سواء أعلن ياسر عرفات بيان تدشين الدولة التي طالت لحظة ميلادها, أو تراجع في الربع ساعة الأخيرة من ليل 13 سبتمبر ـ بفعل التهديدات والضغوط أو حتى الرجاءات ـ فإن المشهد في الضفة والقطاع لن تطرأ عليه تغيرات جذرية فيما يتعلق بوضع ازدواجية السلطة الفلسطينية/ الاسرائيلية الجاثم ـ فعليا ـ فوق الصدور, لمجرد طلوع شمس يوم جديد, حتى وإن كان اليوم الموعود بميلاد الدولة/ الحلم, بل ان الأكثر من ذلك أن كسوفا مفاجئا, يمكن يتوقف المدى الزمني لاستمرار هذه الحال على ثلاثة عوامل بشكل أساسي هي: (أ) ممارسات الاحتلال الاسرائيلي المدعوم أمريكيا. (ب) ضغوط السلطة الفلسطينية على الداخل مقابل تنازلها مع الخارج. (جـ) وضعية التردي العربي العام (ألا يعد عدم التئام مؤسسة القمة مؤشرا؟). ولايمكن تصور أن قراءة بيان (تجسيد) الدولة الذي سوف يلقيه عرفات ـ إذا ألقاه ـ أمام الميكروفونات وعدسات التصوير يمكن أن يمحو الآثار السلبية لهذه العوامل, والتي تكرس المشهد القائم, سواء أكان بيان عرفات باتفاق مسبق مع اسرائيل, أو بارادة فلسطينية منفردة, من ثم فإن الطريق يصبح ممهدا لقيام انتفاضة جديدة في مواجهة الممارسات الاسرائيلية, بل والكثير من ممارسات السلطة الفلسطينية ذاتها والواقع العربي برمته! الاعلان المستفز على الأرجح فإن اندلاع المواجهات في الأراضي الفلسطينية, لن يكون مرهونا باعلان الدولة من جانب واحد, وتنفيذ خطة ـ أو تهديدات ـ ايهود باراك للرد على اعلان الدولة, بضم أراض فلسطينية, واحتلال بعض المناطق, وقطع الاتصالات مع العالم الخارجي, بل إن الشروط التي يقبل بها عرفات اليوم أو غدا ـ أو قبل غروب شمس 12 سبتمبر ـ ليكون اعلان الدولة على الجانبين, ربما تكون الأكثر استفزازا للشارع الفلسطيني, مما يدفع الى انتفاضة غير محسوبة النطاق والمدى بالنسبة لكل الأطراف. هكذا, فإن الانتفاضة باتت الاحتمال الأكثر ترجيحا, في ظل الخيارات المطروحة, ومع الاصرار الاسرائيلي على الفوز بكل شئ: السلام, الأرض, الأمن, مقابل دولة مقطعة الأوصال, مكبلة, منقوصة السيادة! وبمعنى آخر فإن الاجتياح الدبلوماسي الاسرائيلي المدجج لابد وأن يدفع باتجاه اعتماد آلية نضالية شعبية (لفرملة) الاندفاع السلطوي نحو الهاوية, ربما تفيق اسرائيل التي استمرأت معادلة (كل شيء مقابل لا شيء) , وتقلع عن هواية فرض حكم (الجنرال يأس) على الشعب الفلسطيني. والأمر لا يتعلق بتمنيات أو أوهام, إذ أن استطلاعا قد أجري في مطلع يوليو الجاري أكد على تشاؤم نحو 60% من الفلسطينيين, وتشككهم في امكانية التوصل لاتفاق سلام نهائي مع اسرائيل قبل 13 سبتمبر, واستبعد 52% اعلان عرفات للدولة في الموعد المستهدف, وذهب ثلث المشاركين في الاستطلاع الى ضرورة اللجوء الى أساليب غير التفاوض كالمواجهات والمقاومة, إذا لم يتم التوصل الى اتفاق, وأظهر الاستطلاع تراجعا في الثقة بالقيادة الفلسطينية بنسبة مقارنة للمطالبين باعتماد المقاومة اسلوبا للتعامل مع اسرائيل. الدلالة التي تحملها نتائج