يظن البعض ان فكرة الاتحاد الذي اقيم بين الامارات العربية انبثقت من قرار الحكومة البريطانية بالانسحاب من منطقة الخليج العربي قبيل نهاية عام 1971 الا ان الحقيقة غير ذلك تماما لان رغبة الاتحاد هي في الاصل رغبة ناشئة عن حاجة ابناء الامارات وحكامها الى الاتحاد الذي اصبح بعد الانسحاب البريطاني امرا حيويا وضروريا من اجل صياغة مستقبل الامارات وتثبيت وجودها السياسي بشكل فاعل. ولو عدنا الى تسلسل الاحداث في هذه المنطقة نرى ان سياسة التقارب بين حكام الامارات سبقت القرار البريطاني بالانسحاب وانها بدأت تتبلور في منتصف الستينيات انطلاقا من اعتبارات وطنية بحتة. ففي شهر مايو من عام 1965 عقد في امارة دبي اول مؤتمر شاركت فيه اربع امارات هي ابوظبي والبحرين وقطر ودبي اما غاية هذا المؤتمر فكانت العمل من اجل توحيد منطقة الخليج العربي. وبالفعل فقد تم في هذا المؤتمر التوقيع على اتفاقية حول نقد الخليج كما اعرب حكام الشارقة وعجمان وام القيوين ورأس الخيمة والفجيرة عن رغبتهم الصادقة في تداول النقد الجديد في اماراتهم وبهذه الخطوة التي حملت في ذلك الوقت معنى كبيرا استطاع الخليج العربي ولاول مرة ان يتحرر من النقد الاجنبي الذي كان يتداوله. وبعد اعلان الحكومة البريطانية قرارها بالانسحاب من المنطقة كان من الطبيعي ان تتكثف الاتصالات بين حكام الامارات العربية مع بعضهم البعض حيث ان هذا القرار شكل بالنسبة لهم حافزا على تجاوز ظروف الماضي والتحرر من التبعية التي فرضتها هذه الظروف وبالتالي فإن القرار البريطاني ساهم في تبلور فكرة الاتحاد بشكل افضل. ويمكن القول ان عام 1968 كان عاما زاخرا بنشاط غير اعتيادي في ساحل عمان اذ زار امارة ابوظبي في هذا العام حكام الامارات المجاورة وفي كل زيارة كان الحكام يقومون بها الى ابوظبي كانت تصدر بيانات تؤكد على الاخوة والروابط المتينة بين حكام الامارات العربية بشكل خاص وابناء هذه الامارات عامة. وفي الثامن من فبراير عام 1968 عقدت اتفاقية ثنائية بين ابوظبي ودبي في اجتماع عقده حاكما الامارتين على الحدود وتتابعت الاحداث في ذلك العام بسرعة حيث التقى حكام الامارات العربية التسع ابوظبي ودبي والبحرين وقطر والشارقة وام القيوين والفجيرة ورأس الخيمة وعجمان في مدينة دبي في الخامس والعشرين من فبراير من العام نفسه وبعد محادثات مكثفة خرج المجتمعون بقرار تاريخي في السابع والعشرين من فبراير يعلنون فيه قيام دولة اتحاد الامارات التسع. وبعد ذلك وفي الخامس والعشرين من مايو 1968 عقد الاجتماع الاول للمجلس الاعلى للاتحاد في مدينة ابوظبي ثم استأنف المجلس جلساته ما بين السادس والسابع من يونيو في مدينة ابوظبي مرة اخرى حيث تم اختيار صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيسا للمجلس الاعلى للاتحاد في هذه الدورة. واصدر المجلس آنذاك عدة قرارات اتحادية مهمة تضمنت الاتفاق على وضع مشروع الميثاق الكامل للاتحاد وانشاء لجنة من عضو في كل امارة لتنسيق الاتصال فيما بينها وتعيين طرق انتخاب رئيس كل دورة من دورات المجلس الاعلى للاتحاد. ومع ان هناك الكثير من التفاصيل التي يمكن سردها بالنسبة لمسيرة الاتحاد بين الامارات العربية والاحداث التي مرت قبل قيام دولة الامارات العربية المتحدة بشكلها الحالي. الا ان ما يميز المرحلة التي سبقت قيام هذه الدولة العربية هو الدور المحوري والفاعل الذي لعبه صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في بناء هذا الصرح العربي. وبطبيعة الحال فإن هذا الدور ليس غريبا على صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي عرف عنه ومنذ بداية حياته انه كان مقداما شجاعا وفارسا عربيا بكل ما تعنيه الكلمة. كما احتل هذا القائد العربي مكانة مميزة بين قادة الدول العربية والعالم حيث تميز هذا الرجل والقائد الفذ بحكمة ووضوح في الرؤية كما ان مواقفه الوطنية الشجاعة والحاسمة في القضايا العربية المصيرية جعلت منه رمزا عربيا كبيرا ومثالا يحتذى في النضال والدفاع عن قضايا الامة زد على ذلك المواقف الانسانية الكثيرة لسموه على صعيد الساحة الدولية ودعمه الكبير لقضايا المسلمين في العالم مما اهله وبجدارة لاكتساب ثقة العالم الاسلامي واحترامه, وجعل من مواقفه مقياسا لكل المدافعين عن العروبة والاسلام. وفي كتابه (صقر الصحراء) يورد كلود موريس على لسان العقيد هيوبو ستيد الممثل السياسي لبريطانيا الذي عاش فترة طويلة في المنطقة قوله: (لقد دهشت دائما في الجموع التي تحتشد دوما حول الشيخ زايد وتحيطه باحترام واهتمام, وقد شق الينابيع لزيادة المياه لري البساتين). وخلال فترة وجوده في العين كان الشيخ زايد يجسد القدوة مع مواطنيه من عرب البادية فيشاركهم في اعمالهم اليومية ويحفر معهم الآبار ويساعدهم في انشاء المباني كما انه كان يحرص انطلاقا من اخلاقياته الرفيعة وشخصيته المتواضعة على الجلوس معهم ومشاركتهم في معيشتهم كرجل ديمقراطي لا يعرف الغطرسة حتى ليصح فيه قول الشاعر: ملأى السنابل تنحني بتواضع والفارعات رؤوسهن شوامخ ويذكر المؤرخ كلارنس مان في كتابه (البدو) ان الشيخ زايد هو الرجل القوي في العين وضواحيها وان نفوذه يعود الفضل فيه الى عدالته وقدرته وحنكته السياسية التي اهلته ليكون رجل البلاد المنتظر في ابوظبي آنذاك. اما ابرز ما ذكر عن الفترة التي قضاها الشيخ زايد في العين هي الغاء تجارة الماء, وجعل هذه الثروة ملكا لكل من يعيش على الارض. ويعرف عن صاحب السمو الشيخ زايد قوله: (اعطوني زراعة اضمن لكم حضارة) حتى ان هذه العبارة غدت مع الايام قولا وشعارا يتناقله الناس. واذا كان الشيخ زايد قد قضى معظم سنوات حياته في فترة الشباب في ابوظبي مكافحا مع ابنائها الا ان ذلك لم يبعده عن طموحه الكبير للمعرفة ورغبته الجامحة في التعرف على العالم واكتساب المزيد من الاطلاع والخبرة في الحياة. ولذلك نرى انه منذ عام 1953 بدأ يسافر الى خارج البلاد ليتعرف على ما في العالم الخارجي من جديد وبعد سفراته المتعددة التي زار خلالها العديد من دول العالم غدا الشيخ زايد اكثر اقتناعا بمدى حاجة بلاده الى الاصلاح والتقدم والنهوض, ولانه آمن بأن تطوير بلاده لا يمكن ان يأتي من خلال الاحلام او الامنيات فقط وانما يحتاج لعزائم الرجال راح الشيخ زايد يدعو القبائل العربية الى التحالف في مواجهة التحديات والصعاب, ويشهد الذين عاصروا المراحل الاولى من حكمه لأبوظبي في عام 1966 على الكثير من مواقفه الشجاعة في هذا المجال. ومنذ بداية حكمه للامارة ادرك سمو الشيخ زايد اهمية العمل من اجل استغلال ثروات وطاقات البلاد من اجل كرامة وسعادة اهلها واخذ ينظر الى البترول ليكون وسيلة بناء المجتمع معبرا عن ذلك بقوله: (لا فائدة للمال اذا لم يسخر لصالح الشعب) كما ادرك بحسه الوطني العالي ان الاتحاد هو طريق القوة وان الفرقة لا ينتج عنها سوى