تقارير "البيان" ، الفلسطينيون يستسلمون للتوطين والأردنيون يخشون الوطن البديل استأثرت قمة منتجع كامب ديفيد المنعقدة في واشنطن على اهتمام بالغ من قبل الأردنيين بشكل عام, والأردنيين من اصل فلسطيني بشكل خاص, ويرجع هذا الاهتمام إلى أن الموضوعات المطروحة في هذه القمة تتعلق بمستقبلهم ليس السياسي والاقتصادي وحسب, بل والاجتماعي أيضا. فمن جهتهم يرى الأردنيون من أصول شرق النهر انه إذا ما رضخ الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات للضغوط الأمريكية والإسرائيلية المتصلة بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم وهم في الحقيقة لا يراهنون كثيرا عليه فان ذلك يعني توطين اللاجئين الفلسطينيين الذي يعد الأردن اكبر مستضيف لهم حيث يبلغ عدد هؤلاء نصف عدد سكان المملكة. وتوطين هؤلاء في الأردن واعتبارهم أردنيين فقط وليسوا لاجئين ينتظرون الحل لقضيتهم سيدفع بالكثير من السياسات الأردنية إلى التغيير لتنسجم مع الواقع الجديد, وهذا التغيير سيفقد الأردنيون من أصول شرق النهر امتيازات حافظوا عليها منذ زمن طويل, على مختلف الصعد السياسية والإدارية وغيرها, بحكم اختلاف الخريطة الداخلية للمملكة المتعلقة بتعريف من هو المواطن الأردني. قمة منتجع كامب ديفيد أعادت إلى أذهان تلك الشريحة من الأردنيين التهديد القديم المتعلق بحل قضية اللاجئين الفلسطينيين على حساب الأراضي الأردنية فيما يعرف بالوطن البديل الذي يصر على رفضه كل الأردنيين بشتى أصولهم ومنابتهم. وهذا ما بدا واضحا في مداخلات أعضاء مجلس النواب الأردني في ردهم على البيان الوزاري لحكومة أبو الراغب مؤخرا فالكل اجمع على مصيرية حق العودة بل إن أحدهم وصل به الأمر إلى التلويح بالمقاومة الأردنية المسلحة إذا ما حاول البعض تمرير التوطين أو معالجة حق العودة على حساب الدولة الأردنية. إسرائيل والتي كانت أول من تبنى فكرة التلويح بالوطن البديل للفلسطينيين في الأردن لتخويف الأردنيين من وجود الفلسطينيين المسلحين على أراضي الأردن يوم كانت المقاومة الفلسطينية المسلحة تتخذ من الحدود الأردنية الفلسطينية منطلقا لها في عملياتها ضد المحتل الإسرائيلي تتخذ موقفا واضحا من هذه القضية عبر إعلانها عن خطوطها الحمراء. وتعليقا على ما جرى تحت قبة البرلمان الأردني عندما رفض النواب فكرة التوطين اكتفى أحد المسئولين الإسرائيليين بالابتسام بسخرية , وقال: إن الذين تحدثوا عن فكرة التوطين أشخاص لهم مصالح شخصية وهم يرفضون فكرة المساواة والعدل السياسي على هذا الأساس. يبدو أن هذا التعليق في غاية الحكمة, لولا أن قائله مسئول إسرائيلي. فما الذي تريده إسرائيل ؟ الحل الذي ستوافق عليه إسرائيل هو بقاء حال اللاجئين على ما هو عليه دون تغيير مع ضرورة مع احتمالية قبولها (بإعادة انتشارهم ) من جديد, ولكن ليس على حسابها هي. أما فيما يتعلق باللاجئين الفلسطينيين المقيمين في الأردن فانه يظهر على هذه الشريحة من الأردنيين التشاؤم من طبيعة حل قضيتهم, ويشير هؤلاء إلى أن ما اعتادوا عليه من أداء للسلطة الوطنية الفلسطينية يؤكد بان المستقبل لا يحمل لهم الكثير من الوعود. من حيث المؤشرات التي تتحدث عن أن الرئيس الأمريكي بل كلينتون يمارس ضغوطا قاسية على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ووفده المفاوض لانتزاع المزيد من التنازلات لصالح (نجاح القمة) من وجهة النظر الأمريكية فان اللاجئين الفلسطينيين في الأردن كما غيرهم تدربوا على سماعها منذ عهد أوسلو حتى اصبح الكثير منهم يتبنى الرأي القائل بأنه لن يتم التوصل إلى اتفاقية سلام فلسطينية إسرائيلية بدون إيجاد صيغة حل مقبولة من قبل الطرف الإسرائيلي المتشدد, وهو الأمر الذي يعني بطبيعة الحال ضياع حقهم في العودة من خلال إسقاط هذا الحق في متاهات المفاوضات المارثونية طويلة الأمد, ومن ثم تمييع المطالبة بهذا الحق واغتياله نهائيا. يقول أبو عبد الله محمد شحادة أحد لاجئي مخيم اربد (شمال المملكة ) انه إذا كنا قد نسينا مدننا في أراضي الـ 48 مثل حيفا وعكا ويافا فليس من الصعب علينا أن ننسى باقي حقوقنا, وان من يصور على أساس كونه من المحال قبوله سيكون في الغد ممكنا أو على الأقل مطروحا للنقاش ومن ثم سيأتي بعد غد ليكون أمرا واقعا سنرضى بوجوده. نموذج آخر من نماذج اللاجىء الفلسطيني في الأردن التي يرفض حتى مجرد الحديث عن ما يسمونه خيانة الوطن وشهدائه, ومن هؤلاء الحاجة هيجر رضوان التي لم تمل من حض أبنائها على رفض أي (فلس) من أموال هذه التعويضات فهو مال حرام, بل إنها تغلظ عليهم الأيمان بأنهم إن فعلوا ذلك وباعوا أرضهم لليهود فإنها ستغضب عليهم في قبرها. وتضيف بلهجتها الفلسطينية التي رفضت التخلي عنها: كيف سأواجه زوجي حين أقول له أن أولادك باعوا بيت محسير (إحدى قرى القدس). زوجها الذي بقي طوال حياته يحلم بالعودة إلى قريته والموت فيها إلا انه مات في الخمسين من عمره ودفن في إحدى مقابر مخيم البقعة أحد المخيمات الفلسطينية الأشد بؤسا. الدكتور صبحي غوشة رئيس ندوة القدس التي تشرف عليها الهيئات المقدسية في عمان يؤكد بان هناك شعورا من عدم المبالاة يشعر به الأردنيون من الأصول الفلسطينية, ويشير إلى أن هذا الشعور نابع من عدة أسباب أهمها عدم الثقة بما يجري وبالقائمين عليه. ويقول: على سبيل المثال فإننا نرى أن اهتمام هذه الشريحة من الفلسطينيين بالمفاوضات الجارية الآن في منتجع كامب ديفيد ليس بالاهتمام الذي اعتدنا عليه, فهؤلاء يرون أن أمامهم المزيد من التنازلات الفلسطينية التي اعتادوا عليها رغم تأكيد القيادة الفلسطينية بأنه لا تنازل. ويرى غوشة ان اللاجىء الفلسطيني كما المواطن العربي تعرض لعمليات غسيل مخ استمرت مدة طويلة حتى اصبح من اليسير عليه السكوت على ما يجري, مشيرا الى ان هناك نوعا من الاغتراب يشعر به اللاجئ جراء كل الضربات التي وقعت عليه وكان آخرها الهزيمة الساحقة التي مني بها نتيجة الاجتياح العراقي للكويت وما تلاها من تداعيات أصبحت لا تهدد هويته السياسية فقط بل والثقافية أيضا. وبين أمله في العودة إلى وطنه وشعوره بان هناك من يدفع هذا الحلم إلى الذوبان يسكن اللاجئ الفلسطيني ليس في الأردن فقط بل وفي باقي دول العالم ينتظر حلا عادلا لقضيته. عمان ـ لقمان اسكندر