بين المشهد التاريخي لجلوس صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في سدة الحكم في ابوظبي في السادس من اغسطس 1966م وبين اللحظة الاحتفالية المبهرة في السادس من اغسطس 2000 تتألق 34 عاما مبتهجة لعظمة المكاسب السياسية والوحدوية وشواهد عملاقة تتجسد واقعا في عشرات المنجزات الضخمة التي تزهو بها الامارات السبع . وقد بدت امام العالم دولة عصرية مترامية الاطراف بكل المقاييس, فقد انداحت المشاريع الصناعية والاقتصادية والنفطية والصحية والتعليمية ذات اليمين وذات الشمال على جانبي شوارع ابوظبي ودبي والشارقة وعجمان والفجيرة وام القيوين, معلنة انتصار الارادة الاماراتية في تحقيق النهضة العمرانية بقيادة صاحب السمو الشيخ زايد, الذي جعل من السادس من اغسطس 66 نقطة تحول تاريخية لانطلاقة واسعة نحو الاتحاد الكبير الذي كان حقيقة واقعية في الثاني من ديسمبر 1971م حينما اطلق شعاره الاشهر (لا قيمة لمال اذا لم يسخر لصالح الشعب) وسرعان ما جسد هذه المقولة على الطبيعة فذهب يقود الامارات العربية المتحدة من منجز الى آخر في زمن قياسي فاق كل التوقعات وجعل من امارات متناثرة دولة متحدة متماسكة واكثر تطورا ونهضة. وعندما نعود اليوم لنقرأ بعضا من عناوين اوراق مسيرة الخير والعطاء لصاحب السمو الشيخ زايد كزعيم مرموق, كرّس جل حياته لتطوير شعبه وخدمة امته العربية والاسلامية, يحار الباحث من اين يبدأ الحديث عن هذه الشخصية التاريخية ورجل المهام الجليلة وكما وصف بداعية الوحدة والتضامن والوفاق بين ابناء الامة.. فرجل بحجم صاحب السمو الشيخ زايد يمثل كتابا مفتوحا يمكن قراءته من اي صفحة.. ومن اي سطر لأن صاحب السمو الشيخ زايد يعيش مع شعبه كما يعيش مع اشقائه العرب, لا فرق عنده بين (س) من الخليج العربي و(ج) من المحيط الاطلسي.. جسد خلال 34 سنة في مواقفه الثابتة والشجاعة حيال مجمل القضايا العربية والاسلامية والانسانية واكد ذلك غير مرة وفي اكثر من مناسبة ان التطلعات لا تنحصر على بناء الداخل بل تمتد الى الخارج, فدولة الامارات عضو في الاسرة العربية والاسرة الدولية.. (اننا لا نشعر بقوتنا الا بقوتهم ولا يكون تقدمنا إلا بالتضامن معهم) بهذه الكلمات كبيرة الدلالة وعميقة المغزى حدد صاحب السمو الشيخ زايد سياسة الامارات الخارجية القائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل بالشئون الداخلية وتقديم المساعدة لاي بلد يتعرض الى نكبات وكوارث طبيعية, كما يلعب صاحب السمو الشيخ زايد دورا لا يستهان به في حل الخلافات السياسية وتقريب وجهات النظر بين الدول او القادة العرب.. وحينما يفعل ذلك فلأنه المسكن بهموم الامة من محيطها الى خليجها, وعنه قرأنا مقولته الخالدة (نفط العرب للعرب) وصدق هذه العبارة جسدها في الواقع في اكتوبر 1973 عندما بعث مع مندوبيه الى القاهرة ودمشق بالمال الذي باع به نفط بلاده ليقدمه بسخاء الى الاشقاء في مصر وسوريا للمساهمة في نفقات حرب اكتوبر التحريرية للأراضي العربية من براثن الاحتلال الاسرائيلي يومها قال صاحب السمو الشيخ زايد (اذا كانت الحرب سبقتني ولم استطع المساهمة بالدم في المعركة فهاكم ما عندي الذي اعتبر الدم العربي اغلى منه بكثير) . ويعرف عن صاحب السمو الشيخ زايد شجاعته في قول الكلمة الصادقة في احلك الظروف واقساها ونتذكره واقفا امام حشد من الصحفيين في العاصمة الاردنية عمان ابان قمة الوفاق والاتفاق العربية التي عقدت في السابع من نوفمبر 1987 وهو يحث اخوانه من اصحاب الجلالة والفخامة والسمو على تصحيح الاخطاء في العلاقات العربية ـ العربية والاعتراف بها من خلال نسيان الماضي وفتح صفحة جديدة