد؟ ما هي الاسباب التي تجعل اول قائد روسي في القرن الحادي والعشرين ينظر بهذا القدر من السخرية الى القانون, وخاصة الى القوانين الخاصة بحقوق الانسان؟ ان الاجابة على مثل هذه الاسئلة من أجل سبر اعماق نفسية خليفة بوريس يلتسين لابد من العودة حكماً الى سنوات تكوينه الاولى. لقد أمضى فلاديمير بوتين عملياً مساره المهني كله في دهاليز الأجهزة السرية. وبعد أن حصل عام 1975 على شهادة جامعية في الحقوق من جامعة ليننجراد آنذاك, وبطرسبورج حاليا, مسقط رأسه دخل للعمل في جهاز الاستخبارات السوفييتية الشهير (كي.جي.بي) . وقد كان طيلة سنوات الحقبة البريجنيفية الجامدة, أحد العناصر (اللامعة) في (الادارة الاولى) التي كانت بمثابة (انتاج لفترة الحرب الباردة باعتبارها (وكر جواسيس) للعمل في الأجهزة الخارجية وللقيام خاصة بعملية (المراقبة الاقتصادية للغرب) هذا على الأقل ما زعمته بعض وسائل الاسلام القريبة من الكرملين. وتفيد مصادر اخرى بان بوتين الشاب كان طالباً لا يمتلك ثقافة واسعة وكان يتسم بالخجل الشديد. ويقول الجنرال (دولينج كالوجين) القائد السابق في جهاز التجسس التابع (الكي جي. بي) والمستشار حاليا في واشنطن, بان فلاديمير بوتين عمل لفترة تسع سنوات بمهمات ثانوية مثل التغلغل في صفوف الاجانب في ليننجراد, وذلك قبل أن يتولى أول مهمة له في المانيا الشرقية حيث استخدم كغطاء لنشاطاته السرية وظيفة مدير مساعد لبيت الصداقة الالمانية ـ السوفييتية. وربما قام في مدينة دريسدن الالمانية بتنسيق عمليات التجسس الاقتصادي في المانيا الاتحادية حيث قام بتوظيف عملاء لحساب الاجهزة السرية الروسية لكن رتبة فلاديمير بوتين لم تكن آنذاك سوى مجرد ضابط ثانوي. ولم تكن (دريسدن) موقعاً له الأولوية في برامج أجهزة الاستخبارات السوفييتية, بل كان موقع العمليات الخاصة بمكافحة الجاسوسية هو في برلين الشرقية. وتشير الصحف الالمانية الشرقية بأن فلاديمير بوتين قد نال (وسام الاستحقاقات) من الجمهورية الديمقراطية الالمانية ـ الشرقية سابقا ـ بل ونال ميدالية من احد اكثر الشخصيات الالمانية الشرقية اثارة للخشية في النفوس (اريش ميلك) الوزير السابق المسئول عن (أمن الدولة) في المانيا الشرقية ـ السابقة. إن البعض يرون في هذا الوسام وهذه الميدالية دليلاً على الأهمية التي كان (بوتين) يتحلى بها في المانيا الديمقراطية لكن لاشيء يؤكد ذلك, لاسيما وان تلك المكافأة قد استحقها الرئيس المقبل في اسوأ لحظة اذ ان العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والمانيا الشرقية كانت في اضعف مستوياتها وكانت المانيا الديمقراطية ترفض بشدة سياسة (الشفافية) التي كان ميخائيل جورباتشوف قد شرع بها. بين الكي. جي.