في تقرير مطول لصحيفة (هآرتس) العبرية ورد ان الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لتأسيس صندوق دولي لتعويض اللاجئين برأسمال قدره ستة مليارات دولار مستبعداً التقرير هذا ان يصل حجم التعويض إلى 40 مليارا كما تروج له بعض الأوساط لاغراء اللاجئين بالتوطين فيما أعرب التقرير عن مخاوف اقدام لبنان على طرد اللاجئين فور إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة. ابتدأ تقرير الصحيفة بالقول ان الادارة الأمريكية لم تعرف كيف ترد على النبأ الذي خرج من الأسواق والقائل انه سيطلب تعويضا ملائما مقابل سنوات استضافة اللاجئين الفلسطينيين على أرضه. يقول دبلوماسي امريكي يتضح فجأة ان قضية اللاجئين كانت في آخر المطاف برنامج توفير طويل المدى للدول المستضيفة, وهذه الدول مثل الأردن ولبنان تشعر على ما يبدو أن برنامج التوفير قد نضج وأن الآوان قد حان لسحبه من داخل الخزينة الأمريكية تحديداً) . هذا الكلام ليس دقيقاً تماما لان بعض اعضاء البرلمان الاردني كانوا قد اقترحوا قبل عشرة أيام مصادرة نصف رأس مال اللاجئين الذين يعيشون في الأردن من أجل تمويل النفقات الحكومية عليهم, ولكن ما يثير الاهتمام ليس مطلب تعويض الحكومة ذاته وانما المبلغ الذي يجري الحديث عنه, وهو 40 مليار دولار. كيف ولد هذا المبلغ؟ في الاردن مثلما في السلطة الفلسطينية يعتمدون على حكاية لا يعرف مصدرها ومفادها ان الدول المانحة وخصوصا الولايات المتحدة ستجند 100 مليار دولار كصندوق لتعويض واعادة توطين اللاجئين, من هنا تشتق باقي المعطيات, مثلاً أجروا حسابات ووجدوا انه اذا اتفق على ان مجموع اللاجئين الفلسطينيين في العالم يصل إلى خمسة ملايين نسمة فهذا يعني ان كل لاجئ سيحصل على 20 ألف دولار, وبما انه يوجد في الأردن مليوني لاجئ فان العملية الحسابية البسيطة ستدخل لجيوبهم مبلغ 4 مليارات دولار. ولكن هؤلاء الذين يجرون هذه الحسابات يعرفون ان المصدر الأساسي ايضا ـ 100 مليار دولار ـ وعدد اللاجئين الفلسطينيين هو أرقام نظرية, هذا اذا لم نقل انها غير واقعية, ولهذا السبب اتخذت نظرية الارقام انعطافة مثيرة للاهتمام, اذ ان أية دولة لن توافق على دفع هذا المبلغ الخرافي, ولذلك علينا ان ندرك ان كل قضية التعويضات مجرد غطاء لخدعة سياسية كتب أحد الصحفيين الاردنيين انهم (أي اسرائيل والأمريكيين) يسعون لرسم الانطباع عند اللاجئين بأنهم سيحصلون عما قريب على مبالغ ضخمة وسيكون بامكانهم اعادة بناء حياتهم والتأهل والعيش حياة كريمة, وبذلك يحرفون انظارهم عن الاتفاق الذي سيمس في آخر المطاف بحقهم في العودة إلى وطنهم) . مراحل في نظرية التعويض ايضا في السلطة الفلسطينية يتحدثون عن مبلغ يقترب من 40 مليار دولار, ولكن الفلسطينيين خلافا للأردن يتحدثون عن أسعار كانت قد تقررت حسب ادعائهم منذ الخمسينيات, أحد الأبحاث الحديثة حول قضية التعويضات أجري في جامعة بيت لحم على يد الدكتور مناويل حساسيان, وهو يتحدث عن عدة مراحل في نظرية التعويضات التي تحددت مبادئها في القرار 194 الصادر عام 1948. هذا القرار يتحدث عن حق اللاجئين في العودة إلى وطنهم أو التعويض لمن لا يرغبون به, الدراسة ترتكز على مصدرين أساسيين, الخارطة الانتدابية من عام 1921 وجمع المعطيات حول الممتلكات الفلسطينية كما سجل في ملفات الأمم المتحدة خصوصاً في الخمسينيات. بناء على هذه المعطيات تقرر الدراسة ان قيمة الاملاك المفقودة التي انتقلت للملكية الاسرائيلية تصل الى 7.6 مليارات دولار حسب مقاييس الخمسينيات, حساسيان يقرر ان قيمة هذه الممتلكات تضاعفت ثلاث مرات في السبعينيات