يأخذ المنطق العالمي الآن عاملين رئيسيين واضحين الاول مفهوم السيطرة بكل اشكالها لايجاد قطبية احادية, والثاني الوقوف في وجه تيار هذه القطبية بتنوع الاساليب والمحددات التي تراها الدول المقاومة لهذا الشكل من السيطرة واذا كانت الولايات المتحدة تسعى جاهدة لبسط نفوذها العالمي بأشكال مختلفة قد تبدو منطقية في لغة العولمة من سيطرة اقتصادية وسياسية وثقافية فإن هذه المنطقية تتجاوز حدودها اذا ما هددت البشرية بشكل مباشر وخاصة الدولتين العظميين. الصاروخ الداخلي الولايات المتحدة الامريكية تعيش الآن حالة من القلق الداخلي ليس فقط على المستوى العسكري بل حتى على المستوى السياسي وحالة القلق هذه تبدو نظريا مبررة فالصراع الانتخابي القائم الآن بين المرشحين الرئيسيين هو ظاهرة طبيعية ألفتها الولايات المتحدة ولكن هذه الدورة يبدو انها ستأخذ شكلا مختلفا شعاره الرئيسي (الاسلحة النووية ومضاداتها) فالرئيس الامريكي الحالي بيل كلينتون سعى سابقا للتخلص من اكبر عدد من الاسلحة النووية وخاصة خارج الولايات المتحدة!! وحتى بتوقيعه (ستارت 2) التي تخفض المخزون النووي الروسي والامريكي ولكن ومع ذلك فإن اللعبة كما يبدو خارج تفكير الشخصية الاولى في الولايات المتحدة فقد قال (جان نولان) المسئول الامريكي السابق لنظام توجيه الاسلحة: (بينما انصرف الرئيس بيل كلينتون للحديث عن مخاطر الاسلحة النووية انكب الفنيون في المخابر الوطنية على تجديد المخزون الاحتياطي للرؤوس النووية في البنتاجون وبشكل سري دون احترام اية اتفاقية في هذا المجال) . والواضح من خلال بعض التقارير السربة ان ذلك حقيقة فقد ورد ان وزارة الدفاع الامريكية تسعى لتطوير برنامجها النووي وادخال ستة آلاف رأس نووي جديد خلال السنوات العشر المقبلة وذلك من خلال مؤسساتها في (بانتيكس وواي 2 وكينساس سيتي) ومع هذا التوجه الذي يبدو صداما حقيقيا بين مجموعة السلطات الامريكية فإن هذا المنحنى قد تغير الآن واصبح الصدام الحقيقي صداما انتخابيا ظهر في المشروع الامريكي الاخير الذي يسعى لاقامة منظومة دفاع صاروخي ويتوضح ان البدء في هذا المشروع وفي هذه المرحلة بالذات هو دعم حقيقي للديمقراطيين ومحاولة للتفوق على الجمهوريين من خلال نظريتهم ومقولتهم الرئيسية التي تتجلى بإعادة فكرة الرئيس الاسبق رونالد ريجان تحت مقولة (حرب النجوم) حيث رصد انذاك حوالي 13 مليار دولار للدفاع ثم اطلق على الاتحاد السوفييتي السابق لقبا شهيرا هو (الشيطان الاكبر) رغم ان الحرب الباردة كانت تعني عمليا عدم المخاطر من اي جانب بالمغامرة في اطلاق اي صاروخ على الجانب الامريكي او الروسي ومن قبل الحكومتين. بوش الابن يعتقد الآن وفي رغبة قوية انه سينهي الحرب الباردة التي لا تزال قائمة برأيه, وسينهي ايضا حالة التهديد المتبادل او الالتزام المتبادل بمعاهدة نظام الدفاع الخاص بالصواريخ الباليستية واذا كان لا يعلن ذلك صراحة على معاهدة نظام الدفاع فإن رؤيته ومقولته تؤكد ذلك وعدم الاعلان الصريح هو تضليل حقيقي للشعب الامريكي والحكومة الروسية, ولكن ذلك يرتبط ايضا بمعاهدتي ستارت 1 وستارت 2 ومعاهدة (ABM) الموقعة عام 1972, وسريعا كان الرد الروسي حيث يبدو واضحا. وهذا الصراع الذي بدأ انتخابيا حيث تتجلى صوره في التجارب الاعتراضية واقامة منظومة الدفاع المضاد للصواريخ يبدو انه سيستمر الى ما بعد الانتخابات حين ينتقل الصراع من الداخل الى الخارج ليصبح التحدي حاملا ابعادا اخطر من برنامج انتخابي لهذا الحزب او ذاك. قلق الاعداء والاصدقاء يعتقد بأن الولايات المتحدة والاتحاد الروسي بانهما تخليا عن نظرية (التدمير الشامل المتبادل) التي ظهرت منذ الخمسينيات وهذاالاعتقاد جاء بشكل كبير بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 لكن معطيات الواقع تشير ان هذه النظرية ما زالت قائمة بل لعلها بدأت تشكل خطرا اكبر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي نتيجة تدهور الاوضاع الاقتصادية في روسيا وانتشار الفساد الذي خلفه الانهيار وبذلك اصبح الامن النووي