امتنعت الامم المتحدة للمرة الاولى منذ عشر سنوات عن احياء الذكرى العاشرة لفرض العقوبات الدولية على العراق, تحت تأثير حملة دولية واسعة للتنديد بالحصار الدولي الظالم, واتساع نطاق المطالبة برفع العقوبات والغاء الحصار لتخفيف المعاناة عن الشعب العراقي, وسط اتهامات دولية لمجلس الامن بالتوسع في فرض العقوبات ضد 12 دولة في عقد التسعينيات مقارنة بدولتين فقط في نصف قرن من عمر المنظمة الدولية. وكان كوفي عنان السكرتير العام للامم المتحدة الذي يزور موطنه غانا الاسبوع الماضي, قد أبلغ أعضاء مجلس الامن خلال الاسبوع الماضي بالامتناع عن أي أنشطة مرتبطة بهذه الذكرى. وكانت سعادة المجلس بالغة في الاستجابة لمطلب عنان, حيث كان المجلس هدفا للهجمات الشديدة لابقائه على العقوبات القاسية مما تسبب في العديد من الوفيات وضروب من الحرمان عانى منها المدنيون في العراق. وتم فرض العقوبات في 6 أغسطس 1990 بعد أربعة أيام من عبور القوات العراقية إلى حدود دولة الكويت, مما تسبب في أكبر عملية تعبئة للقوات الحليفة تحت قيادة الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية للدفاع عن حقول النفط الكويتية. وبحلول نهاية شهر فبراير 1991 عندما تم طرد القوات العراقية من الكويت على يد التحالف الذي قادته الولايات المتحدة, كانت الغارات الجوية قد حولت العراق إلى دولة تعيش عصور ما قبل الثورة الصناعية, وفقا لما قاله مسئولو الامم المتحدة الذين زاروها. غير أن القوات العراقية قامت بإضرام النيران أيضا في المئات من آبار النفط التي تنتمي للكويت كما سرقت الممتلكات والتحف الفنية. ولا يوجد سبب في الحقيقة يستدعى إحياء الامم المتحدة هذه الذكرى لان العقوبات جرى شجبها من قبل العديد من أعضاء الامم المتحدة البارزين وكذلك العديد من المنظمات الانسانية ولاسيما صندوق رعاية الطفولة والامومة التابع للامم المتحدة (اليونيسيف). وفي دراسة موسعة في العام الماضي, لاحظت اليونيسيف وجود زيادة كبيرة للغاية في نسبة وفيات الاطفال تحت الخامسة, بالارتفاع من 56 حالة وفاة لكل 1,000 طفل في الفترة من عام 1984-1989 إلى 131 حالة وفاة لكل 1,000 طفل في الفترة من عام 1994-1999. وتسببت العقوبات المستمرة في استقالة اثنين على الاقل من مسئولي الامم المتحدة المشرفين على الانشطة الانسانية في العراق من وظائفهم. وقال المسئولان أنهما يعتقدان أن العقوبات تتسم بالوحشية لانها تجرد العراق من أطفاله وأجياله المستقبلية بحرمانهم من صحتهم وتعليمهم. وعشية الذكرى العاشرة دعت روسيا وفرنسا والصين إلى إنهاء العقوبات. وطلبت فرنسا على وجه الخصوص من الولايات المتحدة وبريطانيا أن يوقفا دورياتهما الجوية على منطقتى حظر الطيران في العراق وكذلك وقف عمليات الانتقام التي تقوم بها المقاتلات البريطانية والامريكية عندما تتعرض لها الدفاعات الارضية العراقية. ودعا عدد من الممثلين السينمائيين والقادة السياسيين وبعضهم من الحاصلين على جائزة نوبل, إلى إنهاء (العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق من قبل الولايات المتحدة) , ولكنهم دافعوا عن الابقاء على العقوبات العسكرية. وزعمت المجموعة أن أكثر من مليون عراقي غالبيتهم من الاطفال تحت سن الخامسة, قد لقوا حتفهم بسبب العقوبات. أما الاسباب الاخرى لعدم إحياء الذكرى العاشرة للعقوبات فتتمثل في الدراسات الحديثة التي شجبت العقوبات المفروضة من قبل الامم المتحدة على دول كثيرة في كل أنحاء العالم سواء كانت السودان أو أفغانستان, لإخفاقها في تحقيق أهدافها. وقالت إحدى الدراسات التي صدرت عن أكاديمية السلام الدولية تحت عنوان (عقد العقوبات) , أن مجلس الامن فرض عقوبات ضد 12 دولة منذ عام 1990 بينما لم يتم فرض عقوبات خلال الخمسة وأربعين عاما الاولى من عمر المنظمة الدولية إلا على ثلاث دول فقط وهي روديسيا المعروفة الان باسم زيمبابوي وجنوب أفريقيا. وقد أضرت العقوبات المفروضة على العراق بالسكان المدنيين أكثر مما أضرت بقادة العراق, الذين تستهدفهم العقوبات في الاصل, وفقا لما أوردته الدراسة. وما زال الرئيس صدام حسين في السلطة رغم كل محاولات الاطاحة به, بما فيها العقوبات. ومنذ عام 1990 فرض المجلس عقوبات ضد العراق ويوغسلافيا وليبيا وليبيريا والصومال وكمبوديا وهايتي وأنجولا ورواندا والسودان وسيراليون وأفغانستان. وتتراوح العقوبات بين الحظر الاقتصادي والدبلوماسي وحظر استيراد الاسلحة. وقالت الدراسة أن العقوبات ضد العراق قد أخفقت حتى الان بسبب الانقسام بين أعضاء الامم المتحدة حول إذا ما كان يتعين استمرارها وكذلك حول إذا ما كان يتعين تنفيذها, علاوة على العداء السياسي بين العراق والدول الغربية ولاسيما الولايات المتحدة التي (أطالت الازمة والالام التي يعاني منها الشعب العراقي) . وقالت الدراسة أن (إخفاق العقوبات لا يعود إلى محدودية الالية نفسها, ولكن إلى عيوب في سياسة الامم المتحدة والولايات المتحدة الاجمالية تجاه العراق) .د.ب.أ