ذكرت أجهزة الأمن الاسرائيلية وفي مقدمتها الاستخبارات العسكرية لجيش الاحتلال ان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لن يقدم أي تنازلات حول القدس الا بعد (حرب الاستقلال) المتمثلة باندلاع المواجهات المسلحة بين الجانبين مرجحة ان يسارع بعدها لقبول بعض التنازلات. وقالت الاستخبارات في تقرير نشرته صحيفة (يديعوت احرونوت) ان المواجهات ستتواصل عدة شهور وتتطلب خطة اسرائيلية عسكرية اعلامية شاملة لمواجهتها. عتاد ثقيل على الظهر كبار قادة الجيش الاسرائيلي يتصرفون في الأيام الأخيرة وفقا لمقولة الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت المشهورة: (في الوضع الحالي يتوجب السير بخطى رقيقة لينة مع عتاد ثقيل على الظهر) , يتوجب تجنب تسخين الأجواء وفي ذات الوقت الاستعداد جيدا للمعركة والتوضيح للطرف الثاني انك على أهبة الاستعداد, لذلك حرص رئيس هيئة الأركان على التصريح بأنه يأمل أن تكون هناك امكانية بعد لتجنب المجابهة مع الفلسطينيين. وفي الوقت نفسه ترك قادة المناطق في جيش الاحتلال الانطباع عند وسائل الاعلام انه زاد وتيرة تحضيراته استعدادا للمجابهة المقبلة, ضبط النفس الذي تبديه رئاسة الاركان العامة ينبع من التعليمات التي أصدرها باراك بعدم عرقلة فرص التفاوض في كامب ديفيد وخلق اجواء قتالية وانتزاع أية ذريعة من الفلسطينيين للاشارة الى اسرائيل على انها تسعى لافتعال المجابهة وتتحمل مسئولياتها بالتالي. لهذه الأسباب ايضا امتنع الجيش في هذا الاسبوع عن تعزيز قواته في المناطق استعدادا للمواجهة المحتملة رغم تبلور اغلبية في اوساط قيادة جيش الدفاع والاذرع الاستخبارية (الشباك) و(أمان) للمقتنعين بأن عرفات لا يستطيع أن يسمح لنفسه بالتوصل لاتفاق مع اسرائيل حول انهاء الصراع من دون مجابهة عنيفة, ويؤيد هذا الموقف اطراف اسرائيلية أخرى موجودة في علاقة يومية مباشرة مع الفلسطينيين. عرفات كما يقدرون في جهاز الدفاع لا يستطيع التنازل عن مطالبه في القدس وعن حق العودة للاجئين بشكل عبثي في اطار المفاوضات السياسية, وهو لا يستطيع أن يسمح لنفسه بأن يكون أكثر تنازلا في المفاوضات من الرئيس المصري أنور السادات الذي حصل على كل سيناء ومن الرئيس السوري حافظ الأسد الذي مات من دون التنازل حتى عن عدة أمتار من خطوط يونيو, هذا إذا لم نتحدث عن اللبنانيين الذين يساومون حول كل متر في خط الحدود. رجال الاستخبارات الاسرائيليين يعتقدون ان عرفات يستطيع في ظل هذا الوضع ان يقنع مؤيديه بالموافقة على التسوية فقط من بعد حدوث مجابهة اخرى مع اسرائيل, في ذلك الحين سيكون بإمكانه أن يقول لشعبه: لقد قاتلنا وارقنا دمنا ودم اعدائنا مثلما فعل حزب الله في لبنان, وما سنحصل عليه الان من خلف طاولة المفاوضات هو الحد الاقصى الممكن في الظروف الحالية. بكلمات بسيطة عرفات يحتاج الى (حرب الاستقلال الفلسطينية) قبل ان يستطيع الجلوس من جديد من خلف طاولة المباحثات والتوصل للاتفاق, وسيكون لديه ما يعتمد عليه: المقربون منه سمعوه يتحدث في احيان كثيرة عن احترامه (لنموذج بن جوريون) الذي تنازل عن مناطق ووافق على تقسيم القدس في اتفاقات الهدنة بعد ان حصل اليهود على كل ما يستطيعونه في معارك 1948 ـ 1949. رغم ان هذا هو التقدير السائد الان في جهاز الدفاع الا ان ضباط رئاسة الاركان والاستخبارات يحذرون من التقرير بشكل مؤكد بأن الصدام الكبير والواسع