لتعزيز التضامن وتوحيد الصف وتوظيف الامكانات العربية لمواجهة التحديات والاخطار المحيطة بالأمة محذرا القادة العرب من مغبة استمرار اعداء الامة العربية في مواقعهم مستغلين التردي والانحدار في العلاقات العربية لتحقيق المخططات الرامية لتمزيق وتشتت العرب وهذا الموقف يأتي انطلاقا من قناعة صاحب السمو الشيخ زايد بأن اعادة التضمان الى الصف القومي تتطلب الصدق والمسئولية والتفاعل الجاد الخالي من المناورات والاعتماد على النفس لان اعادة الكرامة العربية والدفاع عن شرف الامة واستعادة حقوقها المغتصبة في فلسطين واطفاء نار الحروب الاهلية في الصومال وجنوب السودان وحل الخلافات الحدودية لن تتحقق إلا بتفاهم الاشقاء وسواعدهم وتضامنهم ووقفتهم وقفة رجل واحد منطلقا من قناعته الراسخة انه لا يحل القضايا العربية المصيرية الا العرب انفسهم. وكان صاحب السمو الشيخ زايد ـ ولا يزال ـ يدعو الى العمل العربي المشترك برؤية الحكيم العارف بتطلعات الانسان العربي للوحدة الشاملة لذا لم يغب هذا الهم يوما عن دائرة اهتمام (حكيم العرب) فما من مناسبة وطنية او قومية الا ويعيد التذكير ويجدد الدعوة ويطلق المبادرة لعودة العرب الى بعضهم بعيدا عن الاغراق او الاسراف في تعاطي الشعارات وكان مطلع الثمانينيات يدعو الى انشاء التجمعات الاقليمية وتوطيد العلاقات الثنائية او شبه الجماعية بين دول الجوار العربي باعتبار هذه الخطوة مقدمة عملية لتوحيد الامكانات ومد جسور التعاون والتكامل بين ابناء المنطقة وازالة الحدود والسدود المعيقة لتحرك البشر والاستثمار وكان ان لعب دورا كبيرا في قيام مجلس التعاون الخليجي حيث احتضنت ابوظبي اول قمة جمعت قادة دول مجلس التعاون في مايو 1981 وفي هذا السياق اشاد بكل التجمعات العربية ويحرص صاحب السمو الشيخ زايد على تفعيل التجمعات من اجل الارتقاء الى المستوى الافضل لكي تكون هذه المؤسسات الاقليمية قادرة على ترجمة تطلعات ابناء الدول المنتمية اليها وكذا امتلاكها زمام المبادرة والتفاعل الواعي مع اي حدث طارىء يأتي من هنا او هناك كما يتمنى ان تتحول هذه التجمعات الى اطار او مظلة يتم تحتها التصدي الجماعي لأي مشكلة تتعرض لها احدى دول المجلس او حل اي قضية تخص بلدين جارين لأن نجاح مثل هذه التجربة يعتبر مكسبا مهما لكل العرب. وكثيرة هي المواقف القومية لصاحب السمو الشيخ زايد التي تؤكد مجتمعة ان مثل هذا القائد العربي عندما يحرص على دعوته القادة العرب الى نبذ الفرقة التي طالت بينهم وان يتساموا فوق اي خلاف لا يبحث له عن (مكسب اعلامي) وانما كان في كل مرة ينطلق من زاوية الحريص على المصلحة القومية الهادفة دوما لجمع كلمة العرب. ومن هذه الزاوية بالذات كانت دعوة صاحب السمو الشيخ زايد رئيس دولة الامارات العربية المتحدة في 1993 للمصالحة العربية ـ العربية ورفع الحصار عن 18 مليون عراقي يومها خرج من ابوظبي ذلك الصوت القومي المفعم بكل اماني العرب المتحدث باسم 270 مليونا ليعلن للقاصي والداني مبادرة شجاعة اتسمت بالصدق والوضوح والصراحة وهو يطالب برفع الحصار. لقد اتت دعوة صاحب السمو الشيخ زايد (للمصالحة والمصارحة) امتدادا لمواقف هذا القائد العربي الداعي دوما الى تجاوز العرب خلافاتهم القديمة والجديدة وازالة كل عوامل الانقسام والفرقة والتقزم والشتات باتجاه الفعل الوحدوي لانه الدعامة الاساسية والسند الاقوى للدفاع عن مصالح العرب وحماية حقوقهم وسيادتهم لارضهم وخليجهم ومحيطهم.. اقول جاءت هذه الدعوة لتعيد للعرب الثقة بأنفسهم.. ولتفتح الابواب والنوافذ المغلقة امام رياح التصالح والتسامح بين فريق من الاشقاء مزقتهم ازمة الخليج في وقت