حظيت مفاوضات الحل النهائي مع الاسرائيليين بنقاش واسع وساخن في اجتماعات المجلس المركزي الفلسطيني الاخيرة, حيث تبادل المتشددون والمعتدلون طرح الأفكار التي طالت المجلس نفسه, حيث دعا عباس زكي عضو المجلس التشريعي واللجنة المركزية لحركة (فتح) لتحويل المجلس المركزي الى مجلس طوارىء. المعتدلون, وأغلبهم من المفاوضين وصانعي القرار, كانوا في وضع يسوده الإحراج, فهم لا يريدون أن تظهر على ألسنتهم أية إشارة قد يلتقطها الطرف الآخر ويعتبرها تنازلاً جديداً يمسك به في المفاوضات, وفي الوقت نفسه لا يريدون أن يسايروا المتشددين في كل اطروحاتهم, دون تمايز, لأن ذلك له معنى سياسي, وله ثمن سياسي أيضاً, معناه ان المتشددين كانوا على حق فيما ذهبوا إليه من مواقف في الماضي, ولهذا قال تيسير خالد ممثل الديمقراطية, إن إعلان الدولة كان يجب ان يتم في موعده في مايو ,1999 وهو يقصد أنه لو حدث ذلك, لما وجدنا أنفسنا في مأزق, متناسياً أنه لو فعلنا ذلك في حينه, لبقي نتانياهو في السلطة حتى يومنا هذا, ولقام بضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية, كما صرح بذلك علناً بعد خروجه من الحكم. ذلك التوازن الدقيق كان سمة أحاديث المعتدلين في المجلس, الذين لم يجدوا أمامهم سوى الرموز والإيحاءات والحديث عن سيناريوهات واحتمالات, دون اعتناق أي منها, لأن ذلك تفريط تفاوضي, في غير زمانه ومكانه, ولهذا قال أبو مازن الذي أظهر تشدداً واضحاً إنه ممنوع على أي مسئول فلسطيني إبداء أية تلميحات بالمرونة, وإننا لن نخضع لابتزاز الوقت ولضغط الوقت في إشارة للمراهنة الإسرائيلية بأن الفلسطينيين لن يحتملوا الواقع الراهن: الواقع الانتقالي الذي طال بأكثر من توقعاتهم, وأنهم لذلك قد يقبلون البضاعة المعروضة في اللحظة الأخيرة: في الساعة 2355 كما يقولون. أبو مازن رأى أننا قدمنا المساومة المطلوبة حين قبلنا بأقل من ربع ارض فلسطين: قبلنا بالضفة والقطاع وأنه مستحيل أن نقدم على مساومة على المساومة ولهذا فإن الانسحاب حتى حدود الرابع من حزيران والأقرار بمبدأ حق العودة والتعويض وليس أو (التعويض) وعودة القدس مطالب لا تخضع للمساومة. ولكنه في الوقت نفسه الذي اظهر فيه مثل هذا التشدد, فإنه هاجم بعنف أولئك الذين يرفعون الشعارات غير المسئولة حتى لا يتهمهم أحد بالتنازلات وحتى يحصنوا أنفسهم أمام الجمهور لبناء أوضاعهم الخاصة. محاولة للتوازن من رأس المعتدلين الفلسطينيين إذا صح التعبير, للاعتبارات سابقة الذكر. يقصد أبو مازن أن يقول للمتشددين في الساحة الفلسطينية إن تشدده لا يشابه تشددهم بشيء. إنه تشدد تفاوضي وليس مواقف عدمية رافضة لكل شيء. أبو مازن وكذلك أبو العلاء رفضوا قبول فكرة مناقشة نسب الانسحاب لأن هذا وطن, وليس بازار, حسب تعبير أبو العلاء, و قد رفض ياسر عرفات مناقشة الأمر مع بيل كلينتون في زيارته الأخيرة (قبل