بي والمافيا في مطلع عام 1990 عاد فلاديمير بوتين الى سان بطرسبورج (ليننجراد سابقا) وكان جدار برلين قد انهار والاتحاد السوفييتي قد خسر الحرب الباردة وخرج منهكاً اقتصادياً ومعنوياً من مجابهة مع الغرب استمرّت سبعين عاما. ومثل الآلاف من زملائه الذين كانوا يعملون في الاجهزة السرية الروسية وجد فلاديمير بوتين نفسه تائها فالآفاق كانت تبدو قاتمة, اذ ماذا يمكن أن يفعل ضابط في جهاز الاستخبارات السوفييتية في وقت كانت روسيا تحتفل فيه بعودتها الكبيرة الى جوقة الأمم وتعلن نهاية صراع الطبقات؟ مع ذلك لم يطل الوقت كي يرى الرئىس المقبل بان السماء قد انفرجت وان مساره المهني قد انطلق حقيقة بفضل لقائه مع (اناتولي سوبتشاك) رئىس بلدية سان بطرسبورج وأحد المثقفين الكبار في الاتحاد السوفييتي اثناء الحقبة كورباتشوفية. لم يكن (سوتشاك) آنذاك قد واجه متابع مع القضاء. وكانت عاصمة القياصرة القديمة ترغب في مطلع عقد التسعينيات فتح ابوابها امام المستثمرين الغربيين. هكذا أصبح فلاديمير بوتين بسرعة طرفاً اساسيا بالنسبة لجميع رجال الاعمال الراغبين بالتجارة مع المدينة ـ المرفأة ـ التي اسسها بطرس الأكبر. وفي شهر مارس من عام 1994 اصبح فلاديمير بوتين نائبا لرئيس البلدية واطلقت عليه تسمية (كاردينال الظل) وقد سمحت له صلاته السابقة في دريسون وبرلين اثناء الحرب الباردة ومعرفته التامة باللغة الالمانية لكسب ثقة المستثمرين. وكانت الشركات الامريكية والاوروبية الكبرى تحلم بان تجد موقعاً له على ضفاف نهر النيفا كي تنطلق نحو فتح السوق الروسية الشاسعة. مع ذلك, لم تجد تلك الشركات (الفردوس) الموعودة أو على الاقل المألوفة. وقد كانت اليقظة (قاسية غالبا بالنسبة للشركات الغربية, اذ تكشف بان سان بطرسبورج كانت سوقاً خادعة يسيطر فيها التعسف والمساومة والابتزاز. تزامن الصعود السياسي لفلاديمير بوتين داخل الهيئات البلدية مع تصاعد العنف الاقتصادي. وغدت مدينة سان بطرسبورج موطن الطبقة العليا بامتياز ورمز للتوجه في روسيا, مدينة الجريمة وتصفية الحسابات والقضايا الملتوية و(الكازينوهات) وعلب الليل. وكان البترول الذي يتم نقله عبر سان بطرسبورج يثير شهية رجال المافيا. وغدت الدعارة صناعة والتسول تقليداً متبعاً. وخلال هذه السنوات اقام بوتين أعلى الصلات مع أوساط الماضي. في عام 1996, بدا ان (اناتولي سوبتشاك) متورط بعدة فضائح مالية لكن بسبب سذاجته اكثر مما هو بسبب فساده. ترتب على ذلك هزيمته في الانتخابات البلدية فما كان منه إلا أن هرب الى فرنسا كي ينجو من عدالة بلاده. انتهز فلاديمير بوتين الفرصة سريعاً وغير من تحالفاته, ووضع نفسه تحت حماية أحد (بارونات) نظام يلتسين الاقوياء (اناتولي تشوبايس) و(تشوبايس) هو أيضا من سان بطرسبورج ويعتبره المراقبون بمثابة الـ (أب الخصصة) في روسيا, وهو نتيجة لهذه الحقيقة الرجل السياسي الأكثر مثاراً للاحتجاج في هذه البلاد. والطبقات الشعبية تعيب عليه انه (كسر) الآلة الصناعية السوفييتية ثم باعها بهدف زيادة ثروة شريحة قليلة لاهم لها سوى أن تملأ جيوبها أكثر عبر الخلط بين اقتصاد السوق والثراء الشخصي. تم تعيين فلاديمير بوتين نائباً لمدير ادارة تسيير (املاك الكرملين, وهكذا غدا مساعدا لبافيل بورودين مدير الشئون