الاستطلاع واضحة, قطاع عريض في الشارع الفلسطيني لم يعد مستعدا لتحمل المزيد من المناورات من قبيل محاولة تهيئة النفوس لامكانية تأجيل اعلان الدولة مرة أخرى, حتى وإن كان ذلك في مدى زمني لا يتجاوز نهاية العام ,2000 أو القبول ـ تكتيكيا ـ بالتنازل عن بعض الثوابت ليأتي المولود مشوها! وبغض النظر عن الدلالة التي يتضمنها الاستطلاع, فإن معطيات الواقع سواء على الجانب الفلسطيني, أو الجانب الاسرائيلي, والعلاقة الجدلية بينهما تقود الى ذات التوقع: انتفاضة جديدة على الأرجح, وإن كانت ذات سمات مختلفة من الطبيعي أن تستفيد من دروس وحصاد التجربة ـ أو التجارب ـ السابقة, إلا أن التفاعلات والمستجدات المحيطة سوف تكون حاكمة ومؤخرة لحركتها ومداها ونتائجها. مؤشرات فلسطينية على الجانب الفلسطيني يمكن رصد عدة مؤشرات في هذا الاتجاه على النحو التالي: 1ـ مقاطعة بعض الفصائل المعارضة بالخارج ـ وهي ذات امتدادات داخلية ـ بالاضافة الى حركة المقاومة الاسلامية (حماس) والجهاد الاسلامي, لأعمال المجلس المركزي الذي فوض القيادة في تحديد اعلان الدولة, وذهب بعض اعضائه الى أن الموعد غير مقدس! كما لم يشر عرفات في كلمته أمام المجلس الى أنه سيتم الاعلان عن الدولة في 13 سبتمبر! 2ـ تهديد (حماس) باشعال الأراضي الفلسطينية نارا تحرق الاسرائيليين إذا حاولوا مهاجمة المناطق الفلسطينية, والذي جاء على لسان الزعيم الروحي للحركة الشيخ أحمد ياسين, مؤكدا أن اسرائيل لاتفهم إلا لغة القوة, وأنها ستجد مرارة بالغة إذا حاولت اعادة الكرة للسيطرة على الشعب الفلسطيني, وأنها ستحسب ألف حساب إذا وجدت أن الطرف الآخر يفكر بطريقة مماثلة لطريقتها في استخدام القوة كسلاح وحيد. 3ـ تحذير مئة شخصية فلسطينية بارزة ـ معظمهم من معارضي عرفات ـ في بيان حاد اللهجة, من تقديم أي تنازلات لاسرائيل خشية أن يؤدي ذلك الى حرب أهلية, مطالبين برفض الضغوط الامريكية/ الاسرائيلية, وعدم توقيع أي اتفاق يتضمن تنازلات (منعا للفتنة بين الفلسطينيين) . 4ـ حاولت رموز السلطة ـ وفي المقدمة عرفات ـ التناغم مع نبض الشارع والأصوات المعارضة, فأشار عرفات لاسرائيل ـ أكثر من مرة ـ الى نموذج المقاومة اللبنانية القابل للتكرار, ولوح الوزير حسن عصفور بـ (البديل الكفاحي, وليس استمرار الوضع القائم في اطار الهيمنة الاسرائيلية) , وحذر الوزير عماد الفالوجي من (رد فلسطيني قوي وشديد وصعب, إذا قامت اسرائيل بحماقة) ثم تأكيد أحمد عبدالرحمن أمين مجلس الوزراء الى أن (المستوطنين سيضطرون الى الخروج بالقوة إذا لم يغادروا الأراضي الفلسطينية المحتلة طواعية) . 5ـ على أن المؤشر الذي يستوقف أي مراقب هو مشاركة الشرطة الفلسطينية في تشييع جنازة أحد أبطال العمليات الانتحارية أعادت اسرائيل رفاته في نهاية يونيو الماضي, واطلاق 21 طلقة تحية للشهيد, وهذا الموقف الذي يعد الأول من نوعه يحمل رسالة واضحة لاسرائيل مفادها أن السلطة الفلسطينية على استعداد لدعم نهج المقاومة المسلحة إذا استدعت الضرورة. 