حتى اذا ما حلت المعجزة وتوصل المتفاوضون لحلول حول القدس واللاجئين فإن معضلة المستوطنات تبقى قائمة. ورغم انها لا تشكل سوى ما نسبته 2% من مساحة الضفة الغربية وغزة الا انها تبقى اشبه بمسمار جحا وبوابة التغلغل والتدخلات الاسرائيلية في المجتمع الفلسطيني.. لكن في هذه الاثناء لا يقفز هذا المجتمع عن ماهية الاتفاق المحتمل في كامب ديفيد, ولذلك تنطلق يوميا المسيرات والمظاهرات المؤيدة لياسر عرفات, لكن في نفس الوقت المحذرة له من أي اتفاق تفريطي بالثوابت الوطنية الفلسطينية الى حد ظهور ما يشبه التهديد في أوساط حركته (فتح) بألا يعود ومعه مثل هذا الاتفاق. صحيفة (هآرتس) العبرية نشرت تحقيقا مطولا حول هذه الأمور قالت فيه: حركة فتح قامت وحدها بتنظيم عدة مظاهرات, اما الانشطة الاخرى فقد بادر لها تحالف من المنظمات الفلسطينية, مكبرات الصوت فجرت الشوارع بأصوات هادرة تذكر بفترة الانتفاضة وأغاني التضامن مع لبنان. لاجئون طاعنون في السن ساروا ممسكين بمفاتيح بيوتهم التى يحتفظون بها من قراهم المدمرة أو كواشين الطابو. في المكاتب المغبرة تكدست بعد ذلك المواد الدعائية واللافتات ومن بينها شعار (لا سلام مع المستوطنات) . وماذا سيحدث اذا عاد عرفات مع اتفاق تفريطي؟ (عليه ألا يعود وان يبقى هناك) قال احد نشطاء فتح المركزيين وانفجر ضاحكا, هذا الضحك الذي تعالى عندما طلبت منه ذكر اسمه مع هذا الاقتباس. عدد قليل من الناس وصل للمشاركة في مسيرة اخرى من سلسلة المسيرات التي تنظمها (فتح) والى جانبهم فرقة من الصحفيين المخذولين. أين ملايينكم؟ سئل احد نشطاء (فتح) , (ينظفون البنادق) قال في تلميح مبطن. سخريته هذه كانت موجهة للطرفين: للاسرائيليين الذين يستعدون للتصعيد المحتمل ولحركته (فتح) التي لا تنجح في اخراج عدد كاف من الناس في الساعة الثانية عشرة ظهرا, المظاهرات التي نظمت في ساعات ما بعد الظهر اجتذبت اليها عددا اكبر من الناس. نشطاء (فتح) في منظمة رام الله طرحوا فكرة: جلب اجهزة فاكس للخيمة التي نصبت وسط المدينة والسماح للناس بإرسال رسائل تأييد وتحذير للوفد في كامب ديفيد. جهاز الفاكس لم يتوفر لأسباب فنية ولكن كان هناك من حرص على ان تخترق الرسالة جدار التعتيم والعزلة التي تحيط بالمفاوضين, وتشكل وزنا معادلا ومقابلا للضغوط القوية التي تمارسها الولايات المتحدة على ياسر عرفات حسب رأي الجميع. جمع التواقيع على عجل عريضة اخرى من بين العرائض الكثيرة نشرت الاحد الماضي في وسائل الاعلام الفلسطيني, هذه العريضة لم تنطو على مستجدات كثيرة: المبادىء الفلسطينية لحل الصراع طرحت في عشرات العرائض المشابهة, الأمر غير العادي في هذه العريضة هو ان المبادرين لها نجحوا خلال 48 ساعة في جمع آلاف التواقيع الفلسطينية في المناطق والشتات الفلسطيني. (انها للحظات حاسمة بالنسبة لمستقبل الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية) جاء في العريضة. (المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية تقترب من مرحلة الحسم, هناك ضغوط آخذة في التزايد تمارس من اجل فرض اتفاق جزئي قد يتجاهل حقوق شعبنا الوطنية وحقوقه الثابتة التي اعترفت بها الاسرة الدولية, في هذه الاثناء وفي الوقت الذي يتكشف فيه صلف وغطرسة اليمين الاسرائيلي وعدائه المتطرف للسلام امام العالم كله مشكلا اداة ضغط اخرى على الجانب الفلسطيني نؤكد نحن ابناء وبنات فلسطين في الوطن والشتات ما يلي: * نحن عاقدون العزم على التمسك بالحقوق الوطنية الفلسطينية التي تضمنتها القرارات الدولية والتمسك قبل كل شيء بحقنا في اقامة دولتنا المستقبلية الديمقراطية تحت السيادة الكاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة وشرقي القدس في حدود الرابع من