الخاصة للرئيس بوريس يلتسين. ولم يكن بوتين عام 1996 سوى مجرد رجل قانون غامض. لكنه كان قد بدأ صعوده القوي اذ كان مسئولاً عن تسيير الامور العقارية الخاصة باملاك الكرملين في روسيا وفي الخارج. وكانت مبالغ مالية هائلة تنتقل في جميع الاتجاهات بمجرد (جرَّة قلم. كان فلاديمير بوتين يعمل لحساب زمرة يلتسين بدون هوادة وبكثير من السرية والفعالية) . في عام 1997, قدّم اناتولي تشوبايس لفلاديمير بوتين منصباً ذا أهمية استراتيجية كبيرة بحيث اصبح مدير ادارة الرئيس يلتسين ومهمته هي تنسيق العلاقات بين الكرملين والمناطق الـ 89 التي تتشكل منها الفيدرالية الروسية. وهذا الموقع سمح له ان يراقب عن قرب (القوى النابذة) التي يمكن أن تؤدي الى تشظي الفيدرالية الروسية الشاسعة. وكانت المناطق الروسية تزيد من درجة استغلالها الذاتي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي, وذلك في ميدان علاقتها مع السلطة المركزية. وهدد بعض حكام المناطق بعدم الرضوخ لأوامر البنك المركزي, وهدد آخرون بعدم دفع الضريبة الاتحادية. واصبح القادة المحليون ينظرون الى ممثلي السلطة المركزية بانهم مجرد (نمور من ورق) . حاول بوتين اثناء وجوده على رأس المصلحة الإدارية ان يفرض بعض النظام في (البيت الروسي) الذي كانت تتلاعب فيه الرياح من كل صوب, لكن نجاحه في تلك المهمة كان محدوداً. لكنه جمع الملفات الخاصة التي ستكون ذات فائدة له اثناء حملة الانتخابات الرئاسية. وقد دعم بعض حكام المناطق ترشيحه كي (ينقذوا رأسهم) بسبب تورطهم في بعض القضايا المشبوهة. واثناء تلك الفترة أيضاً كوّن بوتين فكرة ما حول رؤيته لروسيا. لقد اعتقد بضرورة بناء دولة قوية والتأكيد على احياء نزعة قومية جديدة, بوتين, ومن خلال عمله في تلك الادارة وجد فيما بعد تبريراً للحرب الشرسة التي سوف يقودها في الشيشان. تابع الرئيس المقبل صعوده السياسي. وفي شهر يوليو من عام 1998 تمّ تعيينه رئيساً للاجهزة الاتحادية للأمن وريثة جهاز الاستخبارات السوفييتية (كي.جي.بي) . وقد عرفت هذه الترقية كامل دلالاتها مع (انفجار) قضية (مابوتكس) في شهر فبراير من عام 1999 حيث اتهمت هذه الشركة السويسرية بتقديم رشوات بعشرات الملايين من الدولارات لمسئولين في الكرملين. وقد أدّى التعاون بين المدعي العام للفيدرالية الروسية يوري سكوراتوف ونظيرته السويسرية كارلاديل بونت التي اصبحت فيما بعد رئيسة للمحكمة الدولية في لاهاي الى توجيه الاتهام لبافيل بوردودين المقرّب من بوريس يلتسين, والرئىس السابق في العمل لفلاديمير بوتين. من أين تؤكل الكتف فعل رئيس الاجهزة الفيدرالية للأمن كل ما في وسعه من اجل كبح التحقيقات وبدا انه يريد (التغطية) على أسياده ورفض تقديم بعض الوثائق والأدلة الدافعة. بل توصل الى توجيه الاتهام للمدعي العام الفيدرالي الروسي بإساءة استخدام السلطة. ووزعت الأجهزة الأمنية شريط فيديو يبدو فيه شخص (يشبه كثيراًَ) المدعي العام يوري سكوراتوف وهو بصحبة عاهرتين. بعد