الضعف وان الكيانات الهزيلة لامكان لها في عالم اليوم. ولذلك سعى منذ اللحظات الاولى لتسلمه مهام الحكم في ابوظبي الى اللقاء باخوانه الشيوخ حكام الامارات داعيا الى الاتحاد فيما بينها, وتعززت قناعاته هذه بعد اللقاء الذي جمعه في السمحة مع المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في الثاني عشر من فبراير عام 1968 حيث شكل هذا اللقاء النواة الاولى لخلق بيئة اتحادية اوسع, الى ان جاء اليوم العظيم باعلان ولادة اتحاد الامارات العربية في الثاني من ديسمبر عام 1971 لتتشكل عناصر البيئة الاتحادية بين سبع امارات عربية. وتنامت مع مرور الايام البيئة السياسية وتكون اركانها ومن ورائها آمال كبيرة لشعب الامارات الذي راح يتطلع بأمله هذا الى قيادته المخلصة لايجاد بيئة تنعم بالرخاء والاستقرار السياسي والاجتماعي. ووفق خيار حر غير مفروض اجتمعت ارادة الجميع صغارا وكبارا وقيادة لتنطلق مسيرة الاتحاد تاركة وراءها مخلفات الماضي من حماية وتبعية الى الاستقلال والتطور حيث تبوأت الدولة الفتية فور اعلانها موقعها في جامعة الدول العربية وعضوية الامم المتحدة لتكون دولة الامارات العربية المتحدة ذات شخصية قانونية دولية بوحدة اراضيها وقرارها السياسي المستقل المعبر عن مصالحها الوطنية. واذا عدنا لمنجزات صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من السادس من اغسطس وهو تاريخ توليه مهام منصبه كحاكم لامارة ابوظبي نرى ان ملامح التجديد والتطور بدأت تظهر في الامارة منذ الايام الاولى لتوليه السلطة حيث اخذ الشيخ زايد على نفسه بناء دولة حديثة بكل المقاييس واعتمادا على توجيهاته التي كان يتابعها خطوة بخطوة اقرت ابوظبي في مارس من عام 1968 خطتها الخمسية الاقوى حيث بدأ العمل على قدم وساق في اقامة المنشآت الاساسية للدولة من مدن جديدة وموانىء واحواض سفن وطرق دولية ومطارات وفنادق ومصانع بالاضافة الى الاهتمام الواسع الذي اولاه سموه لمشاريع تحسين البيئة وتطوير الانتاج الزراعي. ومنذ توليه مهام قيادة الامارات العربية المتحدة دأب سمو الشيخ زايد على الدعوة الى التعاون بين دول الخليج العربية والعمل على ابقاء منطقة الخليج واحة سلام بعيدة عن النزاعات الدولية حتى ان الكثيرين من السياسيين والمراقبين والعامة اعتبروا سموه داعية السلام الاول في المنطقة, والحقيقة ان هذا الموقف الاخلاقي من قضية الدعوة الى السلام والتعاون بين الدول ليس غريبا على هذا الرجل الذي انتهج طريق الايمان بالدين الاسلامي الحنيف وتمثل القيم والمبادىء الاسلامية السمحة واتخذ من الاسلام وتعاليمه اسلوبا لتنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. واذا تابعنا مواقف سموه تجاه امته العربية نرى انها اتسمت بالوضوح الشديد والثبات والالمام الكامل بمجريات الاحداث على الساحات العربية والاسلامية والدولية فكانت مواقفه دائما ملازمة لهذه الاحداث وتعبر عن بعد نظر وعمق كبيرين اكتسبت على اثرها احتراما دوليا على اوسع نطاق, واصبحت وبفضل سياسته الحكيمة كلمة الامارات العربية المتحدة مسموعة ومحترمة في كافة المواقع والمؤتمرات والمنابر الدولية, كما اصبح لهذه الدولة الفتية حضورا دوليا لا يقل اهمية عن الحضور الذي تمتلكه دول اخرى كبيرة ليثبت بذلك المقولة التي تؤكد ان اهمية الدول لا تنبع من المساحة الجغرافية او عدد السكان وانما تنبع من المواقف المبدئية والثابتة من