في الوقت الذي يبدو العلماء منهمكين في رسم الخريطة الوراثية البشرية فإن نساء بلدة سيربرينتشا البوسنية يطالبن بوضع خريطة لتفاصيل المجزرة. وعلى نحو متزامن مع ذلك, فإن التقدم الاخير في مجال التقنية الاحيائية قد يجلب بعض العزاء للارامل والايتام والامهات في البوسنة. قبل خمسة اعوام تقريبا, وقعت اسوأ مجزرة في اوروبا منذ الحرب العالمية الثانية اذ ما زال مكان وجود اكثر من 7 آلاف مسلم من سيربرينتشا معظمهم من الرجال والصبية الذين يفترض بأنهم قتلوا على يد صرب البوسنة لا يزال غير محدد الآن. ويعتبر هذا الجيب الذي اعلن (منطقة آمنة) تخضع لحماية الامم المتحدة في شرقي البوسنة رمزا لعجز المجتمع الدولي في وجه الشر. لكن قد يصبح من السهل تلبية مطالب نساء سيربرينتشا بكشف النقاب عن الحقيقة قريبا. فبحلول نهاية هذا العام, ربما تقوم اللجنة الدولية الخاصة بالمفقودين وهي منظمة حكومية صغيرة, بوضع وادارة مشروع طموح يعمل على الاقل على المساعدة في التعرف على الضحايا. وتتضمن الخطة مقارنة الحامض النووي (دي ان ايه) للضحايا مع دي ان ايه الخاص بأقاربهم المباشرين الناجين من المجزرة. وتطرح طبيعة هذا التطبيق الخاص اسئلة دقيقة حول المنطق الرمزي للتخطيط الجيني للمجازر الجماعية وحول الاقرار بالضياع بالنسبة لعائلات الضحايا وحول معنى التحديد الدقيق لهوية جميع الضحايا بالنسبة للمستقبل السياسي للبوسنة وحول التأثير الذي قد يكون لذلك على سلوك مجرمي الحرب المستقبليين هنا او في اي مكان آخر. وتعتبر مسألة تحديد هوية ضحايا سيربرينتشا الاكثر تحديا بسبب حجم الجريمة. فالمجازر المعزولة الاخرى في تلك الحرب نفسها تعتبر اسهل من حيث فك ألغازها نظرا لأن دائرة الضحايا المحتملين اصغر. ولكن كيف تمكن مطابقة آلاف البقايا التي عثر عليها في القبور الجماعية في جميع انحاء شرقي البوسنة مع قوائم اقربائهم المقدمة من قبل آلاف النساء من سيربرينتشا؟ في التحقيقات الجنائية تجري مقارنة التركيبة الوراثية للمجرم المفترض مع الحامض النووي الذي عثر عليه في مسرح الجريمة. وفي البوسنة فإن تحديد هوية الاشخاص الذين لم يعودوا على قيد الحياة يعتبر مزيجا بين علم الآثار والفحوصات الخاصة بالتأكد من الابوة. ويجري اخذ عينات من بقايا غير محددة الهوية لهياكل عظيمة ثم اخراجها من قبور بالقرب من مسرح الحرب البوسنية, لتتم بعد ذلك مقارنة هذه العينات مع الحامض النووي المستخلص من عينات الدم الخاصة بأفراد العائلات المقربين (الذين ربما يبلغ عددهم 100 ألف شخص) وذلك من اجل تحديد علاقة ممكنة. وسيجري تنفيذ البرنامج على يد متخصصين محليين في علم الوراثة تلقوا تدريبهم في الولايات المتحدة وتحديدا في مختبر القوات المسلحة للتعرف بواسطة الدي ان ايه فيما يشرف عليهم خبراء امريكيون. وفي غضون ذلك تتناقص التكلفة الاجمالية لهذا المشروع بشكل كبير. فقبل عامين ونصف, حسبت اللجنة الدولية لمفقودي الحرب ان العمل في البوسنة سيستغرق اكثر من قرن من الزمن ويتكلف ما يزيد على 100 مليون دولار. والآن يبدو ان بناء قاعدة البيانات يتعين ألا يستغرق اكثر من سبع سنوات وانه قد يكلف عشر الرقم الاصلي فقط. ان فحص الدي ان ايه لا يعتبر كافيا في حالات الاشخاص المفقودين من العائلة نفسها (لسوء الطالع هذا وضع متكرر الحدوث) فإذا كان هناك تطابق بين حامض الدي ان ايه لأم فقدت عدة ابناء لها في سيربرينتشا وبين بقايا هياكل عظمية, فسيتعين على الخبير الشرعي ان يحدد لأي من الابناء المفقودين تنتمي البقايا العظمية. والحالات الاشد شناعة هي الحالات التي ابيدت فيها عائلات بأكملها من قبل صرب البوسنة بحيث لم يعد هناك اي فرد قريب من العائلة ليقدم عينة الدي ان ايه. ولكن لا يوجد اي بديل مجد اخر غير التعرف على الهوية من خلال الدي ان ايه في حالة المجزرة الجماعية في سيربرينتشا. وقد تم مؤخرا اصدار 500 نسخة من كتاب يحتوي على 1.750 صورة ملونة لقطع من الملابس والاشياء التي وجدت على رفات 354 شخصا في محيط البلدة. وناهيك عن كونه تقليبا مؤلما لاكثر من 400 صفحة فإن فرصة التعرف على هوية الضحايا ضئيلة. وحتى لو تم التعرف على جميع الضحايا فإن هذا العدد لن يضاهي اكثر من 5% من الاشخاص الذين قتلوا. ان معرفة الحقيقة عن هذه المجزرة ستساعد النساء في سيربرينتشا في التعايش مع ما حدث. ولكن من اجل ان يأخذ العدل مجراه, فإنه يتعين تحديد هوية مرتكبي الجرائم وارسالهم للمحاكمة في المحكمة الدولية المخصصة لمرتكبي جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة في لاهاي. وفيما يتعلق علم الوراثة بتتبع النسب تدور المجازر الجماعية حول محو هذا النسب. وان تطبيق معرفتنا في مجال علم الوراثة لتحديد معالم مجزرة سابقة وربما منع وقوع اخرى هو بالتأكيد اهم استخدام غير طبي لعلم الوراثة. عن (هيرالدتربيون) ترجمة : ضرار عمير