لدى حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية الأسبق وأبرز قيادات ثورة يوليو الكثير والمثير من الاسرار والمعلومات التي يفصح عن جديدها بهدوء من خلال احاديثه الصحفية. وهو دائما مؤمن بما يقوله وما يفعله, لا يتراجع عن آرائه, ولا يحيد عن موقفه. (البيان) التقته في القاهرة وقلبت في ذاكرته وفي خزانة اسراره في الحوار التالي: * ظللت صامتا لسنوات طويلة.. خاصة بعد أن تركت موقع نائب رئيس الجمهورية في عهد أنور السادات ـ ثم فجأة منذ ما يقرب من عامين بدأت تفتح خزينة أسرارك وكتبت مذكراتك فهل هناك دوافع بين فترات الصمت والكلام؟ ـ أحيانا تجد نفسك بحاجة أن تعيش حياتك بدون ضجيج خاصة إذا شعرت بأنك قد أديت واجبك الوطني والمهني وأرضيت ضميرك. فعندما كنت في موقع المسئولية حتى عام 57 كان العمل السياسي يشغل كل وقتي ولم تكن لدى الفرصة الكافية للقراءة والاطلاع على أمور أخرى تبدو مهمة جدا. وفي هذه المرحلة أيضا ظهرت عدوات كثيرة وجديدة لم تكن تحسب لها حسابا.. فمن قبل كان الاحتلال البريطاني هو عدونا الوحيد : لكن بعد ذلك ظهر أعداء أكبر وأكثر شراسة من الاحتلال هما أمريكا وإسرائيل وهذا يتطلب مني القراءة في مجالات عديدة ومن ثم المتابعة والتحليل وإبداء الرأي. ثم جاء التفكير تحت إلحاح وضغط المقربين والمحبين بضرورة كتابة مذكراتي وكتبتها فعلا وأعقبها تعليقات ومقالات وهجوم واتفاق واختلاف كل هذا يدفع بك الى الحلبة فتجد نفسك مطالبا بأن تقول الحقيقة كما يمليها عليك ضميرك وفي النهاية يبقى الحكم متروكا للتاريخ. ناصر.. زعيماً * اختيار جمال عبد الناصر قائدا للثورة ماذا كان يمثل لكم ـ كضباط أحرار؟ ـ للانصاف والحق والعدل أقول : أحيانا تحتاج بعض الأمور الهامة إلي نوع من الحسم ولا تحتمل التردد أو أنصاف الحلول, وتحتاج إلي شخص موضع ثقة لاتخاذ قرار.. ونحن عندما اخترنا جمال عبد الناصر رئيسا لم يجبرنا أحد علي ذلك, وإنما اخترناه بحرية, اعتمادا علي المقومات التي منحها له الله ليكون قائدا وزعيما بحق. فلقد تحملت مصر أعباء كثيرة جدا في ظل الاستعمار والخيانة. وكانت هذه المواقف تتطلب من عبد الناصر أحيانا أن يتخذ قرارات حاسمة وهو يعلم أنه يتجاوز الخطوط المسماة بالخطوط الحمراء.. ويلقي كل الإنجازات التي تحققت أيام الثورة لم تشهد البلاد مثلها حتى الآن, وعندما حدث زلزال 29 لم يتأثر أي مبنى من المباني التي أقامتها الثورة لآن الذين أقاموها كانوا يملكون الإحساس بالانتماء والحب للوطن.. وهو إحساس ـ بكل أسف ـ مفقود الآن. السادات خان الثورة * لكن أليس من التناقض أن تعمل مع السادات نائبا له في رئاسة الجمهورية, ثم تطالب بمحاكمته, وتتخذ ضده مواقف شديدة الكره والغرابة؟ ـ ليس تناقضا ولا حاجة.. كل ما حدث أنني قصدت بذلك أن نسترجع الأعمال التي خالف فيها السادات مبادئ الثورة.. فالمبدأ الأول هو القضاء على الاستعمار وعلى الخونة وأعوانهم من المصريين.. لكن السادات تعاون مع بعض هؤلاء الأعداء.. وتعامله معهم كان قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية. المبدأ الثاني هو القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم وإقامة حياة اجتماعية عادلة.. وهو ما لم يحدث في عهد السادات حيث سيطر رأس المال وتم تدمير القطاع العام وتخريب الصناعة المصرية التي أسستها الثورة والتي ما ز ال أبوها د. عزيز صدقي حي يرزق فاسألوه إذا كان السادات وضع مسمارا واحدا في أي مصنع واسألوه أيضا عن ميزانيات القطاع العام بعد عام 1975 وكيف بدأ يخسر هذا القطاع الذي كان قوامه يزيد على الألف مصنع.. وكيف سمح السادات للأجانب بالسيطرة على كل شيء لدرجة أنه كان يشترط ألا يقيم أي مصري مشروعا إلا بمشاركة مستثمر أجنبي. في الحقيقة كان هناك تناقض لا يعرف أحد أبعاده.. وفي الوقت الذي نجد فيه أناسا يعيشون تحت خط الفقر نجد أناسا يعيشون في بذخ وإنفاق يثير الأعصاب ويفجر الأحقاد في المجتمع.. وهذا لا يعني أننا ضد الأغنياء ولكننا ضد التفاوت البشع في الدخول. ويكفي أن أقول لك أنه حتى 1970 كان مرتب الموظف يكفيه لأن الأسعار كانت متناسبة مع الأجور وكانت الوظيفة لها قدسية. أيضا أريد أن أؤكد أنني لم أتفق مع السادات عندما كنت نائبا له بل اختلفت معه كثيرا.. وكان يريد التخلص منى لكن لسوء حظه أنني قليل الأخطاء ولست غبيا وكنت أحسب تصرفاتي جيدا.. ولعل آخر محاولاته للتخلص منى كانت محاكمات قضية قلب نظام الحكم المعروفة بقضية الفنية العسكرية. * لكن هل كان يلعب السادات على حبل الثورة والسلطة أم أنه كان مخلصا للثورة؟ ـ أعتقد ان السادات كان يلعب بمهارة على حبل الثورة والسلطة معا فهو عندما أخذ جيهان السادات ودخل السينما كان يهرب من المساءلة القانونية في حالة فشل الثورة ويثبت أنه لم يكن منضما وعندما أدرك نجاح الثورة أعلن أنه كان لا يعرف بساعة الصفر وأنه أراد أن يخفف عن زوجته.. وقصد بذلك أن ينتظر حتى تتضح المسائل.. وقد يكون مخلصا للثورة ويكون هذا الاستنتاج الذي أسوقه أنا إليك خاطئا. الإخوان * كتبت أن المرشد العام للإخوان ـ حسن الهضيبي ـ قال لك: نحن لا نذوب في الثورة.. انتم جايز تحاربوا في قناة السويس.. وإحنا نشوف نحارب في مراكش.. نحن حركة عالمية وأنتم متصورون أن إنشاء هيئة يهمنا.. فهل هذه حقيقة وما تعليقك؟ ـ يا ليته قال هذا وتوقف بل إنه أضاف قائلا: (الود ودكم إنكم تشيلوا يافطة الإخوان المسلمين وتحطوا يافطة هيئة التحرير لكن ده بعدكم) .. وما كان منى إلا أن قمت واقفا وسلمت عليه وقلت له: لو كان المرحوم الشيخ حسن البنا حيا.. كان سيقول كلاما غير الذي سمعته منك.. كان سيقول الناس دول خلصونا من عقبة.. لم نكن نستطيع أن نقضي عليها.. ولا بد من أن نضع أيدينا معا لكي نختصر الطريق في مجال النضال وتحرير إرادة البلد. ليلة الثورة * سألت حسين الشافعي ـ نائب رئيس الجمهورية الأسبق ـ هل هناك تفاصيل صغيرة ما زال يذكرها عن ليلة الثورة أم أنها سقطت بفعل عوامل الزمن؟ ـ لا يمكن أن تسقط فتلك الليلة التي تتحدث عنها بدأت بالنسبة لي يوم 20 يوليو.. فبينما كنت أتناول طعام الغداء في ذلك اليوم مع ثروت عكاشة تلقينا مكالمة هاتفية من أحمد أبو الفتح الكاتب المعروف وهو في نفس الوقت صهر لثروت عكاشة. أبلغنا أبو الفتح في المكالمة أن تشكيلا وزاريا جديدا برئاسة نجيب باشا الهلالي سوف يعلن وأنه سوف يضم حسين سري عامر وزير الحربية. وهذا الاسم بالتحديد عني إصرار الملك فاروق على تصفية تنظيم الضباط الأحرار فقد كان حسين سري قد رشح نفسه في نادي الضباط على الجبهة المضادة لمحمد نجيب.. المهم هرعنا إلى منزل جمال عبد الناصر بمنشية البكري وأبلغناه بما سمعنا خاصة أن هذه المعلومات الجديدة يمكن أن تعجل بقيام الثورة. وكما توقعنا تحدد يوم 21 يوليو كموعد لتحرك قوات الجيش أعقبه اتصال فيما بين الضباط الأحرار أدى إلى تأخير الموعد ليوم 22 يوليو. *هل يمكن أن تصف لنا شعوركم في ذلك اليوم؟ ـ كنا في غاية التوتر والانزعاج لأن كل ثانية لها ثمن وأي خطأ في التوقيت قد يفسد الأمر كله.. وإزاء هذا الضغط العصبي خشينا أن يتراجع بعض الضباط لكنهم كانوا جميعا عند مستوى المسئولية أيضا كنا نخشى أن تفشل الثورة فلا يتحقق الحلم.. * ما الذي يمكن أن تقوله الآن عن زملاء الكفاح في هذه الثورة؟ ـ أقول لو أننا غربلنا هذا البلد فلن نجد مثل هذه المجموعة التي عرضت نفسها للخطر وبذلت كل ما في وسعها لتحرير إرادة البلد.. ولا أستطيع أن أتحدث عنهم. لأننا كنا نعمل كفريق واحد.. وكان هدفنا جميعا هو نجاح هذه الثورة.. وما زالت تربطني بخالد محيي الدين وذكريا محيي الدين صداقة قوية.. فرجال الثورة لا يمكن أن أنساهم أو أنسى ارتباطي بهم.. وأتمنى لهم الصحة ومديد العمر.. ومن انتقل منهم إلي رحاب ربه أطلب له المغفرة * لكن هل تأكدتم من تسرب خبر الثورة إلي القصر؟ ـ بالتأكيد الخبر تسرب لأن الاتصالات كانت تدل على ذلك. وهو الأمر الذي جعلني لا أحتمل الانتظار وخاصة أن الذي جاء لي يبلغني في مقر الكتيبة عرف أن فيه تمرد وفيه ثورة وعرف أنني مسئول. * باعتبار كتيبتكم كانت هي مركز إدارة العمليات كيف استسلم الملك؟ ـ فعلاً كانت كتيبة سلاح الفرسان هي مركز العمليات.. وطبعا كانوا هم أكثر الناس تشبعا بفكري وآرائي وكانوا متعاطفين معي. ومن أجل الإسراع في العمل لما أرادت قيادة الثورة أن تتحرك تجاه الاسكندرية حيث يوجد الملك فأنا قلت: الكتيبة تتحرك بسرية تجاه الاسكندرية وفعلا تحركت يوم 22 يوليو بالليل وبالدقة.. الساعة الأولى من يوم 23 يوليو. وبدأ التحرك من أمام مينا هاوس وبعدين كلنا أتجمعنا في الاسكندرية يوم 25 يوليو أنا ومحمد نجيب وكمال الدين حسين نزور القوات في الاستاد على أساس أننا أرسلنا إنذارا للملك بأنه يوقع وثيقة التنازل قبل الساعة 12 يوم 26 ويغادر أرض البلاد قبل الساعة السادسة