تخيل انك حجزت للطيران على متن الكونكورد الاسبوع المقبل, فهل يمكن أن تثنيك حادثة التحطم المريعة التي وقعت, مؤخرا, في باريس عن استخدام طائرة الركاب القديمة السابقة للصوت؟ أم ان ذلك سيولد جرعة اضافية من الاثارة ويزيد, مع انك قد لا تعترف بذلك, من حماسك للرحلة؟ تقول الخطوط الجوية البريطانية (بريتيش ايرويز) انه لا يوجد هناك علامة على قيام الأشخاص بالغاء حجوزاتهم على متن الكونكورد - وهو رد فعل ينسجم مع دراسة أخرى تظهر ان الحوادث المريعة تردع أعدادا قليلة جدا من الركاب. لقد أجرت ديبورا لوبتون, وهي باحثة في مجال المخاطر في جامعة تشارلز ستورت الاسترالية, بحثا حول رد الفعل المباشر لدى مسافري السكك الحديدية بشأن حادثة تحطم قطار بادينجتون العام الماضي في لندن. وتقول لوبتون: (لم يقل أحد ان الحادث سيثنيه عن ركوب القطار. ويتبنى الناس وجهة نظر مؤمنة بالقضاء والقدر, ولا يعتقدون بأن الأمر سيحدث معهم - وإذا ما حدث فلا يمكنهم فعل شيء بشأنه) . وللأسف, فإن حادثة الكونكورد ستشكل بلا شك موضوعا للدراسة لشخص ما في (صناعة المخاطر) المتوسعة بلا توقف. وتشمل عمليات تحليل المخاطر وتقييمها وادارتها جميع المجالات من الصحة والبيئة إلى المالية والسياسة, حسبما تقول البروفيسورة لوبتون. وتضيف قائلة: ان (كمية البحوث في مجال المخاطر والجدل العام حول المخاطر قد زادت على نحو هائل خلال الأعوام القليلة الماضية. لقد بات من الصعب الآن أن تفتح جريدة دون أن تقرأ شيئا عن دراسة جديدة تشير إلى ان شيئا ما أو خلافه يشكل خطرا) . إن المخاطر المتوقعة على صحتنا وسعادتنا تأتي في قائمة طويلة تبدأ من تأثير الكويكبات إلى الهواتف النقالة والدهون الحيوانية إلى التلوث الجوي, التي قد تكون بعيدة عن تصور الأجيال السابقة. ومع ذلك, فإن الناس في العالم الصناعي يتمتعون بحياة أطول وأكثر صحة مما كان في السابق, كما ان علماء السكان يتوقعون زيادة اضافية ثابتة في طول العمر بالنسبة لهذا القرن. ويعني ميراثنا البيولوجي اننا نقبل المخاطر بطبيعتنا سواء احببناها أم لا. وبالتأكيد فإن الإنسان (بوصفه نوعا بيولوجيا) كان بمثابة نجاح تطوري وذلك لان أجدادنا كانوا مستعدين للمخاطرة بحياتهم بانتقالهم من افريقيا إلى المراعي الجديدة في أوروبا وآسيا. وقد خاطروا بأيديهم بتطويرهم النار كوسيلة للطبخ والتدفئة. ويهاجم عدد متزايد من الخبراء ما يرونه جهودا زائدة الحماس تهدف إلى تقليل المخاطر إلى الحد الأدنى وتخويف الناس ودفعهم إلى تجنب السلوك المحفوف بالمخاطر. فعلى سبيل المثال, نشر البروفيسور باري جلاسنر من جامعة سوذرن كاليفورنيا العام الماضي كتابا مؤثرا يهاجم فيه (ثقافة الخوف) الأمريكية. وفي بريطانيا, يحدد مركز بحوث القضايا الاجتماعية في اكسفورد ثلاثة أنواع من رد الفعل السلبي على (الجرعات العالية من المخاوف والتحذيرات الصحية التي يتلقاها الجمهور) . وأكثر ردود الفعل شيوعا هو (ارهاق التحذير) حيث يتوقف الناس في النهاية عن الانصات. وتقول كيت فوكس, مساعدة مدير مركز بحوث القضايا الاجتماعية ان (الخطر هو انك عندما تحتاج لأن تحذر من خطر حقيقي, تجد ان جمهورك قد أغلقوا آذانهم. ولو كان البحث الذي يربط التدخين بسرطان الرئة قد أجري الآن بدلا من الخمسينيات, فكيف يمكننا ان نميزه عن الهراء حول الهواتف المتحركة التي (تشوي الدماغ) ؟. ويقول مركز بحوث القضايا الاجتماعية انه وفي حين أصبح بعض الأشخاص أقل تحسسا تجاه الحملات الصحية, فإن أشخاصا آخرين طوروا (رهاب عوامل الخطر) . وهذا يعتبر رد فعل مبالغا به ازاء قصص الفزع يقود الناس إلى مخاطر جديدة أكبر من الخطر الذي يحاولون تجنبه. فعلى سبيل المثال, قد يتسبب الآباء الذين يرفضون اعطاء لقاح الحصبة لأطفالهم باصابتهم بمرض الحصبة. وثالثا, هناك تأثير (الفاكهة المحظورة) فالتحذيرات العنيفة قد تقود إلى تحد متعمد ليس فقط من جانب المراهقين المتمردين الذين يدخنون ويتعاطون المخدرات. فقد أدى الحظر البريطاني في عام 1997 على تناول اللحوم التي على العظم لحماية الناس من خطر الاصابة بمرض جنون