يعتبر الدفاع ضد الصواريخ أحد المكونات الأساسية للعقيدة العسكرية الأمريكية طوال النصف الثانى من القرن العشرين ومازال, فالمسألة ليست مجرد موقف طارئ لإرادة الرئيس كلينتون وليست أيضا مجرد استعادة لمشروع (حرب النجوم) الذى طرحه الرئيس ريجان قد يعرف مصيرها مصيره, وتذهب فى طيات النسيان. وأدنى تتبع لسعى الولايات المتحدة من أجل حيازة التقنيات الملائمة للدفاع ضد الصواريخ, تشير وبسرعة الى أن الهدف القديم المتجدد والذى لا يتيح أقل من السيطرة على العالم. فمنذ تعرض لندن لأول صاروخ باليستى ألمانى (ف2) فى 1944م ومسألة الدفاع ضد الصواريخ على رأس أجندة البنتاجون, وطرحتها بصورة حادة تجربة أول صاروخ سوفييتي عابر للقارات فى العام ,56 حيث طرحت العسكرية الأمريكية على الفور ردا على هذه التجربة التاريخية برنامج (ديفندر) الذى استهدف نظاما مضادا للصواريخ قاعدته فى الفضاء أطلق عليه (بامبى), وصعوبات تنفيذه من الناحية التقنية والمالية لم تفرض اليأس بل فتحت الباب فى يوليو 62 لطرح نظام (نايك زوس) الذى اعتمدت فكرته الموجهة على امكان تدمير الصواريخ فى المرحلة النهائية من المسار, ولكن ردود الفعل السوفييتية التى نجحت فى التوصل إلى النظام (غالوش) الأكثر شهرة والذى حزم موسكو بالصواريخ المضادة للصواريخ جعل جهود العسكريين الأمريكيين تتجه لنظام أكثر شمولا يتيح الدفاع عن كامل الأراضى الأمريكية وهو النظام الذى عرف بنظام (سنتينايل) والذى الحق به مشروع سايفورد الذى هدف إلى حماية صوامع الصواريخ العابرة للقارات. ومع تشدد ردود أفعال موسكو, لم يكن أمام العسكرية الأمريكية من بد سوى التخلى مؤقتا (كما سيتضح لاحقا) والانسحاب من المباراة وقع الرئيسان نيكسون وبرجنيف فى مايو 72 فى موسكو, معاهدة الحد من أنظمة الصواريخ الباليستية وهى المعاهدة التى عرفت بـ ABM والتى تبحث ادارة كلينتون الآن مع بوتين امكانية تعديلها لتستوعب النشاط الأمريكى المباغت. ولم يمر سوى قرابة العقد حتى بادرت ادارة الرئيس رونالدريجان فى 83 بطرح المشروع الشديد الشهرة والذى عرف (بحرب النجوم) والذى استهدف نشر أنظمة مضادة للصواريخ فى الفضاء تستعمل الأسلحة العاملة بالطاقة الموجهة كالليزر والحزم الجزيئية القادرة على اعتراض مسارات الصواريخ المعادية وهو المشروع الذى تعرض للتخلى عنه بسرعة فائقة تحت ضغوط الاتحاد السوفيتى (السابق) واجواء الحرب البادرة, ويبدو أن هذه المحاولة الريجانية التى لاقت أشد القبول من جانب رئيس اشتهر بالميول الاستعراضية والحماس ضد (امبراطورية الشر) على ما كان يطبقه له من استعارة من فيلم حرب النجوم الذى انيط به ملء فراغ السبعينات من وجهة نظر الحكم الأمريكى المنشود هذه المحاولة كانت استغاثة مكشوفة من جانب المجمع العسكرى - الصناعى تحت وطأة بداية الأزمة الركودية الطابع التى استمرت فى ضر ب الاقتصاد الأمريكى على مدار عقد الثمانينيات بحثا عن الانتعاش من خلال الصناعات العسكرية. مع نهاية الحرب الباردة وانهيار المعسكر الاشتراكى فى مطلع التسعينات كان يبدو عسيرا على السياسيين الأمريكيين صدم الرأى العام العالمى الذى تنفس الصعداء بعد التخلص من شبح الحرب النووية, بإطلاق جديد لأنظمة دفاعية ضد الصواريخ, خصوصا وأن النظام العالمى الجديد كان يطرح عناصر متعددة يحتاج تكريس التوجهات الأمريكية تجاهها جهودا مكثفة. وعلى الأخص وأن عقد التسعينيات باقتصاده الجديد الذى تعبر عنه أسهم الناسداك والذى يشكل قرابة 25% من الاقتصاد الأمريكى, ساهم فى توفير انتعاش استثنائي للاقتصاد الأمريكى. وإذا كانت الادارات الأمريكية على مدار العقد الماضى قد نجحت فى فرض الهيمنة الأمريكية على كل الأصعدة على العالم أجمع من خلال التربع على قمة التفوق العسكرى والتفوق المعلوماتى والتقنى والاداء الاقتصادى المتميز. الا أن ذلك يبدو