أحمد عبدالرحمن محمد الأمين العام (بدرجة وزير) لمجلس الصداقة الشعبية العالمية (حاليا) والذي شغل منصب وزير الداخلية ابان ائتلاف الجبهة الاسلامية والرئيس الأسبق جعفر نميري تميز مؤخرا بمواقفه العلنية المناهضة لسياسات الزعيم الاسلامي الدكتور حسن الترابي رغم انه أحد رفاقه القدامى, وكان عبدالرحمن الذي يعد من القيادات المخضرمة للحركة الاسلامية رفض قرار الترابي بحل الحركة ايام الانقاذ, وقاطع الاجتماع الشهير الذي وزع فيه الترابي المصاحف والسبح على القيادات في اشارة الى انتهاء دورهم. الآن يقف عبدالرحمن ضد الترابي, ويقول انه لا صلاح ما دامت قيادة الترابي النمطية موجودة. وفي الحوار التالي الذي اجري معه على عجل ينفي عبدالرحمن ان تكون للترابي اسرار يهدد بها الحكومة ويبرر حرمانه من استخدام (العصا الغليظة) ضد الترابي متسائلا (استخدمناها نحن وهو معا ضد الآخرين فما الذي يضير؟!!) . ويسرد تفاصيل (ليلة النفرة) التي تقرر فيها (تجميد) الترابي, كما يحكي فصلا مثيرا من لقائه بالترابي في منزل الأخير وكيف انه اتهم هناك بالعمالة للأمريكان من قبل بعض مؤيدي الترابي المتحمسين و(المدفوعين) ! وهنا تفاصيل الحوار: نمطية الترابي * لا يزال شيوخ الحركة الاسلامية مترددين في موقفهم من قرارات الفريق البشير الأخيرة. ـ لا أتفق مع هذا, فشيوخ الحركة كانوا موجودين في لقاء النفرة الحاشد الذي على هديه اتخذت تلك القرارات, وأقول: الكل داخل الحركة الاسلامية متفقون على تلك القرارات التي تهدف الى كسر النمطية الشورية والهيمنة التي كانت واضحة في اسلوب ادارة الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني (الحاكم) د. الترابي والذين من حوله. * ولكن بشكل أو بآخر كانت الحركة قد اختزلت نفسها في د. الترابي. ـ قطعا هذا ما حدث بالضبط وحقيقة يبدو ان الحركة كانت تتجه في طريق ان يكون هناك شيخ وحوارين. وقطعا هذا اسلوب دخيل وجديد على الحركة, لذا كان هذا الرفض الجماعي له حيث التقت ارادة الشيوخ والشباب على ضرورة كسر ذلك الاحتكار. وأنا اقول اننا ظلنا نبذل النصح للترابي منذ اعوام احيانا تصل لدرجة الانتقاد الحاد ودائما ما كنا نرى ان هناك عللا حقيقية في أولئك الذين يدورون حوله والذين لهم القدح المعلا في خلق البلبلة. وكنا نربأ بالشيخ الترابي عن ذلك, ولهذا نجد ان الخلاف الحالي لا يمكن ان نصوره بأنه خلاف بين البشير والترابي, فهو يشمل قطاعا كبيرا من الشباب والشيوخ الرافضين لنمطية الترابي في الادارة والشورى. وأنا على يقين من اننا وصلنا لطريق مسدود وقد كنا في الفترة السابقة نرى ان الحل يمكن ان يكون بالرجوع للجماعة. الوحدة مستحيلة * إذن كنت ترى ان اللقاء مع الترابي بات مستحيلا حتى قبل اجتماع مجلس شورى الحزب الحاكم الذي كرس هذا الانفصال. ـ الانفصال كان الحل الافضل ولا أقول ذلك وأنا سعيد ولكنه الدواء المر وقبلناه مكرهين. * ألا ترون ان الترابي يملك الآن العديد من الأسلحة التي تمكنه من تهديد الدولة, أقلها افشاء الأسرار؟ ـ الترابي لا يملك من الأسرار التي يمكن ان يهدد بها الدولة, والدولة قطعا ستمضي. * ما حجم تأثير الخلاف على الدولة في تقديركم؟ ـ قطعا ستتأثر وقطعا الشقاق سيضعف العمل ولكن كما اسلفت الدولة ستمضي وقد لا تتأثر بصورة كبيرة ولكن التأثير الكبير سيكون في الحزب. قرارات جماعية * يعني هذا ان البشير سيكون هو صاحب القرار في الحزب مستقبلا كما حدث في شهر صفر الماضي؟ ـ القرار كان قرارا جماعيا وقد جاء باجماع الحاضرين وانا كنت احدهم وأشهد ان البشير رغم انه بحكم عسكريته يميل الى الحسم الا انه كان ملتزما برأي الجماعة, لهذا لم تكن القرارات فردية وخرجت برأي جماعي وبطريقة شورية. ما كان لرئيس الجمهورية ان يحتمل مزيدا من المناطحة والخلاف اكثر مما احتمل لذلك كان اكثر الناس جرأة وتقدم في موقفه. اقتراح بحل الحزب * تتحدث عن الاجتماع الذي تم ليلة النفرة هلا أوضحت لنا كيف تمت الدعوة لذاك اللقاء وهل تم اتخاذ قرار تجميد الامانة العامة فيه أم انه ترك التقدير للرئيس؟ ـ كان الاجتماع عفويا ولم يدع له وتم بمنزل الرئيس. والنفرة كانت كبيرة والتجاوب مع الأحاديث التي تمت فيها كان كبيرا والدافع الاساسي هو الاحساس بالغبن من واقع السؤال: كيف تستنفر امانة عامة لحزب حاكم ضد رئيس حكومتها وضد توجهات الدولة؟ لقد كان رأي الجماعة التي تقاطرت على منزل رئيس الجمهورية بشكل تلقائي عقب لقاء النفرة ان تصدر قرارات حاسمة لايقاف التدهور والشكل الذي اصاب الحزب الحاكم الذي تسببت فيه الامانة العامة, وقدمت عدة مقترحات فكان هناك من يرى حل المؤتمر الوطني بشكل عام ولكن الرأي الغالب كان مع تصويب القرارات نحو العلة. لهذا جاء القرار بتجميد الامانة العامة لأنه لم يعد مقبولا الشكل النمطي الذي يقود به الترابي الحزب وكذلك التصرفات غير المقبولة والتصريحات السالبة التي كانت تصدر من دائرته. استخدام العصا * اذن لماذا اغلظت الحكومة في تعاملها مع الترابي عقب (تجميده) سياسيا؟ ـ ماذا تقصد بأن الحكومة أغلظت؟ * بمعنى ان العصا اصبحت شديدة عليه فحرم من حقوق يتمتع بها الآخرون مثل حرية التعبير؟ ـ يا أخي هذه العصا التي تتحدث عنها قد استخدمناها معا ضد هؤلاء الآخرين! والآن لا ارى ان هناك ما يمنع من ان نستخدمها ضد بعضنا البعض في حالة خروج جزء منا عن القانون. * هناك من كان يسعى لتوحيد الحزب الحاكم حتى آخر لحظة. ـ بالطبع كلنا كنا نريد وحدة المؤتمر وبقاءه كيانا متماسكا وقويا ولكن اذا تعذر الاتفاق فكان على الجميع ان يرتضي الفراق بإحسان, والدكتور الترابي نصحناه أن يتنحى عن مسئولية قيادة الحركة وان يواصل دوره الفكري والدعوي. ونحن نعترف للرجل بدوره العظيم في نجاح هذه الحركة ووصولها الى ما هي عليه الآن وقد اظهر الرجل كسبا ونشاطا كبيرين منذ ظهوره في البدايات فكانت حملته الكبيرة في اكتوبر 64 ومرافعته الراقية ضد مجموعة ميرغني النصري وغيرها, وكشف ان تنظيمهم اشتراكي اكثر مما هو اسلامي ومن ثم جاء مؤتمر الحركة 69 وقدم مشروعا ارتضاه الناس ونصبوه امينا عاما. عمل في الحركة قبل ذلك التاريخ وقاد هذا المشروع من نجاح الى نجاح ولكن خلاصة القول ان اسلوب الشيخ الترابي الجديد في القيادة لم يعد ذاك الاسلوب الذي قادنا الى تلك النجاحات. فالاسلوب الجديد اوصلنا الى (حصاد الهشيم) الذي اقتضى حسم الموقف وإعادة الثقة في التنظيم الحاكم. ولعلك تعرف مدى التأييدي الجماهيري الذي وجدته قرارات صفر, ولكن الشيخ الترابي رفض الدور الدعوي والفكري. اننا نعترف بأن واحدة من مشاكلنا كحزب عقائدي اننا لم نهتم بتجديد قيادة الحركة. وأنا ارى ان على الحركة وضع نظام جديد يجددها ولا يجعلها حكرا لقيادة واحدة لفترات طويلة, وكل الذي اتمناه الا يدخل الترابي في مشروع طالبان وعليه ان يلتزم بدور اربكان. هتاف بالعمالة * ورد انك قمت بزيارة الدكتور الترابي في منزله عقب قرارات رمضان الاولى. ـ نعم فعلت ذلك وكذلك عقب قرارات صفر الأخيرة, كنا جماعة انا ومحمد يوسف. وفوجئنا بهتافات من قلة طلابية كانت موجودة هناك فكانوا يرددون في وجهنا (سي.آي.ايه) و(لا لا للعملاء) وبعد ان التقيت الترابي عاتبته وقلت له اصبحنا عملاء بعد خمسين عاما قضيناها في الحركة وكانت رؤيته ان الاحباط سيد الموقف وان الطلاب دائما ما يعبرون عن انفسهم ويفرغون شحناتهم. وأرى ان هذه المجموعة كانت مشحونة من الطرف الآخر واذا استمعت لنا لكان الامر قد اختلف تماما ولكن غياب وحجب المعلومات عنهم هو الذي ولد موقفهم هذا. * سؤال أخير.. كيف ينظر احمد عبدالرحمن لمستقبل العمل الاسلامي في السودان؟ ـ بالرجوع الى انتخابات الجمعية التأسيسية (البرلمان) الأخيرة نجد ان الحركة الاسلامية قد حققت انتصارا واسعا في دوائر الخريجين والدوائر ذات الكثافة الواعية وخاصة دوائر العاصمة القومية. العاصمة القومية قطعا تشكل مستقبل البلد السياسي لأنها تستحوذ على مواطن التعليم, وبالتالي يمكن القول ان الحركة الاسلامية استطاعت ان تكسب المواطن المتحضر الذي لا يكتفي فقط بالادلاء بصورته بل هو مؤثر في المجتمع بالاضافة الى ان نوعية الكوادر التي تقود العمل في الحركة كوادر متميزة من ناحية النوع فإذا اضفنا هذا التأريخ الى المكاسب التي تحققت خلال السنوات العشر الأخيرة فهذا يعني انه لا خوف على مستقبل الحركة الاسلامية. وهناك العديد من المؤشرات الى ان الحركة الاسلامية الآن بلغت طور الرشد والنضج ومنها ان الحركة النسوية بكاملها تقريبا قد انحازت اجمالا الى التوجه الاسلامي الذي تقوده الحركة على اعتبار توجه حديث وليس توجها تقليديا قديما.