6ـ التوقعات الفلسطينية بأن تحمل المرحلة المقبلة معاناة للشعب الفلسطيني تتمثل في حصار اقتصادي, وتشكيك, وحرب تدمير معنوي في محاولة لاستكمال حلقات الابتزاز ـ كما جاء على لسان عثمان أبوغريبة مستشار عرفات وغيره من المسئولين والمعارضين ـ تعني أن ثمة ضغوطا سوف تمارسها اسرائيل, ولايمكن تصور غض الطرف عنها, أو محاولة ضبط النفس تجاهها, طالما أن العائد المتوقع للصبر والانتظار لايزيد كثيرا عن الصفر. 7ـ وأخيرا, فإن التقارير التي تسربت عن نية عرفات لاعتزال العمل السياسي بعد اعلان الدولة, لابد وأن تفتح الباب أمام الهواجس التي تصاحب الرغبة في التغيير الجذري, وإذا كانت آليات التغيير السلمي غير ناضجة في ظل النظام القائم, من ناحية, كما أن استمرار الوضعية الحالية أقرب الى المستحيل, فإن انتفاضة جديدة يمكن أن تكون الاطار الجبهوي ـ الأكثر ملاءمة ـ والذي يستطيع تجاوز التقسيمات الفكرية والتنظيمية, والخلاف بين الداخل والخارج, في لحظة تاريخية تتطلب أعلى درجات الوحدة الوطنية لانجاز حل اشكالية الربط بين الهدف الاستراتيجي, والهدف المرحلي فيما تتوافق عليه الارداة الفلسطينية الجماعية. (لاءات) .. وخطوط حمراء أما على الجانب الاسرائيلي, فإن المؤشرات التي تدفع الى صواب الاعتقاد بأن المواجهة آتية لاريب, يمكن الاشارة الى أهمها: 1ـ هناك (لاءات باراك الخمسة) أو الخطوط الحمراء التي حدد فيها تصوره النهائي لحل دائم مع الفلسطينيين, وهي أن لا لانسحاب اسرائيل الى حدود ,67 لا لعودة اللاجئين الى ديارهم, لا لوجود (جيش أجنبي) غربي نهر الأردن, وأن القدس سوف تبقى عاصمة اسرائيل الموحدة الأبدية, وأخيرا فإن المستوطنين سيبقون تحت السيادة الاسرائيلية في اطار كتل استيطانية ضخمة. 2ـ إن الخريطة التي قدمها باراك للحل النهائي تقطع أوصال الدولة الفلسطينية المرتقبة, وتحولها الى جزر معزولة ـ والأصوب محاصرة ومهددة ـ ووفقا لهذه الخريطة سوف يكون هناك ثلاث كتل فلسطينية كبيرة, تتخللها كتلتان استيطانيتان, ومناطق تخضع لسيطرة اسرائيلية مؤقتة, حيث يتم تسليمها الى الفلسطينيين في المستقبل (الذي لايعلمه إلا الله!) على أن تبحث قضايا التسوية الدائمة مكانة القدس ووضع المستوطنات واللاجئين بعد عدة سنوات!! 3ـ من ثم فإن (لاءات باراك) وخريطته يترجمان الاستراتيجية الاسرائيلية القائمة على التعنت, واستغلال عنصر الزمن والضغط, واستعراض العضلات, وفرض الأمر الواقع بالارهاب, فضلا عن التسويف, وافتعال الأزمات, وتبادل الادوار بين الأحزاب والقوى السياسية بصقورها وحمائمها ـ إن كان هناك أي حمائم في الأصل ـ وتعتمد تلك الاستراتيجية على التخاذل الفلسطيني والعربي من ناحية, والمساندة الأمريكية ـ بلا حدود ـ مقابل غياب الدور الدولي الفاعل من ناحية أخرى. 4ـ تسريب مصادر اسرائيلية لتوقعات بشأن حدوث مواجهات مع الفلسطينيين قبل اعلان الدولة سعيا لتحقيق مكاسب من خلال الاحتكاك بالقوات الاسرائيلية, ومن ثم فإن الفلسطينيين سوف يحاولون تنظيم مسيرات باتجاه مواقع الجيش الاسرائيلي والمستوطنات على النحو الذي سبق وأن أثبت نجاحا في جنوب لبنان, وفي مواجهة ذلك فإن الجيش الاسرائيلي أعد عدته لاحتواء الموقف والسيطرة على تداعياته المحتملة. 