واصلت الصحف المصرية شن هجوم مضاد على هجوم الصحفي الأمريكي توماس فريدمان الذي كان اتهم الرئيس المصري حسني مبارك بالتقاعس عن مؤازرة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في كامب ديفيد لتقديم تنازلات بشأن القدس. واختارت القاهرة طريقة واشنطن في استخدام الصحافة للرد على الانتقادات الموجهة للقيادة المصرية, حيث اتهم ابراهيم نافع رئيس مجلس ادارة ورئيس تحرير صحيفة (الأهرام) أكبر الصحف المصرية فريدمان بممارسة عملية تضليل واسعة للقارئ الأمريكي وطرح قضايا مفتعلة وناقصة معلومات. وشن كل رؤساء تحرير الصحف القومية المصرية تقريباً في أعدادها الصادرة أمس, هجوما ضاريا على الولايات المتحدة الأمريكية, وذلك في سياق الرد على مقال فريدمان محرر الشئون الخارجية لصحيفة (نيويورك تايمز) , ووجهوا رسائل مشابهة إلى كلينتون, لكن نافع تولى تفنيد الاتهامات قائلاً أنه لايوجد زعيم عربي, أو مسلم يستطيع تقديم التنازلات في قضية مقدسة لمليار مسلم, وليس لخمسة عشر مليون يهودي, ولكن تأجيل الموضوع لتسهيل الاتفاق ربما كان قضية أخرى, وخلطهما معا فيه الكثير من التضليل. وردا على ما ذكره فريدمان بأن مصر حصلت على 30 مليار دولار من المعونات الأمريكية وماذا أخذت أمريكا مقابل ذلك.. قال نافع: إن واشنطن أخذت الكثير, وان الجزء الأكبر من هذه المعونة الأمريكية كان موجها لأغراض عسكرية, واستراتيجية لم تخدم المصالح المصرية فقط, وإنما خدمت المصالح الأمريكية الحيوية, وليس أقلها شأنا المحافظة على إمدادات النفط الرخيص لأمريكا وحلفائها, وهو الأمر الذي كان واحدا من أسباب الانتعاشة الاقتصادية الأمريكية غير المسبوقة في التسعينيات. وقال نافع موجها حديثه لفريدمان: كنت أتمنى أن تتروى قليلا في الحديث عن ان انتهاء الحرب الباردة يجعل أمريكا غير مدينة لمصر بشيء, ولعلك تأخذ درسا من بلد عمره أكثر من سبعة آلاف عام شهد فيه صعود وهبوط امبراطوريات, وقال نافع: اذا كانت أمريكا الآن على قمة العالم فإن جعبة التاريخ فيها الكثير, حتى ولو أن كلمة التاريخ لاتعني الكثير في بلادكم التي لايزيد عمرها على قرنين.. وأضاف: يبدو لي أنك في جريك الدائم وراء مجالس ادارة الشركات متعددة الجنسيات وأغنياء عالم الاتصالات, قد نسيت ما كنت تعرفه عن اصحاب أشجار الزيتون الذين لا تهزهم التهديدات أو محاولات الابتزاز, ولهذا لم أفهم كثيرا حشرك للاشارة الى قضية الدكتور سعد الدين ابراهيم. اختار ابراهيم سعده رئيس مجلس ادارة ورئيس تحرير (أخبار اليوم) أسلوبا آخر في الرد عبارة عن رسائل متبادلة بين كلينتون ومبارك, وقال سعده: لقد تخيل الكاتب الأمريكي توماس فريدمان أن بيل كلينتون أرسل خطابا شخصيا الى صديقه الحميم حسني مبارك, فما المانع أن أتخيل أنا أيضا أن مبارك أرسل ردا رقيقا الى صديقه العزيز بيل.. وفي رد مبارك على خطاب كلينتون طبقا لسيناريو ابراهيم سعده قال الرئيس المصري: بيل .. إنني أقدر تماما الظروف الصعبة التي تمر بها في هذه الأيام, مع اقتراب انتهاء إقامتك في البيت الأبيض, وحرصك الشديد على تحسين صورة الحزب الديمقراطي الذي يخوض معركة الانتخابات الرئاسية من خلال نائبك ـ آل جور ـ في مواجهة خصمه القوي ـ جورج بوش الابن ـ مرشح الحزب الجمهوري. لا يخفى عليك ـ بيل ـ أن صورة الحزب الديمقراطي قد تأثرت كثيرا خلال فترة حكمك, وبالذات بعد أن تحالفت قوى سياسية عديدة ضدك, وخططت ونفذت العديد من الحملات التشهيرية التي نجحت ـ بكل أسف ـ في الإساءة إليك, والطعن في مصداقيتك, وخاضت في أمور وتصرفات شخصية ما كان يجب أن تخوض فيها باعتبار أن هذه الأمور ملك خاص لصاحبها, لا يجوز تصيدها أو استغلالها في تحطيم الصورة الكبيرة التي يجب أن يتميز بها رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم, خاصة أن هذه الحملات لم تكتف بالضرر الشديد الذي أصاب علاقتك الحميمة بأفراد أسرتك وأصدقائك ـ و بالذات العزيزة (هيلاري) ـ وإنما نجحت, أيضا, في إثارة غضب وثورة غالبية الشعب الأمريكي الذي قد يتقبل بصعوبة مغامراتك المتعددة.. ولكنه يرفض ـ بالقطع ـ أن تكذب عليه, وتنفي ما اضطررت فيما بعد ـ وأمام هيئة التحقيق ـ إلى الاعتراف به! وتذكر ـ عزيزي بيل ـ أنك صارحتني وقتذاك بأن اللوبي اليهودي كان وراء هذه الحملات المغرضة عقابا لك على إصرارك على تحريك عملية السلام, وتفهمك