غير كافي لتلبية احتياجات (التفوق المعنوى) التى صارت تعانى منها الولايات المتحدة بصورة منذرة بالخطر جراء مايشوبها من ملامح عنصرية ولا يتاح للذاكرة ازاءها الا استدعاء المنطلقات العنصرية الأشد فجاجة (النازية والفاشية) ففى ليلة السبت 12 أكتوبر 99 انطلق من أحد جزر مارشال وبالتحديد من قاعدة أتول, صاروخ أمريكى مضاد للصواريخ ليعترض أو يدمر الصاروخ الاستراتيجى (مينوتمان) والذى أطلق طبعا بدون رأس نووى من قاعدة واندنبرج الجوية فى كاليفورنيا على ارتفاع 225 كم فوق سطح المحيط الهادى وبسرعة 26 ألف كم/ساعة. ولم يمض على ذلك سوى أسابيع حتى بادرت الادارة الأمريكية الراهنة بالاعلان عن نظامها الصاروخى المضاد للصاروخ والمطروح كمنظومة دولية تم دعوة اليابان وأوروبا الغربية وبلدان الخليج العربى للانضواء تحت راياتها. وأسابيع أخرى ويرفض الكونجرس الأمريكى صراحة وبصورة قاطعة معاهدة منع التجارب النووية, رغم ايعاز كلينتون بالموافقة عليها. وإذا كان هذا النشاط الأمريكى متسقا مع تاريخ العسكرية الأمريكية ولا يحتاج الى مبررات وحجج وذرائع, بل يطرح نفسه بصورة واضحة كالفاكهة التى كانت تحرمها الحرب الباردة. الا أن الحدود الفضائية غير المحدودة, والشمول الأرضى لجمع الحلفاء وتكتلات نظام القطبية الأحادية يبدو أنها تحتاج لمبرر خصوصا مع افتقاد (امبراطورية) واضحة للشر كما كان الأمر أيام حرب نجوم الرئيس ريجان. تتذرع السياسة الأمريكية بانتشار النشاط الصاروخى بصورة متسعة ومهددة وفى بلدان (مارقة) قى تعهد (حلفاء) اعتمدوا تاريخيا على الحماية الأمريكية كحالة اليابان وكوريا الجنوبية فى مواجهة النشاط الكورى الشمالى أو تايوان فى مواجهة النشاط الصينى أو منطقة الخليج فى مواجهة النشاط الايرانى, وهكذا ناهيك عن الاخطار العامة التى قد تنجم عن انتشار الصواريخ وتقنياتها فى بلدان صار لها برنامجها النووى كالهند وباكستان. أو بلدان صاروخية قريبة من الحدود الأمريكية كالأرجنتين والبرازيل أو بعض البلدان العربية التى قد تهدد اسرائيل الخ الخ. للوهلة الأولى قد تأخذ البعض وجاهة الحجة الأمريكية ولكن وكما يطرح المختصون فإن نظرة أعمق تثير على الفور أن هذه البلدان أولا: لا تطرح نفسها لمواجهة الولايات المتحدة على أرضها. ثانيا: أن معظمها دفاعى ولا ينوي الهجوم المتسرع على مواقع حساسة بالنسبة للقطب الأعظم كحالة منطقة الشرق الأوسط على وجه العموم. ثالثا: وهو الأ هم أن الصواريخ التى تمتلكها معظم هذه الدول قصيرة المدى نسبيا وتفتقر الى الدقة الى حدود كبيرة كما أن حجم رأسها الحربية صغير الأمر الذى يحتاج الى عدد كبير من الصواريخ لتحقيق هدف محدد كما أن معدل اطلاقها اليومى محدود. بالاضافة الى أن قدرة دول العالم الثالث على اختيار الأهداف المطلوب ضربها محدود للغاية نظرا لانها تفتقد الى نظام استطلاع متطور وبعيد المدى فى مقدوره تقديم معلومات آنية ولعل فى تجربة الاطلاق العراقى التى شهدت سقوط بعض الصواريخ على أطرافها, وفى تجربة الهند مع باكستان دليلا واضحا لما نود الاشارة اليه . رابعا: إن التطورات السياسية فى أكثر هذه البلدان (مروقا) من وجهة الأمريكية (كوريا الشمالية ايران) تشهد فى السنوات الأخيرة بل فى الشهور الأخيرة توجهات أقل تشددا أو يبدو مستقبل سياساتها أكثر اعتدالا. خامسا: إن أكثر البلدان المعرضة إذا جارينا التوقعات التبريرية الأمريكية للهجوم, ضعفا تحظى بالتواجد العسكرى الأمريكى المكثف (الخليج, كوريا الجنوبية). وإذا أضفنا الى هذه الاعتبارات ان المشروع الأمريكى لن يدشن فقط مرحلة جديدة من سباق التسلح بالمعنى المعهود بل سيدشن مرحلة جدية, مجنونة وشديدة الخطورة على مستقبل البشربة بل على كوكب الأرض, ستوفر بالقطع سيطرة أمريكية على العالم أجمع ولكنها قد تهدد أقسام كاملة من الكرة الأرضية بالابادة