مساء. وكنت مكلفا بالعملية الرئيسية وهي محاصرة قصر الملك ـ المنتزه ـ وتجمعنا في منطقة شيراتون المنتزه.. وفي هذا الوقت لم يكن هناك إنسان يستطيع المشي على رصيف القصر لأنه رصيف طويل ويقدر بحوالي 400 فدان.. المهم قمنا بحصار المكان وكنا متصورين أن الملك موجود داخل القصر.. وفي حوالي الساعة الثالثة بعد منتصف الليل علمنا أنه تسلل من القصر في سيارة جيب مع الياور حسن عاكف.. وطلع على قصر رأس التين.. وطلب منا زكريا محيي الدين أن نتأكد من أنه لم يستقل مركبا من أبوقير وهرب.. فطلعت بنفسي وجمعت رؤساء البحر ومشايخ الصيادين وتأكدت أنه لا توجد أي قطعة خشب تحركت في البحر. * لكن جلال علوبة أعلن أن الملك كان بإمكانه القضاء على الثورة لو استعان بالجيش الإنجليزي فما مدى صحة ذلك؟ ـ هذا غير صحيح ـ لأنه لما جاء القائم بالإعمال بالسفارة الإنجليزية وطلب مقابلة قائد الثورة في الساعة 30.2 بعد ظهر يوم 26 يوليو. بعد ما وقع الملك وثيقة التنازل عن العرش الساعة 11 صباحا في قصر رأس التين.. طبعا هو كان (جاي) مستند أن قوة الاحتلال موجودة وكان معتادا أن المندوب السامي البريطاني له هيبته في البلد و أنه الملك غير المتوج.. وكان يملؤه شعور العظمة والأبهة.. لكن الذي حدث أنه وجد الناس لا تهابه ولا تخاف منه بل انهم لا يعملون أي حساب.. (اللي نايم فضل نايم) .. (واللي قاعد خالع جزمته) ولم يهتم به أحد فشعر بالحرج.. أيضا أذكر أننا عندما ذهبنا إلى الملك لكي نسلم عليه قبل أن يغادر البلاد ـ أنا ومحمد نجيب وجمال سالم ـ وصلنا الساعة 6 ودقيقتين وعندما نظرنا حولنا وجدنا علي باشا ماهر وآخرين كانوا قد دعوا الملك وقال لنا علي ماهر: يا جماعة انتم اتأخرتم.. ده الملك كان عايز يسلم عليكم قلنا: والله احنا كمان كنا عايزين نسلم عليه. قال: احنا فيها وممكن نجيب لنش يوصلكم المحروسة وتطلعوا تسلموا عليه.. وفعلا طلعنا باللنش فنظر الملك إليّ قائلا: إنت اسمك إيه قلت له: حسين الشافعي قال: مين؟ قلت حسين الشافعي فقال: طيب إنشاء الله تحافظوا على جيش أجدادي وكان كلامه مجروح ومخلوع من العز والعظمة التي كنا نسمع بها والتي كان فيها قبل الثورة. مشاعر .. وأزمات * وكيف حدث التآلف بين أعضاء مجلس قيادة الثورة رغم الخلافات التي كانت تطفو على سطح الاجتماعات المنفردة وغير المنفردة؟ ـ الثورة عندما قامت جمعت من حولها مشاعر كاسحة ليس من أعضاء مجلس قيادة الثورة وأنصارهم فحسب بل من جميع طبقات الشعب المصري على اختلاف مواقعهم وأماكنهم ودرجة غناهم أو فقرهم.. أنا في هذه اللحظة شعرت أن كل الأطراف حتى الذين كنا نتوقع منهم القيام بعمل مضاد أو الذين من الممكن أن يعبروا عن مطامع شخصية.. كلهم كانوا منتظرين اللحظة سواء بقصد أو عن غير قصد.. لكن كانوا منتظرين اللحظة سواء بقصد أو عن غير قصد.. لكن عندما بدأت تظهر بعض الأزمات.. بدأت تتباين المشاعر. القاهرة ـ مكتب البيان : حوار: أحمد عمر