ينظر العديد من الفلسطينيين والعرب الى ان خطوة اعلان الدولة الفلسطينية على الاجواء التي انسحبت منها قوات الاحتلال الاسرائيلي هي الحل الامثل للرد على المماطلة والتسويف وخطوة باتجاه فرض الامر الواقع على الغطرسة التي يمارسها ايهود باراك وتحالفه اليميني الرافض لتنفيذ المرحلة الثالثة من الانسحاب والاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للفلسطينيين وتكريس حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم التي طردوا منها في عام 1948. بل يذهبون بالقول الى ابعد من ذلك باعتبارها خطوة على طريق التحرر والانعتاق من الشروط الاسرائيلية المذلة والمجحفة خاصة الشروط الامنية التي تعتبر المطلب النهائي الاسرائيلي والتي تجعل المؤسسات الفلسطينية هي الطرف المعني اولا واخيرا. كما يتعلق بأمن الحدود الاسرائيلية والمستوطنات. ناهيك عن انهم بدأوا يدركون ان من حق الشعب الفلسطيني كما كل شعوب الارض اقامة دولته على ترابه الوطني, خاصة وان هذه الخطوة تحمل صراعا بالاضافة الى الصراع العربي ـ الاسرائيلي بين هويتين: هوية فلسطينية اكتسبت سماتها منذ آلاف السنين وباتت عصية على الذوبان والتلاشي, وهوية طارئة متمثلة بالاحتلال الاسرائيلي لا تزال تعاني الكثير من الاخفاقات, رغم عوامل القوة والقدرة التي تمتلكها ورغم النجاحات التي حققتها على مدى اكثر من قرن من الزمن. تكبيل اسرائيل ويرى اصحاب هذا التوجه انه اذا ما قيض للهوية الفلسطينية ان تتمثل على ارض الواقع ستحد, بكل ما تحمله الكلمة من معنى الاندفاعة القوية التي تتمثل بتهويد ليس الارض بل والسكان الاصليين لهذه الارض وستخلق عقبات واشكالات كبيرة في طريق تشكل هذه الهوية الطارئة والقلقة في آن معا. متكئين بذلك الى ان اقامة الدولة الفلسطينية بالاضافة الى ما سبق ستحد من تحقق الاهداف الاساسية التي انطلق منها حملة المشروع الصهيوني والذين كانوا ولا يزالون يعتبرون ان تهويد الارض والسكان واقامة الدولة اليهودية فيما يسمى بيهودا والسامرة هو تحقيق لهذه الاهداف الدينية السامية والتي لا تزال ايضا احد اهم عوامل الاستقطاب بالنسبة لجزء كبير من يهود العالم. منطلقين في فهمهم وهنا من ان الدولة الفلسطينية ستقوم على ذات الارض التي يعتبرها الطرف الآخر احد اهم المرتكزات الاساسية التي سيقوم عليها مشروعه اللاهوتي. بمعنى آخر هم ينطلقون من تثليم احلام الايديولوجية, والحد من تأثيرها على جموع اليهود في العالم التي ينطلق منها الآخر, واظهار المشروع على انه احد نتاجات العقل الاوروبي وافرازاته الاستعمارية في مرحلة ماضية وليس باعتبار ما هو قائم اليوم يمثل دولة اليهود, كما يعممها البعض الاسرائيلي في ادبياته على المستوى الداخلي والخارجي. وبقيام الدولة الفلسطينية سيفرض على الطرف الاسرائيلي دستور محدد لا يمكن تجاوزه على اقل تقدير وهذا بطبيعة الحال سيضرب احد اهم مرتكزات المشروع المتمثل بالتوسع والاستيطان وسيلغي مزاعم اسرائيل التي تقوم على مبدأين اساسيين فيما يخص قيام الدولة الفلسطينية. أولهما القول بأنها الخلف القانوني الوحيد للانتداب البريطاني في فلسطين انطلاقا من رفض العرب مشروع الامم المتحدة لتقسيم فلسطين عام 1947 وانها السلطة القانونية الوحيدة في الاراضي التاريخية لفلسطين. وفي ابريل 1950 ضم الاردن الضفة الغربية الى