عدة أسابيع وجه بوتين هجومه ضد رئيس بلدية موسكو يوري لوجكوف احد منافسيه الاقوياء في الانتخابات الرئاسية وكشفت الأجهزة الأمنية بعد تفتيشها في خزائن البلدية بأن زوجة لوجكوف الجميلة تمتلك حسابات خاصة في عدد من البنوك الأجنبية. كان فلاديمير بوتين إذن احد منسقي الأعمال الخسيسة للكرملين قبل أن يظهر على مقدمة المسرح السياسي الروسي ويرسل بكل هدوء شباب بلاده الى الهلاك في الشيشان انه نتاج صافٍ لجيله حيث انه تكوّن في مدرستي الحياة والسلطة في روسيا ما بعد الشيوعية, اي الكي جي بي والمافيا, وبذلك شكل الرئىس القادم قناعات يمكن ان تحمل كل الصفات سوى علامات الديمقراطية. لقد مارس التجسس في المانيا ثم على رأس الأجهزة الفيدرالية الروسية. وتعلم أيضا الكذب والمساومة. واغمض (عينيه) في بطرسبورج عن السرقة والابتزاز والجريمة الاقتصادية. واثناء تفاقم الحالة المرضية للرئيس الروسي بوريس يلتسين, تعرّف الروس عبر شاشات التلفزة على رئيسهم الجديد. وقد دلّت احدى عمليات استطلاع الرأي العام غداة تعيينه رئيساً للحكومة بأنه لن يحصل في حالة اجزاء استفاء رئاسي قبل الموعد العادي على أكثر من 1% من اصوات الناخبين. لكن تلميذ بوريس يلتسين تعلّم بسرعة وعرف كيف يستخدم بذكاء وسائل الاعلام الإلكترونية. وبدا باعثاً للثقة الهادئة وذا نبرة قوية. خاصة في مواجهة صورة رئيس (مخمور) باستمرار. وبنوع من (التعرف المريب على الآخر) التقى الشعب الروسي والرئىس المقبل و(تفاهموا) وبدا القائد الجديد بمثابة الابن الروحي ليوري اندروبوف رئىس جهاز الاستخبارات السوفييتية كي.جي.بي ما بين 1976 و1982 والذي كان (اصلاحياً متسلطاً) والمؤيد المتحمس لسجن المعارضين في المصحّات النفسية والرئيس العابر للاتحاد السوفييتي ما بين 1982 و1984 بوتين قد يكون بمثابة أندروبوف دون مبادئه الشيوعية ومن أي مشروع للاصلاح مهما كان ضبابيا وعموميا كان رجل الشارع يبحث بطريقة مبهمة عن نوع من (المخلص والمنقذ) القادر على اخراج البلاد من بؤسها وان يفرض القوة المستعادة للوطن. كان فلاديمير بوتين يعرف بانه ليس لديه ما يخسره من الدخول في مغامرة قد تكون (حظ حياته) . فروسيا لم تهبط في حياتها الى ادنى من هذه الدرجة حيث الوضع الاقتصادي مأساوي والسلطة منهارة وشمال القوقاز في حالة غليان. لكن بعد فترة قليلة ستشهد روسيا عمليات تفجير تثير الهلع بين السكان وستفعل الدعاية المناوئة للشيشان فعلها وسيرسل بوتين الجيوش الروسية ضد الجمهورية الشيشانية الحريصة على استقلالها في حرب احتلال مموهة تحت غطاء عملية ضد الإرهاب. وفي محطة مترو موسكو يتابع (ساشا) مد يديه للناس. انه لا يعرف شيئاً عن ماضي بوتين وعن اسرار وصوله الى رئاسة الحكومة الروسية انه لم يكن يعرف بان بلاده تتهيأ للتورط في عملية عسكرية مأساوية جديدة. وهو يعد (روبلاته) القليلة التي سيدفع نصفها لـ (حاميه) هذا هو الثمن الذي ينبغي على المتسولين دفعه من أجل اكتساب حق طلب (الإحسان) في محطات (مترو) موسكو.