القمة) , وكانت أقسى الزيارات حيث كانت الرحلة عشرين ساعة فقط, تخللتها مفاوضات قاسية جداً لمدة ست ساعات ونصف, وفي لقاء باراك عرفات في منزل أبو مازن, رفض أبوعمار مناقشة النسب: نسب الانسحاب الثالث أو نسب الانسحاب النهائي (,60 ,70 ,80 90.... الخ) , وكان لقاء عاصفاً جداً, عرفات ترك الجميع, حتى هذه اللحظة حائرين في معرفة حدود خطوطه الحمراء, وما إذا كان جاداً فعلاً في إعلان دولة من طرف واحد وفي خوض غمار مواجهة شاملة قد تؤدي لقلب الطاولة وخربطة الأوراق, وهي سياسته الناجحة في حقبة قيادته لمنظمة التحرير الفلسطينية في الشتات, أم أنه يتخذ موقفاً تفاوضياً وسيقبل بمساومة ما في نهاية الشوط: ليلة الثالث عشر من سبتمبر وفي الساعة 2355 من تلك الليلة, الصحف الإسرائيلية (وقد تابعت كافة مقالاتها في هذا الموضوع) حائرة هي الأخرى في التوصل لاستنتاج حاسم حول معرفة نوايا عرفات الفعلية: هل يريد المواجهة أم يتراجع في اللحظة الأخيرة ويقبل بأقصى ما يستطيع انتزاعه, وإذا كان الشيء بالشيء يذكر, كما يقولون, فإن القيادات العربية وخاصة تلك التي يتشاور معها أبوعمار, حائرة هي الأخرى في الوصول لرأي نهائي, قال لي عمرو موسى في لقائنا الأخير: (ماذا تريدون بالضبط؟ احزموا أموركم ونحن معكم) . وسرب مسئولون عرب عديدون لياسر عرفات عبر قنوات عديدة سؤالا لم يحصلوا على إجابة عنه وهو: ما حدك الأدنى من المطالب وما حدك الأعلى حتى نعرف حدود المناورة ونساعدك في التكتيك؟ وفي حديثه أمام المجلس المركزي, أظهر أبوعمار تشدداً واضحاً, وكان من المستحيل العثور على عبارة واحدة قد تؤشر لإمكانية المساومة على المطالب الفلسطينية المطروحة, تحدث عن أشياء حساسة سيكون مستعداً للحديث فيها في لجان مصغرة, ولم تكن هناك لجان ولم يعرف أحد ما هي هذه المسائل الحساسة لكنها بالتأكيد لا تتعلق بالاعتدال, لأن اقتراحه سابق الذكر جاء في إطار هجومه العنيف على حكومة باراك التي بنت من الوحدات السكنية في المستوطنات أكثر من حكومة نتانياهو في ثلاث سنوات, قال أبوعمار إن باراك خالف الأعراف العسكرية حين اعترض على اتفاق أوسلو في عهد حكومة رابين وكان رئيساً للأركان وهو منصب عسكري لا يتدخل القائد الذي يشغله في الأمور السياسية, واستذكر الرئيس عرفات قيام باراك على رأس وحدة خاصة, باغتيال الشهداء الثلاثة: كمال ناصر وكمال عدوان, ومحمد يوسف النجار عام ,1973 ورأى انه لولا قيام حراسات مبنى الجبهة الديمقراطية بإطلاق النار من رشاشاتهم على المهاجمين في الفاكهاني, لربما وصل باراك إلى مقر أبوعمار تلك الليلة, يتعامل أبوعمار إذن مع رجل يعتقد أنه كان يهتم بقتله بيديه وبشكل مباشر, وتلك مسألة نفسية بالغة الأثر والتأثير, ياسر عرفات الذي ما زال يترك الجميع حائرين في معرفة حدود خطوطه الحمراء الفعلية, بمن في ذلك أهل بيته الفلسطيني وحلفاؤه العرب, وهو بالطبع على