الواضح لحقوق الشعب الفلسطيني, ودفاعك عنها مما أثار حنق نتانياهو عليك, وقام بتحريك جماعات الضغط الصهيوني لافتعال الحملات المغرضة ضدك بهدف إرهابك, وابعادك عن الحياد الإيجابي الذي كنت تقفه ـ مشكورا ـ في عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وقال الرئيس مبارك في خطابه: لولا تدخلي لدى الأخوة الفلسطينيين لما تمت هذه القمة أصلا. وإذا كنت قد نسيت فيمكنك أن تسأل صديقنا المشترك ـ ياسر عرفات ـ ليقول لك إنه زارني في القاهرة وصارحني بعدم رغبته في السفر إلى الولايات المتحدة للمشاركة في قمة كامب ديفيد لعدم ثقته في جدوى هذه القمة, بسبب التعنت الإسرائيلي الدائم والثابت والرافض لكل ما نصت عليه الشرعية الدولية ممثلة في قرارات مجلس الأمن. ورغم اقتناعي بوجهة نظرعرفات, وتوقعاتي بفشل هذه القمة ـ التي لا هدف منها غير إضاعة الوقت أو إرغام الفلسطينيين على تقديم المزيد من التنازلات ـ إلا أنني بذلت الكثير من الجهد لإقناع عرفات بضرورة السفر إلى الولايات المتحدة, والمشاركة في قمة كامب ديفيد, ليطرح فيها ـ للمرة المليون ـ قضية شعبه, ويطالب بحقوقه, حتى لا تتهم الأبواق اليهودية والصهيونية الفلسطينيين بأنهم هم الذين يرفضون حل القضية, ويسحبون أيديهم من اليد الإسرائيلية الممدودة لهم بحمامة السلام. وبعد جهد كبير, نجحت في إقناع عرفات بالسفر إلى الولايات المتحدة والمشاركة في قمة كامب ديفيد. هذه الحقيقة ليست خافية عليك بدليل أنك اتصلت بي ـ فور علمك بموافقة عرفات على المشاركة ـ وشكرتني على ما قمت به من مساعدة لولاها لما عقدت قمة كامب ديفيد, التي عقدت عليها ـ أنت شخصيا ـ آمالا كبيرة. وحول ما ذكره كلينتون لمبارك بأنه اتصل به من أوكيناوا تليفونيا لإنقاذ قمة الكامب رد الرئيس مبارك حسب سيناريو سعدة ـ : جاء في رسالتك أنك اتصلت بي تليفونيا ـ وأنت في أوكيناوا باليابان ـ وأبلغتني أن القمة متوقفة تماما وأن المشكلة الكبرى هي القدس. ويبدو أن الذاكرة قد خانتك, لأنك لم تتصل بي خلال إقامتك في أوكيناوا ـ لحضور قمة الثماني الكبار ـ وإنما كان اتصالك بي قبل سفرك إلى اليابان ولم تقل لي أن هناك مشكلة كبرى تعرقل سير اجتماعات كامب ديفيد, وطلبت مني فقط الدعم والمساعدة في شيء لم أكن أعلم بتفاصيله بعد. وقال مبارك في خطابه إلى كلينتون: إنك وكل العاملين في الشئون الخارجية في البيت الأبيض والكونجرس ـ تعلمون جيدا أنه لولا اضطرار مصر والسعودية وسوريا ودول الخليج والمغرب للمشاركة ضمن قوات التحالف نتيجة لإصرار وتعنت الرئيس العراقي ورفضه الانسحاب من الكويت الشقيقة, لماكان في استطاعة الولايات المتحدة وحلفائها إنزال جندي واحد من جنودها فوق الأرض العربية. عندما وافقت الدول العربية على استخدام القوة ضد العراق, كان هدفها الأوحد تحرير الدولة العربية الشقيقة الكويت, والفارق كبير جدا بين هذا الهدف, وبين الأهداف التي سعت إليها الولايات المتحدة الأمريكية من وراء غضبتها الكبرى على العراق, وإرسال نصف مليون جندي أمريكي زودتهم بأحدث وأقوى الأسلحة لضرب العراق وإجباره على الانسحاب. فهذا التحرك الأمريكي لم يكن ـ كما تعلم عزيزي بيل ـ من أجل سواد عيون الكويتيين, وإنما هدفه الأوحد حماية المصالح الأمريكية في منطقة الخليج, وضمان تدفق بترولها لتزويد أمريكا بالطاقة التي لا غنى لها عنها. الدليل على ذلك أن الكرة الأرضية تعاني من أزمات إقليمية مماثلة, وهناك العديد من الدول التي احتلت أرضها بالقوة, ورغم ذلك لم نسمع أن (العم سام) أقلقه ما يحدث لشعوب هذه الدول المحتلة, بل وجدناه يقف ـ في بعض الأزمات ـ إلى جانب الأطراف المعتدية! وفي مقاله.. هذا الإفك الأمريكي ـ الإسرائيلي.. قال سمير رجب رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير (الجمهورية) : إن الأمريكان الذين يصورون حتى الآن أنهم الشريك الأساسي في عملية السلام لم يخجلوا في الإعلان صراحة أنهم المتحدثون باسم الإسرائيليين والمنحازون لهم انحيازا كاملا. وعن الأقلام التي ظهرت في الأيام الماضية تشير إلى أن مصر مطالبة بتغطية ظهر ياسر عرفات بالنسبة للقدس التي لا ينبغي أن يتشدد بشأنها أو على الأقل إرجاء مناقشة قضيتها.. وصف رجب هذه الأقلام بالكذب والتضليل. وعن المعونة الأمريكية.. قال رجب: معونتكم لا تهمنا من قريب أو بعيد. القاهرة ـ مكتب البيان