5ـ تواصل اسرائيل ـ بالفعل ـ تعزيزاتها العسكرية في العديد من المواقع بالضفة والقطاع, ولم تخف السلطات هذه التحركات التي امتدت لتشمل جميع المستوطنات البالغ عددها نحو 150 مستوطنة, وضمن التعزيزات آليات عديدة من التي استخدمت في محاولات قمع الانتفاضة ـ في السابق ـ بزعم أن تلك الاجراءات ضرورية لردع التصعيد الفلسطيني المرتقب. 6ـ تصعد اسرائيل سيناريو المواجهة المتوقعة الى حد الحديث عن امكانية اندلاع حرب اسرائيلية/ فلسطينية محدودة, أو بتعبير قائد منطقة الضفة الغربية (أنا آخذ بالحسبان أن تطلب مني في سبتمبر حرب صغيرة هنا!) ويعني ذلك أن تهديد باراك بضم أجزاء كبيرة من الأراضي الفلسطينية سوف تقود الى مواجهة عسكرية حتمية. انفلات العنف وأخيرا, فإنه فيما يتعلق بالجدل الناشئ من التصعيد على الجانبين, والذي اتخذ شكل التراشق الاعلامي والسياسي العنيف, واطلاق بالونات اختبار حينا, والاستعدادات الميدانية حينا ثانيا, والحرب النفسية حينا آخر, في اطار تزايد وتيرة التهديدات المتبادلة, يصبح التساؤل الأكثر الحاحا هو: اعلان الدولة أم الانتفاضة.. أيهما يسبق الآخر؟ من الصعب تحديد اجابة قاطعة, ويجانب الصواب من يستبعد أي سيناريو لا يتضمن تحول المواجهات ـ المحدودة أو الواسعة ـ الى انتفاضة جديدة, ليتحول قرار (العنف المحسوب) الى صراع مفتوح, وربما كان تخوف اسرائيل من هذا المشهد ـ بالذات ـ في اطار أي سيناريو, يعود بالأساس الى أن ذلك سوف يصب في خانة المصالح الفلسطينية ـ مع التضحيات الكبيرة في الأرواح والممتلكات ـ إذ أن ذلك يؤدي الى توحيد القوى, ورأب الصدع بين القيادة والجماهير, ويضع العالم أمام مسئولياتهم بوضوح. كما أن مشهد الانتفاضة المخيم على سيناريوهات المستقبل يدفع اسرائيل ـ ومن خلفها الولايات المتحدة الى موازنة حاسمة بين (فاتورة) السلام واستحقاقاته, وثمن استمرار الصراع وتضحياته, وإلى حد ما فإن التعاطي مع الأمر على هذا النحو يعالج ـ جزئيا ـ بعض الاختلالات الاستراتيجية القائمة, والتي تفاقم من المأزق الذي يعد استمراره فتحا لأبواب الجحيم, ولايعني فقط مزيدا من الخسائر للفلسطينيين, لكنه يعني على نحو أخطر جبهة استنزاف باهظة التكاليف في قلب اسرائيل. الحل التاريخي والعادل سوف تصهره بوتقة انتفاضة جديدة تواجه الاحتلال, والتخاذل, والفوضى, لأن الدولة ليست علما, ونشيدا, ومطارا تمتد على أرضه سجادة حمراء, لكنها قبل ذلك وبعده شعب وأرض وسيادة حقيقية, وقوة تستطيع أن تحمي, وأن تدفع العدوان. من ثم فإن الشعار الذي رفعه الشارع الفلسطيني مؤكدا (أن من يمثل الفلسطينيين يجب أن يلتزم بالمقاومة) لابد وأن يكون له صدى على الأرض التي خضبتها الدماء عبر مسيرة شاقة عمرها نحو قرن من الزمان. بقلم: علاء عبدالوهاب كاتب مصري