في نفس الوقت الذي تتواصل فيه المفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين في كامب ديفيد, كانت تدور مباحثات حول المشاكل الفلسطينية بمقر الجامعة العربية فيما عرف باجتماعات المشرفين على شئون فلسطين.. ولا تختلف هذه المباحثات كثيرا عما يدور في كامب ديفيد, ولكن الفارق بينهما ان مباحثات المشرفين تبحث عن حلول للواقع ومباحثات الكامب تبحث عن حلول للمستقبل, ولكن في كل الاحوال يربط بينهما البحث في الهم الفلسطيني وكيفية البحث عن حلول لأزمة شعب سواء كان الهدف الواقع أم المستقبل. خرجت العديد من الاشارات من مؤتمر المشرفين على شئون فلسطين في الدول العربية المضيفة, وكلها تصب في خانة تدعيم المفاوض الفلسطيني في كامب ديفيد, ولكن من ابرزها تبني التوجه المصري الذي اعلنه الرئيس المصري حسني مبارك ورئيس القمة العربية الحالية بالتضامن مع الموقف الفلسطيني في اعلان الدولة الفلسطينية في الوقت المناسب الذي تراه القيادة الفلسطينية, كما دعمت مباحثات مؤتمر المشرفين على الشئون الفلسطينية الموقف الذي اعلنته مصر ايضا حول القدس, وهي ان القدس لا تخص الفلسطينيين وحدهم, بل تخص الفلسطيني والعربي والمسلم والمسيحي على حد سواء, وبالتالي لا يحق للمفاوض الفلسطيني ان يتنازل عن اي شبر من القدس بدون الرجوع الى كل من له حق في القدس. وفي ظل هذه الاشارات فإن قضايا مهمة دارت حولها العديد من الحوارات داخل اروقة المؤتمر الذي يعقد جلستين كل عام للتداول حول المشاكل التي يعاني منها الفلسطيني سواء كان داخل الاراضي المحتلة او خارجها, ويشارك في هذا المؤتمر مندوبون عن الدول العربية المضيفة للشعب الفلسطيني وممثلون للأمم المتحدة ومنظمة غوث اللاجئين ومنظمة الصليب الأحمر. وقد دارت خلال الجلسات المفتوحة والمغلقة مباحثات ادارها السفير سعيد كمال الامين العام المساعد للجامعة العربية, تناولت تطورات الانتفاضة والممارسات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية, وقضية تراجع شركة (بير جركنج) الامريكية للوجبات السريعة عن تعهدها بإغلاق فرعها الذي افتتحته في مستوطنة معاليه ادوميم, وكذلك ناقش المؤتمر الصورة العامة للاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الاراضي الفلسطينية ومشكلة الموارد المالية والحالية المالية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الاونروا) بالاضافة الى تقرير مجلس الشئون التربوية لأبناء فلسطين. وقد سيطرت بعض القضايا على مجريات النقاش في الحوار داخل المؤتمر, ومثل ما هو متفاعل داخل اروقة كامب ديفيد فإن مشكلة المياه شغلت بال مؤتمر المشرفين حيث ان الموارد المالية الفلسطينية في حالة استنزاف دائم, وعبر عن هذا د. مروان حداد رئيس طاقم المياه الفلسطيني السابق, مشيرا الى ان الاسلوب الاسرائيلي الذي اتبع في السيطرة على الموارد المائية يعتمد على ضرورة السيطرة الفعلية على جميع الموارد المائية في فلسطين والاراضي التي تغذي هذه الموارد والتحكم في استخدامها, ولقد نفذت اسرائيل هذه السياسة, ففي عام 1967 احتلت اسرائيل الارض بما فيها مصادر مياه نهر الاردن وحصلت على 57% من المياه من الاراضي التي احتلتها, أي 35% من الضفة الغربية وروافد نهر الأردن و22% من هضبة الجولان وفي غزو لبنان عام 1982 استكملت