الروسي في حالة غير مستقرة نسبيا او بشكل اوضح ليس كما كان ايام الاتحاد السوفييتي وامام التحرك الامريكي الاخير الذي يسعى الى صد هجمات الدول (المارقة) كما سمتها الادارة الامريكية فإن روسيا تحركت بشكل سريع للوقوف امام هذا المشروع كونه يشكل خطرا على الروس وخطرا يضاف الى اخطار التسلح النووي في العالم وبذلك فموسكو تسعى حاليا ليس للتحرك فقط بل لايجاد صيغة تضمن اتفاقية (ABM) المرهونة باتفاقيتي ستارت 1وستارت 2 والتوجه نحو ستارت 3 ولكن الولايات المتحدة الآن تتحرك باتجاهين مضادين الاول يدخل صلب الحملة الاعلامية للتخفيف من حدة الازمة التي يمكن ان يشكلها النظام الاعتراضي للصواريخ وذلك عبر تأكيدات البيت الابيض وعلى رأسهم كلينتون الذي قال: (يجب الا يساورهم (الروس) القلق من هذه القضية) ولكن هذه التأكيدات ترفضها موسكو وتهدد بالتخلي عن الاتفاقيات الخاصة بالاسلحة النووية مما يعني سباق تسلح روسي امريكي جديد. ولا يقتصر السباق بين روسيا وامريكا بل لعله سيمتد بشكل سريع الى معظم دول العالم ومناطق التوتر فيها بشكل خاص فالنظام الامريكي الجديد يعني تحركا صينيا وهذا التحرك مرتبط بقدرتها النووية الكبيرة اولا ومن ثم تنشيط العلاقات الروسية الصينية بشكل كبير. وهذه المشاورات هي بين الصين وروسيا بالطبع والخطير في الموضوع ان تحركا صينيا يعني تحركا هنديا باتجاه التسلح النووي وهذا سيؤدي الى معادلة اخرى تدخل فيها الباكستان باعتبارها العدو النووي الاول للهند وطبقا وامام هذا التوتر ستظهر قوى نووية جديدة يمكن ان تعم عبر آسيا واوروبا الشرقية وحتى انها من المتوقع ان تدخلها اليابان ولعل الموضوع الخطير هنا يأخذ منحنى مختلفا عن سباق التسلح النووي التقليدي فهو يهدد اولا الاستقرار الاستراتيجي في العالم اجمع وبلا استثناء فالمعاهدات ستلقى والاتفاقيات سيبطل مفعولها حتى اتفاقية خطر التجارب النووية ستكون معرض للانهيار امام السباق المحموم هذا الذي سيظهر في الغرب ايضا وتحديدا في مجموعة الثمانية فقد بدأت اخيرا تتحرك باتجاه الغرب ايضا وتحديدا في مجموعة الثمانية فقد بدأت اخيرا تتحرك باتجاه روسيا بعد ان فترت تلك العلاقة معها. في ازمتي كوسوفو والشيشان وهذا ما ظهر واضحا في الاجتماع الاخير لمجموعة الثماني في (ميازاكي) باليابان حيث شعرت الولايات المتحدة ان هذا الاتفاق موجه ضدها ولمناقشة مشروعها ان المشروع الامريكي الذي يهدف استراتيجيا الى نشر الاجهزة الرادارية مع الصواريخ المضادة حتى نهاية عام 2005 في جزيرة شيما في آلاسكا وتم اقامة قواعد لذلك كي يتسنى للولايات المتحدة ان تحمي نفسها (كما تدعي) من هجمات الدول المشبه بالخارجة عن القانون لابد ان يمر بشرطين رئيسيين لم يتحققا حتى الآن الاول موافقة موسكو ويعني هذا عمليا إلغاء الاتفاقية الخاصة بهذا النظام والموقعة عام 1972 وهذا بالطبع لن توافق عليه موسكو, والامر الثاني هو وضع هذا النوع من الصواريخ في الخدمة الفعلية والمعروف انه حتى الآن لم يحصل ذلك. والواقع ان الامر يبدو متداخلا فقد وقع الرئيسان الامريكي والروسي اثناء زيارة كلينتون لموسكو وثيقة حول الاستقرار الاستراتيجي تنص على تكثيف المحادثات حول معاهدة (ستارت 3) وعلى الالتزام بمعاهدة (ABM) المضادة للصواريخ اضافة الى الاتفاق على تدمير حوالي 68 طنا من مخزون الدولتين من (البلونونيوم) الخاص بالاسلحة النووية والغريب في الامر ان الولايات المتحدة بدأت تتحرك باتجاه نقض كل هذه الاتفاقات بشكل مباشر وصريح وكأنها تناستها بمجملها امام حملاتها الانتخابية مما اعطى صورة غير مستقرة للولايات المتحدة التي تسعى جاهدة ان تكون الطرف الوحيد في النظام العالمي الجديد ولكن هذه المرة من خلال قدرتها العسكرية المباشرة متناسية كل ما هو انساني وكل الشروط التي يمكن لها ان تؤدي الى تدمير العالم اذا ما عاد سباق التسلح ينمو مجددا وخاصة ان هذه الامكانية اصبحت متاحة بشكل اكبر من السابق وخاصة امام احتمال يقظة روسية كبيرة ونشطة في هذا المجال. بقلم: محمد احمد يوسف كاتب فلسطيني مقيم بدمشق