ما ان هدأت ثورة التسابق المحموم في انتاج الصواريخ العابرة للقارات والصواريخ المجنحة الحاملة للرؤوس النووية حتى ظهرت من جديد وبشكل مفاجىء نغمة البرنامج الوطني الامريكي المتمثل بانتاج الصواريخ المضادة للصواريخ من خلال اعلان الرئيس الديمقراطي الحالي بيل كلينتون عشية الانتخابات الرئاسية وليذكرنا او يعيدنا دون سابق انذار او سبب مقنع, الى بمرحلة الحرب الباردة التي انهكت دول العالم على كل المستويات والتي وصلت الى ذروتها سمي في حينه بحرب النجوم ميزه عن الرؤساء السابقين الذين تولوا منصب رئاسة الولايات المتحدة لكنه في بعده السياسي مشابها لبرنامج الرئيس كلينتون الحالي بحجة الحفاظ على الامن القومي الامريكي وتحالفات الولايات المتحدة على المستوى العالمي. وعلى ما يبدو ان مثل هذه البرامج ليست بريئة كما يحاول اصحابها تسويقها على المستوى العالمي بل تحمل جملة من الاهداف والغايات والدوافع على المستويين الداخلي والخارجي والتي دفعت بالرئيس العالمي بيل كلينتون للعودة الى مثل هذه البرامج. فعلى الصعيد الداخلي, ثمة تنافس قوي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على الاستحواذ على رضى البنتاجون ومجمع الصناعات الحربية الامريكية الذي يعتبر موازيا في قدراته وفعله الداخلي للكارتيلات المالية النفطية وغيرها من ذوات الاختصاص الموازي خاصة التصنيع المدني ان كان لجهة النفوذ السياسي والاقتصادي او لجهة كسب شريحة كبيرة جدا على المستوى الانتخابي اي انه صاحب تأثير وفعل قوي جدا بالنسبة للحياة الحزبية والسياسية الداخلية. بالاضافة الى حالة استرضاء من قبل الديمقراطيين لهذه الفئة من خلال توزيع رشاوي على اكثر من ألف شركة تصنيع عسكري تشترك بهذا المشروع خاصة واننا نعلم ان الولايات المتحدة الامريكية تعيش هذه الايام حالة انتعاش اقتصادي تمثل في فائض الموازنة وانعكس ذلك بشكل جلي وواضح على انخفاض مستوى الضريبة ناهيك عن ان هذه القضية ستطال جملة المستفيدين ايضا من بينها بعض المؤسسات المالية التي ستقدم خدماتها وتسهيلاتها لمثل هذا المشروع الصناعي الكبير والذي سيمنح ايضا لبعض الشركات التجارية نصيبا في تسويق بعض نتاجات هذا المشروع على مستوى السوق العالمية. دون ان نغفل سعي الحزب الديمقراطي المحموم, التأكيد على قدرته الخلاقة, في استنساخ وخلق مشاريع استراتيجية لا تقل عن المشاريع الاستراتيجية التسليحية التي قام بها الجمهوريون قبل نهاية الحرب الباردة مثل برنامج حرب النجوم الذي ميز الرئيس رولاند ريجان من بين العديد من الرؤساء الامريكيين كما اسلفنا اي ان كلينتون من خلال هذا المشروع اخذ بالحسبان فائدة هذا المشروع على المستوى الحزبي والشخصي والذي تمثل في رصف الطريق لزوجته هيلاري كلينتون التي ستصبح احدى اعضاء مجلس الشيوخ في الفترة المقبلة, على اقل تقدير بهدف بقاء نفوذه بعد نهاية ولايته الثانية. اما ما يخص الوضع الخارجي او الدولي فقد جمع كلينتون وهو الرجل البراجماتي والذكي ايضا خلاصة تجربة المؤسسة السياسية الامريكية, وأدرك بأن برنامج حرب النجوم اضافة الى المشكلات الكبيرة التي كان يعيشها الاتحاد السوفييتي السابق, كان سببا مباشرا في التعجيل بانهيار