اقل من شهرين هي الفترة الزمنية التي تفصلنا عن الثالث عشر من سبتمبر, وهو موعد استحقاق اعلان الدولة الفلسطينية كما حدده المجلس المركزي الفلسطيني مؤخراً باعتبار ان هذا التاريخ هو نهاية المرحلة الانتقالية. واذا اخذنا بعين الاعتبار ان اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة تعد الهدف النهائي لاتفاقيات اوسلو الموقعة قبل سبع سنوات, وان اقامة هذه الدولة تعتبر بعد حل قضاياها المرحلة النهائية نهاية فعلية تقريباً, وان الهامش الزمني القصير المتبقي أمام المفاوضين من الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي يجب ان يكرس فقط لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق النهائي المنتظر. حصاد هزيل والحقيقة الصادمة هنا اننا اذا استعرضنا بشكل دقيق ما تم تنفيذه وترجمته فعلياً على الأرض منذ توقيع اتفاقيات اوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الإسرائيلي عام 1993, نرى انه ورغم مضي هذه الاعوام السبعة, فان ما تم تنفيذه من الاتفاقيات الفلسطينية الإسرائيلية لا يزال أقل من المستوى المطلوب حتى بالنسبة للمرحلة الانتقالية التي تم تمديدها اصلاً, بسبب سياسة المماطلة الإسرائيلية المتعمدة والتهرب الإسرائيلي الواضح من الالتزامات التي تفرضها على الكيان الصهيوني عملية التسوية التي اعتمدت قراري مجلس الأمن 242 و338, ومبدأ الأرض مقابل السلام اساساً للمفاوضات بين العرب و(إسرائيل) . فالمراحل الثلاث لاعادة الانتشار الإسرائيلي والتي تقضي بانسحاب القوات الإسرائيلية المحتلة من معظم مناطق الضفة الغربية وغزة, والتي اراد لها الفلسطينيون ان تشكل الأساس الجغرافي للدولة الفلسطينية, لم تكتمل بعد وما انسحبت منه إسرائيل يقل عن نصف الأراضي الفلسطينية التي يتم التفاوض بشأنها, وهي اراض كما هو معروف تساوي خمس مساحة فلسطين التاريخية تقريباً. وهذا يعني ان الأساس الجغرافي المطلوب لاقامة الدولة الفلسطينية حسب عملية التسوية لم يصل بعد إلى حده الادنى, ناهيك عن فقدان الاتصال الجغرافي بين المناطق التي انسحبت منها قوات الاحتلال وبقاء المناطق التي تخضع للسلطة الفلسطينية مبعثرة بشكل يصعب حتى رسم معالمها وحدودها الجغرافية, وتحولها بحسب الوضع الحالي إلى ما يشبه المعازل. زد على ذلك استمرار النشاط الاستيطاني في الاراضي الفلسطينية واصرار الحكومات الإسرائيلية التي تعاقبت منذ عام 1993 على اللاءات الإسرائيلية المعروفة تحت ذريعة الأمن الإسرائيلي, والتي كررها باراك قبل توجهه إلى كامب ديفيد للمشاركة في القمة التي جمعته مع رئيس السلطة الفلسطينية برعاية أمريكية, لا بل ذهب الحد بالإسرائيليين الى الادعاء بأن القرار 242 لا ينطبق على المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية, الامر الذي يعني عميا تنصلا اسرائيليا كاملا من الاسس التي قامت عليها العملية السلمية. والحقيقة ان موقف الاسرائيليين هذا ناجم عن الخلل الكبير في ميزان القوة الذي يميل لصالحهم مقابل الطرف الفلسطيني الاضعف, بالاضافة إلى عدم جدية الراعي الأمريكي في ممارسة أي ضغوط فعلية على الإسرائيليين كما يفعل دائماً مع الطرف الفلسطيني الذي قدم بالأساس تنازلات مؤلمة جداً تجاوزت الخطوط الحمراء الفلسطينية, واثارت خلافات حادة داخل البيت الفلسطيني الذي اضحى بعد السنوات السبع من تجربة المفاوضات مع العدو الإسرائيلي بحاجة ماسة إلى الترميم والترتيب من جديد بشكل يعيد للقرار السياسي الفلسطيني قوته الشعبية التي لابد منها في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها القضية الفلسطينية. فرص النجاح واذا كانت الدولة الفلسطينية المستقلة على هذا الجزء البسيط من فلسطين تشكل جزءاً من الأمل الفلسطيني والحلم الوطني الذي حمله الشعب الفلسطيني بهدف البدء في اعادة بناء الهوية الفلسطينية التي مزقتها اعوام التشرد والاغتراب والعذاب الطويل الذي عانى منه الفلسطينيون, الا ان الاقدام على اعلان الدولة الفلسطينية أمر يشك في مدى نجاعته, ما لم تعمل القيادة الفلسطينية على تهيئة الشروط والاجواء الكفيلة بمقاومة التهديدات الإسرائيلية العلنية الكثيرة ومنها التهديد بضم الاجزاء التي لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية من الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الكيان