اراضيه بقرار منفرد. ولان هذا الضم لم يلق الاعتراف الدولي قط, تقول اسرائيل انها اكتسبت حق السيادة على هذه الاراضي حين احتلها من جديد عام 1967. اما الزعم الاسرائيلي الثاني فيعتبر ان الزعم التاريخي المعروف بفلسطين, لم يكن له وجود قبل قيام الانتداب البريطاني وانه ليس هناك شعب فلسطيني له حق السيادة. ولهذا اذا ما اعلنت الدولة الفلسطينية على اية مساحة من الارض الفلسطينية سيصل العالم العربي والغرب وحتى يهود الشتات الى حقيقة مفادها ان هذه الدولة اصبحت حقيقة قائمة لا يمكن تجاوزها او القفز عنها, وستكون هذه مقدمة في ظل هذا المحيط الهائل من الجغرافيا البشرية, لتصبح اسرائيل مجرد كتلة سرطانية ضامرة, ستصل في نهاية الامر الى التلاشي والاندثار وانها ستفقد دورها الذي انيط بها منذ اكثر من خمسين عاما. خلق الذرائع اما اصحاب الرؤية الثانية فهم ينطلقون من حيث انتهى اصحاب الرؤية الاولى بالقول: ان اصحاب هذه الرؤية محقون في الكثير من طرح بعض المبررات المهمة جدا لما يحلمون او يفكرون به والامر سيان. وان الواقع يختلف اختلافا كليا عن هذه الرؤية ورؤيتهم للواقع القائم اليوم مجرد رؤية انقلابية تصب في ذات الاهداف والمرامي التي يسعى ايهود باراك لتحقيقها من خلال اقحام الفلسطينيين عليها عبر اساليب تكتيكية ذكية منذ توليه الحكومة الاسرائيلية. لانه يجد في اعلان الدولة على هذه الاجزاء المقطعة الاوصال. اعفاء له وتخليصا من حالة الحرج التي يعيشها على المستوى الداخلي, من تنفيذ ما اتفق عليه على مدار تسع سنوات من التفاوض في اكثر من عاصمة غربية وفي اكثر من مدينة ومنتجع امريكي. ويعتبر اصحاب هذه الرؤية ان ما يخطط له الفلسطينيين من اعلان للدولة الفلسطينية يحمل ذات الاخطار التي قامت على انقاضها دولة اليهود, ان لم يكن اخطر بما لا يقاس فبقدر ماهي قفزة في عالم المجهول بقدر ما ستفتح الآفاق وتخلق الذرائع عند ايهود باراك في عدم استكمال ما اتفق عليه بين الجانبين من انسحابات والتي سميت بالمرحلة الثالثة بالاضافة الى ان هذا الاعلان الهامشي سيعفي الحكومة الاسرائيلية من تجاهل عودة النازحين الى ديارهم التي خرجوا منها عام 1967 باتجاه الاردن وبعض الدول العربية, وشرعنة استكمال مشاريع الاستيطان المجمدة بعض الشيء والانتقال بالنقاط الاستيطانية من مرحلة الكرفانات الى مرحلة الاستيطان الثابت في المناطق التي لا تزال في حوزة قوات الاحتلال وادارته والتي لا تزال نقاطا خلافية ليس في ما بين الفلسطينيين والاسرائيليين بل وبين الاسرائيليين وبعض الدوائر المتنفذة المعنية في هذا الشأن في الولايات المتحدة التي يسميها البعض, براعي العملية السلمية. وهذا بالضرورة سيترافق مع خلق حقائق جغرافية جديدة لم تكن في الحسبان, خاصة في اطراف واحياء بعض مدن الضفة الغربية مثل مدينة الخليل وجنين ومحيط مدينة القدس مثل ابو ديس والعيزرية وغيرها من القرى المجاورة التي رأى الاحتلال ان تكون هذه البقاع العاصمة الفلسطينية المستقبلية, دون اغفال قبر راحيل وغيره في محيط نابلس. أي ان ما كان مرفوضا عند الفلسطينيين قبل لحظة اعلان الدولة العتيدة سيصبح مطلبا استراتيجيا يتطلب المزيد من التضحيات والجهد الدبلوماسي والسياسي من قبل الفلسطينيين لسنوات طويلة مقبلة حتى يتسنى لهم تحقيق جزء يسير للوصول الى ما يصبون اليه, وستصبح