هذا النظام على المستوى العالمي. فاذا كان التسابق المصطنع في حرب النجوم الذي ترافق مع حمى الصواريخ قد كلف 16% من ميزانية الولايات المتحدة فقد كلف الروس ما معدله 55% لمواجهة مثل هذا المشروع, وغيره من المشاريع التسليحية. وعلى ما يبدو ايضا فإن كلينتون الذي شهد فترتين رئاسيتين عاصفتين بالمتغيرات الكونية والتجربة السياسية الغنية لا يقل قدرة على ادخال بعض المراكز القوية المنافسة للولايات المتحدة في العالم في مثل هذه المتاهة بهدف اضعافها والوصول بها في نهاية الامر الى حافة الافلاس الذي سيؤدي بالضرورة الى الحالة التي تعيشها روسيا راهنا. فقد دخل كلينتون منذ البداية بمشروعه بالتوجه الى الصين على اعتبارها احدى اكثر المراكز الموازية نسبيا وانها ما تزال عصية على الاختراق, والتخريب الداخلي, وان المحاولات الاولية كلها باءت بالفشل فلم تفلح الولايات المتحدة في جر الصين من خلال ما يسمى بالغات الى ذات المأزق الذي وقع به الروس بالاضافة الى ان الولايات المتحدة عجزت عن خلق مشكلات داخلية قد تحدث انقسامات حادة داخل المجتمع الصيني مثل مشكلة التبت وغيرها من مشكلات حقوق الانسان والديمقراطية. كما انها عجزت عن اثارة حالة من الحروب الجانبية التي كانت منتظرة بسبب المشكلات الحدودية مع بعض رابطة الدول المستقلة. بل بالعكس من ذلك فقد ادركت الصين وهذه الدول الآسيوية التي ما تزال تعيش حالة شراكة قوية مع روسيا مدى الخطورة التي تتهدد مستقبلها وتغلبت على جملة المشكلات التي كانت الولايات المتحدة تراهن على اثارتها بشكل او بآخر. كما راهنت وبكل وضوح على تايوان التي قد تجر الصين الى حرب غير محسوبة النتائج, مما يؤدي الى عزل الصين على المستوى الدولي ومن ثم يتسنى للولايات المتحدة فرض شروطها من خلال المؤسسات الدولية وغيرها اقلها فرض حالة حصار على الصين كمقدمة لفرط عقد وحدة الصين لكن كل هذه المحاولات ما تزال بعيدة المنال لذلك وجد كلينتون الطريق الاقرب الى تأزيم الصين ادخالها في حالة من التسابق المحموم مع الولايات المتحدة في منظومات صاروخية ذات تكاليف باهظة جدا, وهذا التسابق سيكون مفروضا بكل تأكيد على الصين لان هذه المنظومة ستنصب لحظة نجاح تجاربها على حدود الصين وبالتحديد في تايوان خاصة واننا نشهد هذه الايام صعودا كبيرا للنجم الصيني بعد انهيار النظام الاشتراكي وبروزه بشكل واضح على المستوى الاقتصادي اصبحت الصين محطا لانظار الكثير من دول العالم المنافسة للولايات المتحدة الامريكية وبالمقدمة منها الدول الاوروبية التي تبدي حرصا كبيرا على اقامة علاقات مميزة مع الصين والتي ظهرت في جملة من الاتفاقيات التجارية بين الطرفين دون الرجوع الى المرجعية السياسية ـ الامنية والاقتصادية المتمثلة بالولايات المتحدة ومن الملاحظ ان الرئيس كلينتون اخر الاعلان عن مشروعه في اللحظة التي تأكد فيها ان الصين قد شرعت بشكل فعلي في انتاجها للأسلحة الاستراتيجية حيث اعلنت بكين بشكل مفاجىء يوم 15 يونيو 1999 عن انتاجها القنبلة النيترونية القادرة على ابادة العرق البشري دون المساس بالمنشآت. بالاضافة الى تجربة الصاروخ (دونج فنج 31) التي اعلنت عنها الصين الشعبية انطلاقا من حالة