وقفزت إلى أربعة أضعاف في الثمانينيات, ومن هنا يصل مجموع التعويضات التي يستحقها الفلسطينيون الى 35 مليار دولار, وفي هذه المعطيات يدخل الاثاث التالف وحيوانات السخرة التي قتلت والبيوت طبعا والساحات والاراضي الزراعية والمصانع حيث يوجد لكل نوع من هذه الانواع سعر خاص به. الدراسة تذكر بخطط ومشاريع الحلول التي طرحت خلال السنين منذ مشروع الرئيس ايزنهاور بالعودة التدريجية للاجئين ـ 300 ألف خلال أربع سنوات, مرورا بسايروس فانس وهنري كيسنجر التي رفض بعضها من قبل اسرائيل والبعض الآخر رفض من قبل الجامعة العربية التي أصرت على عودة كل اللاجئين الى وطنهم قبل التوقيع الى اتفاق سلام مع اسرائيل, الا ان المبلغ الذي تطرحه الدراسة الفلسطينية لا يستجيب هو الآخر لكل المطلب الفلسطيني بالتعويض. باحث فلسطيني من جامعة بيرزيت يقول ان (المبلغ أكبر من ذلك لان دراسة حساسيان لا تتطرق لتعويض من لم يكن لديهم أية أملاك, وحتى إذا وافقنا على قيمة الأملاك الضائعة التي تقوم اسرائيل باستغلال قسم منها الآن فما زال هناك بند المعاناة الطويلة التي ما زال اللاجئون الفلسطينيون يتكبدونها في الشتات وفي مناطق السلطة الفلسطينية, فمن الذي سيعوض هؤلاء عن تلك السنوات الطويلة, وهل يستحق التعويض فقط من كان لديه حمار أو بغل) . وعندما يدور الحديث عن هذه التعويضات يرتفع مبلغ التعويضات المطلوبة ويتنامى إلى أحجام غير واقعية, مقابل هذه التعويضات الكبيرة يتحدث الاقتراح الأمريكي الأخير عن انشاء صندوق دولي يصل حجمه الى ستة مليارات تقوم الولايات المتحدة والدول الصناعية بدفع مليارين منها بينما تدفع الدول العربية المنتجة للنفط الاربعة الأخرى. المبلغ الذي سيجمع في هذا الصندوق سيكرس للتعويض ولمساعدة اللاجئين في التوطن والتأهيل في الدول التي يقيمون فيها اليوم, ولكن منذ أن صعد إلى الهواء مصطلح (اعادة توطين اللاجئين) اتضحت ايضا درجة المعارضة العربية لمجرد طرح هذه الفكرة, لبنان أعلن بشكل صريح عن انه سيعارض توطين وتجنيس الـ 350 ألف لاجئ الذين يعيشون على أراضيه, سوريا قالت انها تؤيد موقف لبنان وان اللاجئين يجب أن يعودوا إلى ديارهم, الأردن صرح على لسان رئيس وزرائه الجديد علي أبو الراغب بشكل صريح بأنه لن يوافق على استيعاب المزيد من اللاجئين الفلسطينيين على اراضيه والدول العربية الأخرى لم تتطرق بالمرة إلى الاقتراح لانها تعتقد انه لا يمسها. سياسة الطرد والابعاد الاستطلاعات التي أجرتها السلطة الفلسطينية تظهر ان 9% فقط من اللاجئين الذين شملتهم الدراسات مستعدون للحصول على التعويض والتنازل بذلك عن حقهم في العودة (ولكن حتى إذا كان عددهم في الاستطلاعات أكبر بخمسة أضعاف فنحن نواجه مشكلة خطيرة) يقول الباحث الفلسطيني في اللحظة التي سنعلن فيها عن الدولة الفلسطينية, وحتى إذا لم تعترف اسرائيل بحق العودة سيكون بامكان دول عربية مثل لبنان ان تطبق سياسة الطرد, وستقول هذه الدول للاجئين الفلسطينيين ان عليهم ان يكلفوا خاطرهم ويتفضلوا بحمل متاعهم والعودة الى الدولة الفلسطينية التي شكلت, الدولة الفلسطينية كممثلة شرعية ورسمية للشعب الفلسطيني ستضطر الى مواجهة اسرائيل وحدها في قضية تطبيق حق العودة, لست أخشى من عدم تمكننا من استيعاب مليون أو مليوني فلسطيني آخرين, وأنا افترض انه سيكون هناك من يمد يد المساعدة لنا ولكن المشكلة في الأساس ستكون مشكلة اجتماعية قد تضر بالنسيج الاجتماعي السكاني, أولئك الذين سينتقلون للسكن في فلسطين سيبقون لاجئين في الواقع ولكن على أرض فلسطين هذه المرة تماما مثل اللاجئين الذين يسكنون معنا منذ عام 1948.