قضاياها المصيرية واحترامها لسيادتها الوطنية واستعدادها للدفاع عنها. كما ان سياسة سموه العربية جعلته يحتل مركزا مرموقا في نفوس الملايين من ابناء الشعب العربي الذين يشعرون في اقواله وافعاله تعبيرا صادقا عما يتطلعون اليه من اهداف لا سيما وانه يؤمن بأن الامة العربية حقيقة واقعة على مر العصور وانه لا حياة لهذه الامة بغير وحدتها وتضامنها وهو ما جسدته دائما دعواته المستمرة للتضامن العربي والتآزر في وجه التحديات التي تحيط بالامة العربية ولعل ابرز ما يمكن الحديث عنه من مواقف دولة الامارات العربية المتحدة بقيادته في هذا المجال هو موقفه من القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني. باعتبار ان هذه القضية تمثل القضية المركزية للامة العربية. وهنا يمكن القول ان القضية الفلسطينية احتلت حيزا كبيرا ومركزيا في تفكير سمو الشيخ زايد الذي ظل وما زال مدافعا عنها في كل المناسبات واللقاءات العربية والدولية داعيا العرب والمسلمين الى دعم الشعب العربي الفلسطيني ومساندته في كفاحه المشروع لاسترداد حقوقه المغتصبة كما انه اكد في اكثر من مناسبة على احقية منظمة التحرير الفلسطينية في تمثيل الشعب العربي الفلسطيني حتى انه يؤخذ عنه قوله في هذا المجال: (اعطوا الدار لاهلها وهم الادرى بحالها) . كما ان سموه يؤمن اشد الايمان بأن تحرير فلسطين لن يتم الا بالتضامن العربي وتوحيد الكلمة العربية على منهج وخطة عربية موحدة وانطلاقا من قناعاته الوطنية هذه نرى انه عندما انطلقت الانتفاضة الفلسطينية كان اول المساندين لها والمدافعين عنها. وفي اول حديث له بعد الانتفاضة مع مجلة (المصور) المصرية في التاسع من مارس 1988 اطلق سموه دعوته الى الانتفاضة الفلسطينية قائلا: (اقول للانتفاضة ورجالها واطفالها ومن فيها استمروا استمروا واثبتوا حتى تحققوا ماتريدون وتصلوا الى ما يرضيكم وهناك فكروا ولا تتعجلوا وارجعوا برأيكم الى بعضكم البعض ثم اتخذوا ماتشاؤون تجاه انتفاضتكم, اما تجميد هذه الانتفاضة او توقيفها فهو باطل ولا يجوز سماعه من صديق او ممن تهمه عروبته) . كما ان احدا لا يستطيع ان ينكر او يتجاهل موقف سموه خلال حرب السادس من اكتوبر 1973 بين العرب والعدو الصهيوني ومواقف دولة الامارات العربية في ظل قيادته من مجمل القضايا العربية المهمة ولم يكتف صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بدعم القضايا العربية فقط وانما كانت له ولا تزال مواقف مشرفة على الساحة الاسلامية برزت بوضوح ابان حرب البوسنة وكوسوفو والمواقف النبيلة التي عبر من خلالها عن عقلية الانسان المؤمن الذي لا يتأخر في اغاثة المظلومين فكانت اياديه البيضاء تمتد الى كل من يطلب العون والمساعدة وبهمته واخلاقه الحميدة استطاع صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة وبالتعاون مع اخوانه أصحاب السمو حكام الامارات ووقوف شعب الامارات من خلفه ان يضع دولة الامارات العربية المتحدة في مقدمة الدول التي تتباهى في سجلها الانساني واصبح اسم الامارات يعكس المعاني الحقيقية للاخلاق والمواقف السياسية الصادقة. ولعل ما يميز دولة الامارات العربية المتحدة على الصعيد الدولي ايضا هو سياستها المتوازنة التي تعتمد على مبدأ احترام العلاقات الدولية وتمسكها بالمواثيق والاعراف في تعاملها مع الدول الاخرى الامر الذي اعطاها سمعة دولية مشرفة. بقلم: نبيل سالم ، كاتب فلسطيني