قرية ابو ديس حلما يتوق له الفلسطينيون لرفع علمهم على مبنى بلدية او ادارة مركز شرطة. وبطبيعة الحال, سيجد الاسرائيليون فرصة او اذا شئت ذريعة لاحكام الطوق على التجمعات السكانية الفلسطينية ومحاصرتها وشل قدرتها من خلال عناوين وشعارات امنية اصبحنا بغنى عن تعريفها بفصل بعض المناطق التي انسحبت منها قوات الاحتلال في الضفة وقطاع غزة من خلال اغلاق المعابر التي اتفق في وقت سابق على فتحها تحت اشراف قوات الامن الاسرائيلية والتي رغم الاشراف الامني الصارم من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلي خلقت في ما مضى بعض الانفراج بين سكان الضفة والقطاع وساهمت في التبادل السلعي والتجاري على المستوى المحلي. خيار التأجيل والاهم من هذا يجد هولاء تأجيل قيام الدولة الفلسطينية والعمل الجاد من اجل ادخال اكبر عدد ممكن من الفلسطينيين الى منطقة الحكم الذاتي الاداري خاصة النازحين منهم وطرح قضية لم الشمل الى الاراضي المحتلة عام 1948 والبالغ عددهم اكثر من مئة وعشرين ألفا, وطرح قضية اللاجئين وعودتهم الى ديارهم التي طردوا منها, وربطها بمراحل التفاوض وابقاء هذه القضية حاضرة كأساس مبدئي لنجاح عملية التسوية على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي قبل قضية استكمال الانسحابات للمرحلة الثالثة, بهدف تحقيق آليات القرار 194 الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين باعتباره حقيقة قابلة للتنفيذ من قبل الطرف الاسرائيلي. واذا تعذر ذلك فسيصبح القتال ضد اسرائيل حالة مشروعة انطلاقا من قرار حق العودة وسيكتسب مظلة الشرعية الدولية ولن يجرؤ احد على اعتبار هذا الصراع بكل مسمياته حالة من حالات الارهاب الذي يحظره القانون الدولي, كما استخدم القرار 425 في الجنوب اللبناني والذي شرعن المقاومة اللبنانية باعتراف كل الاطراف الدولية الفاعلة. اما الطرف الثالث فيرى ضرورة التخلي عن كل التنازلات وان الهدف النهائي هو تحرير كامل الارض وان التسوية منذ البداية شرعنت قضية وجود اسرائيل وبإعلان الدولة. ستفوت على الشعب الفلسطيني كل حقوقه التاريخية وسيطلب من هذه الدولة ان تكون حزاما امنيا لاسرائيل وستخلق هذه الدولة المبررات والذرائع لباقي الدول العربية للانخراط بعلاقات مع اسرائيل من خلال عناوين اقلها (لسنا ملوكا اكثر من الملك وبهذا تكون قد امنت اسرائيل لنفسها ما يعادل اكثر من 90% من مساحة فلسطين. لكن بعيدا عن التكهنات فإن اعلان الدولة من قبل الطرف الفلسطيني سيشكل حالة من التحدي رغم ما ستحمله معها من ضحايا للارادة الدولية وحالة اختبار للقانون الدولي ووضعه على المحك ناهيك عن ان اعلان الدولة سيشكل حالة من تجاوز لاءآت باراك وغيره وتنصلا من الشروط الامنية المجحفة التي فرضت على مؤسسات السلطة الفلسطينية وستلغي حالة الاعتراف باسرائيل ويعود النقاش الى ما قبل اعلان دولة الكيان بحيث يعود القرار 181 الى الواجهة كأساس موضوعي لحل القضية برمتها. وهذه العملية الجريئة اذا ما اتخذت, ستكون سابقة فريدة من هذا النوع وستعكس ظلالها على التجمع الاسرائيلي, بكل مؤسساته السياسية والحزبية والامنية وستنقل الازمة التي يعيشها الفلسطينيون الى اسرائيل وستخلق حالة من توازن القوى على ذات الارض وبنفس المساحات الضيقة. بقلم: عبدالكريم محمد كاتب فلسطيني مقيم في دمشق