حق في ذلك كله, ما زال يندفع بين الفترة والأخرى في حملة تعبوية لرفع المعنويات: بدأها في نابلس رداً على تصريحات رئيس الأركان شاؤول موفاز باستخدام الدبابات والطائرات ضد مناطق السلطة الوطنية, وواصلها في المجلس المركزي حين قال إن شهيد الحق بسبعين شهيداً كما جاء في الحديث النبوي الشريف, يبدو أن أبوعمار يحن لأيام التحريض في الحصارات التي تعرضت لها الثورة الفلسطينية في بيروت حين رفع المعنويات بعبارته الشهيرة (هبت روائح الجنة) , وحين حث أبوعمار كما سمعت منه, الرئيس العراقي صدام حسين على تجنب المواجهة العسكرية مع الحشد الدولي بالانسحاب من الكويت, رد عليه الرئيس العراقي: (إن روائح الجنة تهب في بغداد كما هبت عليك في بيروت صيف 1982) . أبوعمار لا يريد إذن ظهور أية اشارة للمساومات المحتملة على الأقل في هذه الفترة, فهو قائد براغماتي من طراز استثنائي, من الصعب تصنيفه ضمن المقاييس المتعارف عليها في عالم السياسة بأنه معتدل أو متشدد أو يتخذ مواقف وسطية, إنه القائد الذي يتجه للاعتدال أو التشدد أو الوسط حسب المصلحة الوطنية كما يراها, حين تحدث الطيب عبد الرحيم عن احتمالات مطروحة في الوضع القائم, قطع أبوعمار صلاة المغرب ليقول ما مضمونه: (ليس معروضا علينا شيء, هذه احتمالات نظرية وليست سيناريوهات مطروحة, باراك يفعل الشيء نفسه, إلى حد كبير, فهو لا يعطي مفاوضيه أية صلاحيات فعلية, ويريد تقديم ما يريد تقديمه في صفقة واحدة وفي قمة واشنطن الحالية أو المقبلة, وربما بعد القادمة ليلة الثالث عشر من سبتمبر, ويشكو وزراؤه وحلفاؤه في الائتلاف الحكومي من أنه لا يستشيرهم بدرجة كافية, ولهذا لا يعرفون بالضبط أين يسير وما حدود تنازلاته. لقد طرح العديد من المتحدثين موضوعاً هاماً, كنت قد طرحته في إطار عملي الصحفي في لقاءات خارج التسجيل مع عدد من المسئولين العرب, وهو: ماذا ستفعل بعض الدول العربية إذا قامت إسرائيل عشية الإعلان عن الدولة بردود فعل قوية: مجابهة عسكرية, ضم أراض, قطع للماء والكهرباء, حصار شامل وإغلاق للمعابر؟ ماذا ستفعل بشكل محدد لنأخذه بعين الاعتبار: هل ستغلق السفارات الإسرائيلية في بلدانها, وكذلك الممثليات في عدد من الدول, وتطلب من سفرائها العودة للبلاد؟ هل ستوقف العمل ـ ولو مؤقتاً باتفاقات السلام؟ هل ستوقف الحركة الجوية, وهل ستوقف العمل باتفاقات معينة؟ أم هل ستكتفي بإصدار بيانات تضامن؟ السؤال نفسه يجب ان يتوجه للدول التي أبلغت ياسر عرفات أنها ستعترف بالدولة الفلسطينية حال إعلانها, ماذا ستتخذ من إجراءات حيال ردود الفعل الإسرائيلية وحيال كل فعل بشكل محدد؟ هذا موضوع غاية في الأهمية, لأن المعرفة الدقيقة بما سيكون عليه موقف الآخرين, يسهل اتخاذ قرارنا ويدفع بالطرف الآخر للتردد في الاندفاع نحو إجراءات عقابية قاسية إذا كان سيفقد ما حققه من إنجازات على طريق السلام مع العرب.