يبدو العاهل المغربي الملك محمد السادس وهو يقطع العام الأول من حكمه, أكثر إصرارا على معالجة الملفات الاجتماعية التي عمل على فتحها في بداية عهده, ومهد لذلك بإعطاء الأسبقية للهاجس الاجتماعي, ما أضفى بعداً خاصا على انتقال السلطة في البلاد, لاكمال مهمات كان يعول الملك الراحل الحسن الثاني على إنجازها قبل أن يغيبه الموت في مثل هذا الوقت من العام الماضي. وكان لافتا ان الملك محمد السادس اختار أن يطبع تجربته باتخاذ اجراءات (ثورية) عبر رعايته حملات واسعة لمحاربة الفقر ومساعدة المعوزين, بل انه من خلال اصدار عفو عن حوالي 50 ألفا من المساجين في سابقة أولى لم تعرف البلاد مثيلاً لها, كان يحشد تأييدا ودعما من الفئات المغربية التي تعاني التهميش والعوز, باعتبارها الأكثر تضرراً في تجربة البلاد, لأنها دفعت ثمن التقويم الهيكلي على طريق الإصلاحات السياسية والاقتصادية, وتأثرت أكثر باتساع نطاق الفوارق الاجتماعية. فخلال شهرين ونصف الشهر على توليه العرش, قرر استحداث مؤسستين اجتماعيتين هما: صندوق محمد الخامس للتضامن الاجتماعي, وصندوق الحسن الثاني للتنمية, كما قام في غضون فترة قياسية لا تتجاوز عشرة أيام, بجولة داخلية شملت أكبر عدد من المدن المغربية, في غرب البلاد وشمالها وشرقها, وهي مدن تعرف كثافة سكانية وتحديات تنموية, حيث دشن مشاريع بنيات أساسية وخدمات اجتماعية. لقد اختار العاهل المغربي التوجه مباشرة نحو ابراز المعضلات الاجتماعية متمثلة في البطالة والفقر والتهميش وعزلة الأرياف, ولم يكن الأمر يحتاج إلى وضع نظارات مكبرة للواقع المغربي, فقد سبق للملك الراحل أن أعلن أن أخطر ما يمكن أن يواجه البلاد هو الانفلات الذي يأتي بمثابة رد فعل على انعدام تكافؤ الفرص وزيادة الفوارق وتمكن اليأس من النفوس, بيد ان ميزة التوجه الذي يسلكه الملك محمد السادس انه يستند الى المؤسسات التي أرسى والده قواعدها الأساسية في الديمقراطية وتحسين سجل المغرب في مجال حقوق الانسان, وتأمين حضور اقليمي متوازن, تفيد منه البلاد في إبرام اتفاقات الشراكة ودعم الاستقرار, وباختصار فان الملك محمد السادس آثر الاتجاه نحو وضع الأصابع على مكامن الضعف في التجربة الاجتماعية التي اختار أن تحظى بالأولوية. والمؤكد, أن المخاطر الاجتماعية لم تكن غائبة عن الملك الراحل, لكن الأسلوب هو الرجل كما يقال, وما يحدث في المغرب الآن يختزل مقولة (التغيير في اطار الاستمرارية) ويقول مقربون من الملك محمد السادس انه حينما تكون الرؤية واضحة في موضع ما, فهو لا يحبذ كثيرا التأملات واستغراق الوقت في تشكيل اللجان, ويرى ان المطلوب الدخول مباشرة في إنجاز المقصود) . لقد أخذت سيرة الملك الشاب تستأثر باهتمام المغاربة والأوساط المهتمة بتطور المغرب عبر الإشارات التي تدل على النهج الذي يعتمده في التعامل مع قضايا تهم شرائح واسعة من المجتمع المغربي, وعلى رأس هذه الإشارات اختيار العاهل المغربي البقاء في إقامته بمدينة سلا المجاورة للرباط, وهي مدينة شعبية تسكنها الطبقات الفقيرة والوسطى, كما حافظ الملك على تقليد سنه منذ كان وليا للعهد, حيث تعود على استقبال مئات المواطنين ضمنهم معاقون وفقراء ومعوزون, وهو ما جعله حاملا بامتياز للقب (ملك الفقراء) . ويرى محللون ان الاهتمام الكبير الذي أبداه العاهل المغربي بقضايا الشباب والفئات الاجتماعية الأقل حظا في جني ثمار التنمية, كان وراء الرفع من وتيرة المطالب الاجتماعية والاقتصادية, التي تجد اليوم حكومة الزعيم الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي عاجزة عن حلها, فقد ساهم الملك محمد السادس في خلق مناخ تفاؤل وأمل عريض لدى الشباب المغربي الذي كان أمله موجها خارج البلاد, أما الآن فقد أصبح متردداً في النظر إلى المستقبل, ويجمع خبراء بأن أمام المغرب عقدا من الزمن على الأقل, لردم الهوة الاجتماعية التي وجدت من جراء انعكاسات برامج التقويم الهيكلي للاقتصاد منذ بداية الثمانينيات, وتراجع الاهتمام