التحدي والتنافس التي اصبحت ترتسم معالمها هذه الايام بين واشنطن وبكين سعيا لاغراقها في مشاريع تسليحية جديدة, وبرامج واسعة النطاق قد تودي بمستقبل الصين مثلما اودت حرب النجوم بالاتحاد السوفييتي السابق واخرجته من دائرة الفعل العالمي انطلاقا من ان الصين بدوامة سباق التسلح ستكون بكل تأكيد مقدمة لقطع الطريق على التحالفات التي نشأت حديثا بينها وبين روسيا وبعض دول المحيط الجغرافي حتى على المستوى الاقتصادي والتي ستكون لحظتها تعيش حالة من الانهاك فبدلا من ترتيب علاقاتها وتوسيعها ستشهد بعض الازمات الحادة وقد تكون المدمرة. بالاضافة الى ذلك اشهار سيف القوة في وجه اوروبا التي تعيش هاجس الوحدة من خلال النشاط الكبير الذي تبديه فرنسا والمانيا والتي بدأت تنذر هذه الحركة القوية والجادة بعزل استطالتها الاوروبية والمتمثلة ببريطانيا والتي ستخلق حالة مواجهة قوية على اقل تقدير على المستوى الاقتصادي خاصة واننا ما نزال نسمع النغمة التي تصف اوروبا بالعملاق الاقتصادي والقزم العسكري. لكنها رغم ذلك, الولايات المتحدة, ستدخل اوروبا من خلال حلف شمالي الاطلسي الى ذات الدوامة على اعتبار ان هناك قوى عالمية ممثلة بالصين وغيرها اصبحت تؤثر على مستقبل الحلف وعلى المصالح المشتركة للعالم الحر ولا يوجد بدائل عن الانخراط في مثل هذه المشاريع وبهذا ستكون الولايات المتحدة قد ضربت كل الاطراف كما يقال في حجر واحد وادخلت الاطراف الدولية في حمى سباق التسلح بما في ذلك روسيا التي تئن من وطأة الازمات المستفحلة والتي ما تزال حتى هذه اللحظة عصية على الحل هذا ما تفترضه الولايات المتحدة من مشروعها لكن السؤال الى اي مدى ستبقى الولايات المتحدة قادرة على ضبط الامور والسيطرة عليها؟ الواقع ان طرح المشروع بحد ذاته يعتبر قفزة في الهواء وغير مضمون النتائج لأن مثل هكذا خطوة ستضع العالم كافة مرة اخرى على فوهة بركان وستعيد الى الاذهان ضرورة عودة انتشار انظمة الدفاع والهجوم النووية التي كانت قائمة على ذات المبدأ في مرحلة ماكان يسمى بالحرب الباردة وسيوضع العالم على حافة الهاوية وسيعود العالم مرة اخرى الى حالة مبهمة في تحديد او حساب ميزان القوى لانه سيكون اشد تعقيدا بعد ان دخلت الى النادي النووي دول جديدة واخرى لم يعلن عن انتمائها بشكل رسمي وسيعيش العالم بأسره حالة من عدم التوازن في قوة الرعب على الاقل فيما يخص القدرة النووية وملحقاتها المتمثلة بالصواريخ الباليستية والصواريخ المجنحة العابرة للقارات والحاملة للرؤوس النووية وهذا البرنامج سيعطي المبررات الكافية للعديد من الدول في العالم بأن تعمل على انتاج ما يمكن انتاجه من اسلحة التدمير الشامل والصواريخ الباليستية بحجة الامن الوطني او القومي وسيفتح شهية الاقوياء على خوض حروب اقليمية كانت قد حجمت في وقت سابق بهدف كسب ما يمكن كسبه من مغانم واما في ما يقوله البعض عن استحالة نجاح التجربة فالمهم ليس النجاح او الفشل بقدر ما ان الاعلان من قبل اكبر دولة على المستوى العالمي قد اعطي الشرعية لمثل هذه المشاريع التي لن تحمل الى العالم سوى الحروب المدمرة والمستقبل الغامض للبشرية جمعاء. بقلم: عبدالكريم محمد كاتب فلسطيني مقيم بدمشق