السيطرة على نهر الليطاني وحولت مياهه الى الجليل عندما اعلنت على لسان خبيرها المائي توماس ناف عام 1990 (ان المياه في الاراضي العربية المحتلة باتت جزءا لا يتجزأ من اسرائيل وهو ما اكده بعد ذلك رئيس وزرائها الاسبق شيمون بيريز عندما اعتبر ان ازمة المياه في المنطقة ستكون اهم من النفط. وقد دعا نبيل الشريف وزير المياه والري الفلسطيني الدول العربية الى التنسيق وخصوصا دول الجوار في مفاوضات المياه, موضحا ان الفلسطينيين لم يأخذوا قطرة مياه واحدة من حصصهم من مياه نهر الاردن المقدرة لهم واستبعد اية مطالب اردنية بتعديل الاتفاق, وقال ان الاردن ظلم ونحن سنطالب اسرائيل بحقنا وهو 140 مليون مترمكعب وهي حقنا حسب مشروع جونستون الامريكي. وأكد ان المنطقة سوف تشهد ازمات طاحنة قريبا بسبب المياه ومتهما اسرائيل بالتعنت والمماطلة. وقال نحن نفاوض منذ مدة مع اسرائيل من اجل حفر بئر واحدة قرب منطقة جنين وحتى الآن لم نستطع الحصول على التصريح. معاناة عدم المساواة كما قال وزير المياه والري الفلسطيني ان المفاوضين الفلسطينيين طرحوا على الاسرائيليين جانبين: الأول هو تحقيق المساواة بين الفرد الفلسطيني والفرد الاسرائيلي في مياه الاستعمال الآدمي او ما يطلق عليه الاستخدام المحلي العام, والجانب الثاني: ضمان الامن الغذائي بتوفير المياه الكافية للزراعة, وان استهلاك الفرد الاسرائيلي في مجال الاستعمال الآدمي من مياه الشرب وغيرها نحو 105 أمتار مكعبة في السنة مقابل 35 مترا مكعبا للفلسطينيين حاليا, أما بالنسبة للزراعة فإن متوسط ما يحصل عليه الفرد الاسرائيلي يكفي لري 370 مترا مربعا مقابل 66 مترا للفلسطيني اي ان حصة الاسرائيلي ستة اضعاف ما يحصل عليه الفلسطيني. ولقد طالب الفلسطينيون بزيادة حصة ما يحصلون عليه باضافة 475 مليون متر مكعب بجانب 250 مليون متر مكعب يتم الاستفادة منها حاليا وذلك في الضفة الغربية وقطاع غزة معا. مطالب عدم الاقتصاد وأبرز المؤتمر بعضا من المعاناة الاقتصادية في ظل المعوقات الاسرائيلية والحركة الشطرنجية لاعادة الانتشار للجيش الاسرائيلي على رقعة الارض الفلسطينية, وقال محمد رشيد المستشار الاقتصادي للرئيس الفلسطيني ان السلطة في حاجة الى 40 ـ 50 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة لتأهيل الاقتصاد الفلسطيني, وفي حاجة الى 8 مليارات دولار على الاقل لبناء البنية التحتية الوطنية, كما ان الميزانية العامة للسلطة سوف تعاني من عجز سنوي خلال السنوات الخمس المقبلة يقدر بنحو 500 مليون دولار سنويا, ونوه الى تحمل السلطة الفلسطينية وحدها مسئولية مواجهة مشكلة البطالة وخلق نوع من الاستقرار الاجتماعي, وان هذا الوضع سوف يتفاقم على المدى القريب, وان السلطة في حاجة الى 1.5 مليار دولار امريكي لبناء صندوق التقاعد في السياسات والاستراتيجيات الادارية والحكومية للسنوات الخمس المقبلة, وان هذا الصندوق سوف يخفف العبء الاجتماعي للحكومة من جهة والعبء المعيشي عن المواطنين من جهة اخرى, وان السلطة بصدد مناقشة هذه النقاط مع المؤسسات الدولية. وقال ان السلطة تستعد حاليا لمواجهة مشكلة عودة النازحين بعد مراحل الاتفاق النهائي والذين يقدر عددهم بنحو 960 ألف مواطن فلسطيني, وانه تجرى مفاوضات مع البنك الدولي حول ترتيبات الاعداد لهذه المرحلة.