في وقت تتزايد فيه الضغوط من كل الجهات وعلى مختلف الاطراف, يدخل مسار التفاوض الفلسطيني الاسرائيلي منعرجا بالغ الاهمية والحساسية, ويواجه امتحانا ربما هو الاصعب على مدى عشر سنوات من اللقاءات المتكررة والاتفاقات المتعثرة التي رفضت اسرائيل تنفيذها او افرغتها من محتواها. ففي حين يواجه باراك تفككا ـ ولو مفتعلا ـ في ائتلافه الحاكم, فإن الرئيس الفلسطيني عرفات لا يبدو احسن حالا من حيث الضغط الشعبي والسياسي الذي يواجهه بعد سنوات من الاحباط وتراجع الآمال الفلسطينية, وبعد الوعود غير المنجزة بما فيها وعد اعلان الدولة, وهو ما يزيد الحساسية تجاه اي تأجيل جديد بعد ان اقر المجلس المركزي الفلسطيني اعلان الدولة في سبتمبر المقبل. اما الرئيس الامريكي بيل كلينتون, (الراعي الاوحد) كما يدعى لعملية التسوية فإنه يعيش ايامه الاخيرة في السلطة ويواجه نائبه ومرشح حزبه للرئاسة مصاعب متزايدة ـ على ما يبدو ـ في حملته الانتخابية مما يعرض كلينتون نفسه لضغوط نفسية وسياسية بالغة الدقة والحساسية, سواء من قبل اللوبي الصهيوني الامريكي او من قبل قادة حزبه الديمقراطي الباحثين عن اي وسيلة لانجاح مرشحهم الرئاسي. وفي ظل هذه الاجواء من الضغط والتوتر, تأتي (قمة اللحظات الاخيرة) التي دعا اليها كلينتون كلا من باراك وعرفات في منتجع كامب ديفيد, محاولة اخيرة لانقاذ ما يمكن انقاذه من عملية السلام المتداعية. ورغم حاجة كل من الاطراف الثلاثة الى تحقيق انجاز مهما كان حجمه, خلال هذه (الخلوة الكامبية) الا ان كل التوقعات بما فيها توقعات الراعي والداعي الامريكي نفسه, لا تنتظر اي اختراق فعلي وجاد يمكن من تجاوز الخلافات العميقة بين الموقف الفلسطيني المطالب بحقوق مشروعة وملحة, وموقف الاسرائيليين الذين يريدون كل شيء مقابل لا شيء. ان اكثر من يتوقعه (المتفائلون جدا) من هذه القمة ـ الخلوة هو الخروج ببعض الحلول المهدئة التي لا تقدم حلا جذريا نهائيا للمشاكل الجوهرية العالقة ولكنها قد تخفف الاحتقان والغليان وتؤجل المواجهة الى حين. وربما تقدم لفتى البيت الابيض بعض الرضى النفسي بتحقيق شيء ما من اجل (السلام) قبل ان تطوى صفحته الرئاسية. واذا كانت الحلول الجذرية غير متوقعة وتأجيل المواجهة ليس مؤكدا.. فإن المرحلة المقبلة تبدو مفتوحة على كل الاحتمالات.