الإسرائيلي, أو اعادة احتلال مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية, خاصة وان التهديدات الإسرائيلية ليست بالونات اختبار كما يعتقد البعض وانما تعبر عن حقيقة النوايا الإسرائيلية, حيث ترافقت هذه التهديدات بتمرينات ومناورات عسكرية سواء قبالة ساحل غزة أو في مناطق الضفة الغربية. وما يجب التنبيه اليه هنا هو ان القيادة الفلسطينية ستكون خلال الاسابيع القليلة القادمة عرضة للمزيد من الضغوطات الإسرائيلية والأمريكية على السواء. فالرئيس الأمريكي الذي تشرف ولايته على الانتهاء يريد ان يسجل انتصاراً سياسياً في اواخر عهده يساعده على الادعاء بانه حقق معجزة كبيرة, وهو بالتأكيد سيختار الطرف الاضعف لاقناعه بقبول شروط الطرف القوي في المعادلة, لاسيما وان المفاوض الفلسطيني يقف الآن وحيداً في غياب اي تنسيق عربي جماعي. أما بالنسبة للإسرائيليين فانهم بالتأكيد سيسعون للاستفادة من ضآلة الهامش الزمني أمام الإدارة الأمريكية بسبب اقتراب الانتخابات الرئاسية, وذلك من خلال ممارسة المزيد من المماطلة والتسويف بغية كسب الوقت وتعطيل أي مسعى فلسطيني طموح لتجسيد الدولة الفلسطينية بشكل فعلي على الأرض. ومن هنا تبدو فرص احتمال التوصل إلى حل نهائي يرضي الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي أقل بكثير من احتمالات انفجار الوضع ووقوع الصدام بينهما, وهو أمر يبدو ان القيادة الفلسطينية باتت تدركه جيداً بعد تجربتها القاسية في المفاوضات, مما دفعها إلى توجيه الدعوة لكل الفصائل الفلسطينية للمشاركة في محادثات كامب ديفيد بغية وضع هذه الفصائل أمام مسئولياتها في مرحلة تعرف القيادة الفلسطينية مدى خطورتها وحساسيتها. حساسية المرحلة واذا كانت بعض التنظيمات الفلسطينية قد وافقت على المشاركة في هذه المحادثات في حين رفضتها تنظيمات أخرى لها حضورها السياسي الفاعل كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين, الا ان هذا الخلاف في الرأي يجب الا يكون ابداً سبباً في شق الصف الفلسطيني. وانما على جميع الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية الفاعلة ان تدرك حساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى هاوية التناحر السياسي الفلسطيني الفلسطيني, لان مرحلة ما بعد إعلان الدولة اذا ما تم ذلك ستكون بالتأكيد أكثر خطورة من المراحل التي سبقتها, وذلك لأسباب كثيرة أهمها ان الكيان الصهيوني يريد دولة فلسطينية يفصلها بحسب المقاسات الإسرائيلية, تحت ذريعة ما يسمى بالمصالح الأمنية الإسرائيلية, بينما يريد الفلسطينيون دولة تجسد شيئاً من طموحاتهم الوطنية وتكون اساساً لاعادة بناء المجتمع الفلسطيني الذي هدمه العدوان الصهيوني, وهنا تكمن العقدة الحقيقية في عملية التسوية. وخلاصة القول ان القيادة الفلسطينية التي تراجعت اكثر من مرة عن وعود قطعتها على نفسها باعلان الدولة الفلسطينية, بسبب مجموعة الظروف المحيطة بها أو النصائح التي قدمها هذا الطرف أو ذاك من اجل تأجيل الإعلان لافساح المجال أمام اتفاق فلسطيني إسرائيلي مسبق, تجد نفسها الآن أمام تحد كبير قد يؤثر بالتأكيد, في حال تراجعها مرة أخرى عن إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة, على مدى مصداقيتها أمام الجماهير الفلسطينية بالاضافة إلى ما قد يخلفه هذا التراجع من احباط جديد للشعب الفلسطيني, سواء داخل أو خارج الأراضي الفلسطينية. وهذا الاحباط أو حالة اليأس التي قد تنجم عن رضوخ القيادة الفلسطينية للضغوط من جديد أو تقديمها تنازلات جديدة أو أي مقايضة بينها وبين (إسرائيل) , من شأنها توتير الاجواء داخل الشارع الفلسطيني الذي بدأ يتململ بسبب عدم التوصل إلى حل عادل ومنصف لملايين الفلسطينيين الذين يعيشون في الشتات, وغياب أي مشروع حل واضح بشأن مدينة القدس العربية بما تعنيه من ابعاد فلسطينية وعربية وإسلامية. ناهيك عن حالة الاحتقان المستمرة التي تسببها المستوطنات اليهودية المنتشرة في الأراضي الفلسطينية. ان كل المؤشرات تقود إلى حتمية المواجهة بين الفلسطينيين وعدوهم التاريخي, وعدم استعداد الفلسطينيين لمثل هذه المواجهة ستكون لها عواقب وخيمة على القضية الفلسطينية قد يمتد تأثيرها إلى اجيال قادمة. بقلم: نبيل سالم كاتب وإعلامي فلسطيني