حرصت فيه قوى دولية على ابقاء الاختلافات وتوسيع شقة النزاعات والانقسامات من منطلق ادامة السيطرة على ثروة العرب والحفاظ على مصالحها ليس الا!! ومن هذا المنطلق ـ ايضا ـ كانت دعوة المحبة والتسامح الاماراتية الى تغليب المصالح القومية وجمع شمل الامة من جديد في اطار استراتيجية واضحة المعالم تقوم على المصارحة والمصداقية والمكاشفة بين البلدان العربية بما يساعد على حل الخلافات ويتيح قدرا افضل من الرؤية الواعية لابعاد المخاطر الاقليمية والدولية.. والتضحية بالمصالح الذاتية والانية لصالح الاهداف القومية وبروح التحرر من الانغلاق والقطرية ودعم الانفتاح الحضاري المسئول والتفاعل العميق والادراك لمجمل التحولات السياسية والديمقراطية بعد انتهاء الحرب الباردة وبروز تكتلات سياسية واقتصادية عملاقة لا مكان فيها للكيانات الفقيرة والضعيفة. ومن هذا المدخل العارف بعمق المشكل الحضاري الذي يواجه العرب والمتمثل بعدم قدرة القادة على صياغة بيان مشترك يحدد فيه اولويات الهموم الوطنية والقومية والتوصل الى قواسم ومواقف موحدة حيال الصراع العربي الاسرائيلي بعدما الت اليه المفاوضات من غموض جراء غياب الموقف الموحد ومحاولة اسرائيل ومن يقف خلفها ابتلاع القدس بالكامل, تكمن اهمية الدعوات المخلصة المتكررة من صاحب السمو الشيخ زايد لرأب الصدع واستعادة التضامن الذي يرونه لا مستقبل للعرب بعد ان اصبح حاضرهم محاطا بالاخطار من الجهات الاربع. ولم يكتف صاحب السمو الشيخ زايد بانتهاج سياسة خارجية عقلانية مكنت دولة الامارات لأن تلعب دورا متميزا على الساحتين العربية والدولية دفاعا عن قضايا الحق والعدل والسلام.. وجعلتها تحتل (الامارات ) مكانا مرموقا ومتقدما في محيطها الخليجي والاقليمي والعالمي, وكانت (ابوظبي) محطة مفتوحة يلجأ اليها القادة والحكام كلما حل بالأمة محنة او كارثة يستطلعون رأي حكيم العرب في المخرج من هذه القضية او تلك. وتستحضر الذاكرة العديد من المواقف التي اعاد بها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان صفاء الروح العربية.. سواء كان ذلك وهو يدعو لوقف الحرب العراقية الايرانية خلال الثمانينيات او بحرضه على التعايش السلمي بين جميع الطوائف في لبنان او ما يتصل بالكثير من النزاعات والخلافات العربية التي كانت تحتاج الى جهد اماراتي لحلها وما اكثرها في الثلاثة عقود الماضية. اما الوجه الآخر للسياسة الخارجية للامارات يتمثل في مجال المساعدات الخارجية التي تقدم لمن يحتاجها من دول عربية واسلامية في مختلف قارات العالم.. ولهذا الغرض وبناء على توجيهات من صاحب السمو الشيخ زايد تم في يوليو 1971م انشاء صندوق ابوظبي للانماء الاقتصادي العربي ومن خلال هذا الصندوق تم انشاء المئات بل الآلاف من المشاريع التنموية المختلفة والمتعددة في مجالات الزراعة والصحة ومصايد الاسماك والمواصلات والنقل والكهرباء والصناعة والاسكان, تنتشر هذه المشروعات في عشرات الدول العربية والافريقية والاسيوية تصل تكاليفها الى مئات الملايين من الدولارات. وفي ضوء هذه المساعدات السخية والمواقف الصادقة نجد ان دولة الامارات العربية المتحدة المحتفية اليوم بالعيد الـ 34 لجلوس صاحب السمو الشيخ زايد على كرسي الحكم والقيادة في ابوظبي ترجمت موقفها النظري والسياسي تجاه الاشقاء والاصدقاء الى شواهد وحقائق ملموسة مؤكدة بذلك صدق التوجه وخالص النوايا ازاء مختلف القضايا العربية والاسلامية والانسانية.. وهي مكاسب لم تكن لتتحقق لولا حكمة صاحب السمو الشيخ زايد الذي ينظر اليه اليوم الجميع بعين التقدير والاجلال والاحترام والاعجاب. بقلم: عبدالحليم سيف ، صحفي يمني