النطاق مع الفلسطينيين اصبح الان مسألة لايمكن تجنبها, ومازالت هناك فرصة حسب رأيهم بان يستطيع الرئيس الامريكي ـ بواسطة الوعود بمساعدات اقتصادية واسعة النطاق للسلطة الفلسطينية والتهديد بمنع الاعتراف بالدولة الفلسطينية الى التنازل في المفاوضات. ولكن حينئذ ايضا يقول نفس القادة انه يتوقع حدوث مجابهة ما, المتطرفون في الجانبين سيفعلون كل ما في وسعهم لعرقلة الاتفاق: حماس والجهاد ومتطرفو فتح مقابل المتطرفين من المستوطنين الا ان المجابهة ستكون في هذه الحالة اقل حدة: السلطة الفلسطينية واسرائيل ستتعاونان من اجل تقليص احجام الارهاب والعنف. ما الذي سيحاول الفلسطينيون الحصول عليه حالة اللايقين لا تدور حول حدوث المجابهة او عدمها وانما حول موعد اندلاعها وماهي اساليب القتال التي سيلجأ اليها الفلسطينيون من اجل محاولة توقع ماذا سيحدث بتوجب تقدير ما الذي سيحاول الفلسطينيون الحصول علىه في مثل هذه المجابهة في كل واحد من الاوضاع الثلاثة التالية. * باراك وعرفات يعودان من كامب ديفيد باتفاقية اطار جزئية او كاملة, في مثل هذا الوضع يتوقع قيام حماس والجهاد بمساعدة اطراف اجنبية (حزب الله, ايران, وربما سوريا, والشتات الفلسطيني) القيام بعمليات تفجير كبيرة في داخل اسرائيل وفق ما يسمونه (العمليات الاستراتيجية) بهدف وقف العملية. في مخيمات اللاجئين ستحدث اضطرابات ومظاهرات حاشدة وربما ايضا مسيرات باتجاه المستوطنات ولكن في ظل هذا الوضع سيكون بامكان عرفات ان يعلن عن الدولة الفلسطينية بموافقة اسرائيل وكل دول العالم تقريبا بما فيها الولايات المتحدة وان يحصل على المساعدة الاقتصادية, لذلك ستكون له مصلحة في كبح اعمال الشغب ومواصلة تصديه العنيد للارهاب كما يحدث الان. في الطرف الاسرائيلي قد تنشب اعمال عنف الى جانب المظاهرات, جيش الاحتلال يخشى في هذه الحالة بالاساس مما يسمي (نموذج باروخ جولدشتاين) ويستعد لمثل هذا الوضع. * باراك وعرفات يعودان من كامب ديفيد مع اتفاق جزئي ومع اتفاق بمواصلة التفاوض, في مثل هذا الوضع لايتوقع حدوث مظاهرات فلسطينية وعمليات انقضاض هجومية على المستوطنات ولكن سيكون لدى المتطرفين من الطرفين دافعية مضاعفة لمحاولة عرقلة استمرارية العملية وسيتحركون بقوة ودأب اكبر, حماس والجهاد الاسلامي لن يتبعوا فقط اسلوب (الارهاب الاستراتيجي) وانما (الارهاب التكتيكي) ايضا اي خطف الجنود واطلاق النار على المستوطنين ووضع العبوات الجانبية الناسفة للقوافل الاسرائيلية (خاصة في غزة) ولسيارات المستوطنين والقنابل الحارقة. دولة في سبتمبر ـ نوفمبر الفلسطينيون لن يترددوا في خسارة عدد كبير من الضحايا في الارواح من اجل تحقيق هذا الهدف حسب تقارير الاستخبارات وهم يأملون في حالة اراقة الدماء بصورة كبيرة ان تتدخل الدول العربية الى جانبهم مثل مصر وسوريا والاردن وربما حزب الله ايضا بتشجيع من ايران, واذا لم يكن تدخلا مباشرا من قبلهم فعلى الاقل وضع قواتهم في حالة استعداد, الامر الذي سيلزم اسرائيل باستدعاء الاحتياط, وعندئذ ستتدخل الاسرة الدولية لمنع هذا التدهور. تقدير جيش الدفاع هو ان عرفات سيعلن عن الدولة من طرف واحد في سبتمبر ـ نوفمبر اذا لم يتم التوصل الى الاتفاق حتى ذلك الحين, العنف سيزداد فور وصول المفاوضات الى طريق مسدود التصعيد التدريجي سيشمل عمليات لحماس والجهاد اللتين ستتمعتان بالحبل الطويل الذي سيمده الامن الوقائي لهما.