بعدد من القطاعات الاجتماعية, فيما تحث المؤسسات الدولية المغرب على العمل من أجل رفع معدل الدخل الفردي الذي استقر لسنوات عديدة في حدود 1400 دولار أمريكي. ويظهر من خلال رصد الأولويات الاجتماعية والاقتصادية, والانكباب على ملفات اصلاح التعليم وإنصاف المرأة والقضاء على مظاهر التهميش, ان العاهل المغربي كان يطرح تصورا بديلا من أجل التحديث, محوره الإفساح في المجال أمام كل الطاقات البشرية للمساهمة في مشاريع الإصلاحات الكبرى, ولا يعني ذلك انه كان يريد سحب البساط من الحكومة, وبالتالي ممارسة الضغط عليها, فقد كان مفهوما ان رغبة الحسن الثاني باشراك المعارضة السابقة في الحكم, وتعديل الدستور مرتين في ظرف وجيز يستهدف من الناحية الاستراتيجية ايجاد نخب سياسية جديدة تواكب المرحلة الجديدة, عدا أنها تؤسس علاقات واضحة بين السلطات, غير ان النتيجة الماثلة للعيان تكشف عن مفارقة فاقعة: ديناميكية على مستوى أداء القصر مقابل بطء بل تعثر في الأداء الحكومي. ويعزو مراقبون الأمر إلى عدم قدرة الحكومة على التكيف مع المرحلة الجديدة, فالحكومة الائتلافية المكونة من 43 وزيرا ومن مشارب سياسية مختلفة لم تعثر بعد على إيقاعها المتوازن, ولم تظهر انجازات ملموسة على رغم النوايا الطيبة, ووجد اعضاؤها انفسهم امام تناقضات ارتبطت اصلا بطريقة تشكيلها الى درجة ان رئيس الحكومة عبر اكثر من مرة عن تضايقه من عدد وزرائه, وعن غيرته من رؤساء الحكومات الذين يقودون تشكيلة مقلصة ومنسجمة. ويسود الاعتقاد ان مسألة التأهيل هي ما ينتظر الملك الشاب مواجهتها في كل المجالات, وتفترض مقاربتها سياسة مبكرة لاعادة هيكلة المؤسسات السياسية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية من منطلق تجذير وتطوير قاعدة الاجماع الوطني الذي بدأت الطبقة السياسية تتكيف مع مقتضياته سيما ان الاصلاحات الكبرى تحتاج الى توافقات وتسويات ومن ثم الارتقاء بالحقل السياسي الى مستوى مناسب من النضج والتوزان, ومن هنا تتجه انظار الاوساط السياسية الى تطوير العملية الديمقراطية واستنبات اخلاقيات فعلية تناسب شعار دولة الحق والقانون, وذلك بتحديث اجهزة الدولة والقطع مع سلبيات التجارب الانتخابية السابقة. ولاشك في ان الملك محمد السادس يحوذ ادراكا حادا بعد(الثورة الاجتماعية الهادئة) لضرورة فتح عهد تدرجي جديد للديمقراطية بالرفع من مستوى الاداء السياسي وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية ضمن مناخ التشاور والاعتراف المتبادل, والعمل على تطوير جسور التكامل بين الدولة والمجتمع المدني, وفي هذا السياق, تجدر الاشارة الى جملة قرارات في مقدمتها اقصاء وزير الداخلية السابق ادريس البصري والمتنفذين في الاجهزة الامنية وعزل العديد من عمال الولايات والاقاليم (المحافظين) بموازاة مع تشكيل هيئة تحكيمية لتعويض جميع الذين تعرضوا للاعتقال التعسفي او الاختطاف, والسماح بعودة المعارض ابراهام السرفاتي من منفاه الفرنسي, وكذلك بعودة عائلة السياسي المغربي الشهير المهدي بن بركة الذي اختطف في ظروف غامضة في باريس قبل نحو 35 عاما ولم يعثر له على اثر, ورفع الاقامة الجبرية عن الشيخ عبدالسلام ياسين مرشد جماعة (العدل والاحسان) الاصولية المحظورة. ولعل التحدي الاكبر الذي يواجه العهد الجديد الى جانب تحديث الدولة والمؤسسات يتمثل بقضية الصحراء وهو تحد ليس سهلا سيما مع ملابسات الاستفتاء وظهور تصورات تهدد بالطعن مشروعية الحقوق المغربية في الصحراء, فاذا كان للعاهل الراحل اسلوبه المميز في ادارته والتفاوض عليه, فمن المؤكد ان الملك محمد السادس على اطلاع بتفاصيل هذا الملف, حيث سبق له وان ترأس مفاوضات مع جبهة البوليساريو, وله المام واسع بالوضع العسكري من خلال مسئولياته في (المفتشية) العامة للقوات المسلحة الملكية فضلا عن السند الشعبي والسياسي من القوى كافة, لاعتبارات عدة تجعل من قضية الصحراء ذات مكانة حاسمة في حسابات السياسة المغربية. الرباط ـ رضا الأعرجي