يونيو 1967 والحفاظ على السيادة في اراضيها وحدودها ومصادر مياهها واقتصادها ومواردها الطبيعية. * اننا متمسكون بتأييدنا لقرار الامم المتحدة 194 وفي الوعود بحق العودة للاجئين الفلسطينيين الذين تمثل مشكلتهم جوهر القضية الفلسطينية. * شرقي القدس هو عاصمة الشعب الفلسطيني التي لا يتوجب استبدالها وعليها ان تكون تحت سيادة الدولة الفلسطينية. * كل المستوطنات الاسرائيلية الموجودة في الضفة وغزة وشرقي القدس غير شرعية, وكل محاولة لضمها مع الارض التي بنيت عليها هي خطوة غير شرعية. * كل حل لا يشمل هذه المبادىء التي تشكل الحد الادنى لاحلال السلام العادل والدائم في المنطقة والتي اعاد المجلس المركزي في منظمة التحرير التأكيد عليها لن يعمر طويلا ولن يكون ملزما للشعب الفلسطيني. * على كل اتفاق قد يتم التوصل اليه في كامب ديفيد ان يحصل على موافقة الشعب الفلسطيني من خلال الاستفتاء الشعبي الذي يشارك فيه كل الفلسطينيين ذلك لأنهم الطرف الشرعي الوحيد المخول بالتحديد ان كان الاتفاق يعبر عن حقوقه الوطنية أم يتنكر لها. للشعب الفلسطيني حق قول الكلمة الاخيرة في الامور الحاسمة المصيرية. الفلسطينيون برهنوا عن تأييدهم للسلام, ومع ذلك لن يقبلوا الاتفاقات الجزئية والمجزوءة التي تتجاوز حقوق الشعب الفلسطيني وحريته كبديل للسلام الحقيقي والدائم) . المستوطنات يقول جاد اسحاق الخبير الفلسطيني في شئون المياه والبيئة ان مساحة الضفة تبلغ 5840 كليومترا مربعا, الحسابات الاسرائيلية تخفض 186 كليومترا مربعا من مساحة البحر الميت و70 كيلومترا مربعا من القدس التي ألحقت باسرائيل و50 كيلومترا مربعا كانت منطقة معزولة قبل 1967. مساحة المستوطنات المبنية حسب دراسات المركز لا تشغل اكثر من 1.8% من مساحة الضفة, اما مساحتها البلدية فقد وسعت عدة اضعاف ومن الصعب الحصول على معطيات دقيقة حولها من الجهات الاسرائيلية. حتى اذا احتلت المستوطنات 2% فقط في آخر المطاف فلا شك لدى جاد اسحاق ان هذه الـ 2% تتمتع بأهمية استراتيجية وستؤثر على كل مجرى الحياة الفلسطينية وتعيق السيادة الفلسطينية مثل مسمار جحا الذي تركه في البيت الذي اجره. من الأجدر لاسرائيل حسب رأي اسحاق التي لم تحدد حدودها بعد ان تقبل اليوم التسوية المعروضة فلسطينيا والقائمة على حدود 1967 وقرارات الشرعية الدولية. والحدود الوحيدة التي اعترف بها دوليا هي الحدود التي حددها قرار التقسيم. دائما يمكن العودة لدول العالم واقتراح هذه الحدود اذا اشتكت اسرائيل من الاعلان الفلسطيني احادي الجانب عن الدول في حدود 1967 وشككت في حق السيادة الفلسطينية على هذه الارض. حتى اذا كانت معارضة دول العالم للمستوطنات مسموعة اليوم بصوت واهن ضعيف, هذا اذا صدر اصلا, الا ان اية دولة لم تعترف بضم اسرائيل للاراضي وبالمستوطنات. لست أعول على طيبة قلب اسرائيل وانما على فطنتها وحكمتها. ترحيل المستوطنين على حد قول جاد اسحاق لن يكون من الصعب اخلاء المستوطنين واعادتهم الى اسرائيل, فعددهم 350 الفا (بما فيهم شرقي القدس) بينما تم اسكان مليون مهاجر جديد خلال عدة سنوات. اسحاق يقترح اسكان اللاجئين الفلسطينيين الذين يرغبون في المستوطنات. وبذلك يتقلص الضرر البيئي لأن ازدواجية البنى التحتية ستنتهي في حينه. قطاع غزة لا يمكن ان يواصل بقاءه بدون علاقة مباشرة مع الضفة الغربية حسب رأي اسحاق, ولديه اقتراح ابسط من فكرة الجسر الذي يكلف 20 مليون دولار. وهو اعطاء اسرائيل للسلطة شريط ارض ضيق طوله 50 كيلومترا, وعرضه 100 متر يربط بين غزة وجنوبي الضفة, وقيمة هذه الأرض لن تكلف اكثر من مئة مليون دولار. جاد اسحاق يحذر من ان وجود فجوات لا تطاق بين المجتمعين الفلسطيني والاسرائيلي سيتسبب في حدوث انفجارات جديدة.