يتضح لنا على الفور ضعف هذا المبرر وتفاهته فالاشياء الكبيرة من هذا النوع التاريخى الصاخب تحتاج الى مبررات كبيرة من النوع التاريخى الوضاح ايضا. ويمكن الاشارة فى عجالة الى أخطر نتائج المشروع الأمريكى: أولا: ان سباق الأسلحة الفضائية سيكون غير قابل بالمرة للتقويم أو التغيير, فمراقبة رؤوس الصواريخ الفضائية مسألة جد مختلفة عن مراقبة الصواريخ البالستيه عابرة القارات المحتشدة فى صوامعها. والتى لا تحتل سوى شريط صغير فوق أو تحت سطح الأرض كانت اتفاقيات ستارت تسمح بالسيطرة عليه, فالصواريخ الفضائية التى سيجرى اطلاقها بسرية تامة بامكانها العمل على أى بعد عن الكرة الارضية وصولا لاجرام سماوية أخرى كالقمر وأن أعمار الأقمار الصناعية التى ستعمل بعد 22 ألف ميل عن سطح الأرض ستكون أطول بمالا يقاس من أعمار الصواريخ والقاذفات الأرضية. ثانيا: الوصول بالصراعات الى حدودها المتوترة المشحونة ستؤدى من خلال تفاعل (MIRVS) مع أشعة الليزر إلى أخطار غير مسبوقة من زاوية تعرض الضربة الأولى والتى ستتمكن من تدمير معظم أسلحة الخصم الفضائية قبل أن يتمكن من رد الفعل. ثالثا: تبديد عشرات البلايين من المليارات من الدولار تبدد الاقتصاديات العالمية الآن فى أمس الحاجة اليها وقرابة ثلثى البشرية يعانى من الجوع. ولكن المسألة لا يمكن أن تكون مجرد خطأ فى التقدير, فإن السياسة الأمريكية والعسكرية الأمريكية تدرك جيدا على مايبدو أين تضع خطاها وعلى أية حال, فإن صواريخ العالم الثالث يصعب اقناعنا بأنها السبب الرئيسى والدافع الأكثر أهمية خلف هذه التوجهات الأمريكية الحازمة نحو استعادة الوزن النسبى للمسألة العسكرية فى زمن الحرب البادرة والسعى نحو تجديد طبعة جديدة من الأخيرة. والأرجح أن قضايا من نوع مواجهة الميول نحو التكتل الاقليمى والمصالح الاكثر قومية والتى تعترض كعقبات نظام القطبية الأحادية وتهدد متانة مستقبله على صلة أوثق بالقضية المطروحة. فتأكيد القدرة على الحماية العسكرية والهيمنة العسكرية والتفوق العسكرى أكثر قدرة على تأييد السيطرة على ماتأمل الادارة الامريكية من قدرة الاقتصاد المحفوفة بالمخاطر والمحاصرة بالاعتراضات التى تقف خلفها المصالح المباشرة على مافضحت سياتل, رغم ازدهار التسعينيات ورغم قصب السبق فى مضمار الاقتصاد المعلوماتى أو الجديد. بل إن إثارة سباق تسلح جديد سيكون له مردود اقتصادى مباشر من زاوية تنشيط مبيعات سلاح المجمع العسكرى الصناعى الذى تسقط اشباحه بوضوح على هكذا توجهات صاروخية. ولن يقل ذلك عن رافد مهم لدعم المدى الزمنى للازدهار الاقتصادى الأمريكى غير المتوقف منذ بداية التسعينيات, رافد يمكن أن يساهم فى الحماية ضد أى تدهور مفاجئ فى أسهم الناسداك (الاقتصاد المعلوماتى) وبالمناسبة يمكن ادراج مشروع الجينوم فى هذا السباق وايديولوجيا فإن السيطرة على الفضاء عسكريا ومن خلال التسلح بالليزر وحزم الموجات الجزئية, من جانب الولايات المتحدة سيقطع الطريق على أى توجهات.. تسعى لصالح قومى أوروبى أو يابانى أو عالم ثالث. وعسكريا فإن تعميم وتوسيع وتطوير استخدام الليزر الفضائى المعتمد على شبكة أقمار صناعية راقية.. يمكن أن يوفر لأول مرة امكانيات عسكرية فعلية أمام البنتاجون لتحقيق مبدأ (الحفاظ على القوات) باعتباره انجيلا أمريكيا ويبتعد بهيبة القطب الأوحد عن فضائح المارينز فى لبنان أو فى الصومال ويمكن من استكمال المعارك الاقليمية على الوجه (المنشود), بعيدا عن البحث عن مبررات التوقف المنفوخة بالـ (CNN) كماجرى فى الخليج الثانية والبلقان حفاظا على القوات. فالعقدة الفيتنامية لدى الأمريكيين يبدو أن حلها متوقف على حل عقدة أكثر تعقيدا اسمها: الدفاع ضد الصواريخ وبلغة تقنيات الالفية الثالثة يبدو أن اسمها صار: السيطرة على فضاء الكرة الأرضية. بقلم - عدلي الهواري كاتب مصري