البقر, إلى أن يقوم بالغو الطبقة الوسطى ممن هم في أواسط العمر بالتوسل لدى الجزارين من أجل اعطائهم قطع اللحم التي تكون على الأضلاع للشوي بصورة غير مشروعة. ويطور جون أدامز من يونيفيرسيتي كوليج لندن, فكرة تقول اننا جميعا لدينا (مقياس خطر) داخلي نعد له وفقا لمستوى المخاطر الذي نريده (بغض النظر عن الجهود التي يبذلها الخبراء لتخفيف المخاطر) . وفي كتيب صدر حديثا لصالح معهد آدم سميث, يذهب جون آدامز إلى القول, على سبيل المثال, بأن فرض قانون أحزمة الأمان الاجبارية جعل سواقي السيارات يعوضون عن ذلك من خلال القيادة بصورة أقل أمنا, بحيث أصبحت الشواع أكثر خطرا بالنسبة للمشاة والمستخدمين الآخرين غير المحميين. وبالطبع, فإن الأفراد يختلفون كثيرا في دافعهم للمجازفة بأموالهم أو صحتهم. فالمقامرة والمضاربة المالية والعلاقات الجنسية غير الشرعية والتدخين هي طرق مختلفة للقيام بذلك. وفي بعض الأحيان, كما هو الحال مع التبغ, فإن أية أعراض سلبية تستغرق وقتا طويلا حتى تظهر. وأحيانا, كما هو الحال مع القفز من السماء, فإن الاثارة والمردود المادي المحتمل تكونان فوريتين. وتقول البروفيسورة لوبتون ان (الخطر جزء من الاثارة. فهناك عدد قليل جدا من الأشخاص انتحاريون. والناس هذه الأيام أكثر وعيا للمخاطر ولكنهم يشعرون ان بامكانهم السيطرة عليها) . لقد حددت دراستان كبيرتان - نشرهما العام الماضي باحثون أمريكيون من جامعتي ويك فوريست وسان دييغوستيت - التدخين في مرحلة الطفولة كأفضل مؤشر مبكر على السلوك المستقبلي المجازف بما في ذلك القيادة تحت تأثير الخمر وادمان المخدرات وحمل مسدس أو سكين إلى المدرسة. ويقول روبرت دورانت, رئيس فريق البحث في جامعة ويك فوريست ان (المراهقين الذين يبدأون التدخين في سن مبكرة هم اكثر احتمالا للتورط في سلوكيات تحمل احتمال انهاء حياتهم في المستقبل القريب) . ويعتبر البروفيسور آدامز ان من المفيد تقسيم المخاطر الى ثلاث فئات واسعة. (فالمخاطر المتوقعة بشكل مباشر) مثل الحوادث تعتبر جزءا من الحياة الاعتيادية. (والمخاطر المتوقعة من خلال العلم) هي تلك المخاطر التي يثبت العلم فيها وجود علاقة محددة بين سبب, مثل التدخين, وآثاره, مثل سرطان الرئة. وهنالك مخاطر افتراضية حيث يعتقد العلماء ان هناك صلة ولكن لا يمكنهم تحديدها, وهذه تعتبر اكثر المخاطر تعقيدا. ويصف آدامز المخاطر الافتراضية, مثل الاغذية المعدلة وراثيا والهواتف المتحركة, بأنها (نتاج الخيال الذي يعمل على الخيال. وفي غياب دليل علمي واضح ومقنع, يكون الحكم على هذه المخاطر متأثرا باستعداد الناس لتصور الدليل بطرق معينة) . وعلى احد الاطراف يقف المتفائلون الذين يفترضون ان الشيء يكون آمنا اذا لم تستطع ان تثبت انه خطير. وعلى الطرف الآخر, يقف المتشائمون الذين يؤمنون (بمبدأ الوقاية) الذي يقول بأن الناس ينبغي ان توفر لهم الحماية ضد مخاطر غير مثبتة اذا كان بالامكان ان تحمل عواقب خطيرة. لكن العديد من الناس يشعرون بأنهم مشوشون للغاية حتى بفعل مخاطر يمكن للخبراء ان يقدموا لها تقديرات معقولة. ولمساعدتهم, كانت هنالك محاولات عديدة لتطوير مقاييس يمكن للعامة استخدامها في تقييم ومقارنة المخاطر. وكان ايان تايلر قد دعا عندما كان وزيرا للعلوم في بريطانيا في عام 1996 الى وضع (مقياس ريختر للخطر يتضمن تسجيل سلسلة من المواقف الشائعة التي تنطوي على خطر متفاوت يمكن للناس قياس الظروف بناء عليها) . وعلى الرغم من ان فكرة تايلر قد تعرضت لانتقاد كبير من بعض المحترفين, الذين قالوا انها بالغت في تبسيط التعقيدات متعددة الابعاد المتعلقة بالمخاطر, الا انه استحوذ على خيال الاخرين. وقد عمل كينيث كالمان, كبير المسئولين الطبيين في الحكومة حتى العام الماضي ـ عمل مع زملاء له على تصميم مقياس خطر جماعي ـ يتدرج من 10 الى صفر. فعلى سبيل المثال, يبلغ مقدار الموت بحادثة سير على المقياس 6 نقاط, ويبلغ احتمال الاصابة بهذه الطريقة خلال العام المقبل واحدا من بين كل عشرة آلاف شخص, وهو ما يعادل وفاة شخص من سكان بلدة صغيرة. عن فايننشيال تايمز