اكتسى نهر الفولجا لوناً أبيض فأصيب كبير العلماء بالرعب ، العميل الأمريكي يتزوج امرأة ذات ماض مجهول ومريب في هذا الفصل يتحول بنا مؤلف هذا الكتاب إلى ما كان يجري على الطرف الآخر من السور في حرب الدهاء والخداع والجاسوسية المزدوجة بين أمريكا والسوفييت وهذا الجانب الآخر هو موسكو.. والفصل هو الثامن من كتابنا ويحمل العنوان التالي: (عندما تحول الفولجا إلى اللون الأبيض) والفولجا هو بداهة النهر الذي يشق العاصمة موسكو.. وعلى ضفافه كانت تقوم مقار منظومة المخابرات السوفييتية التي كانت تضم مختبرات تطوير وتجهيز غازات الاعصاب في اطار وسائل الحرب الكيماوية ويصف مؤلفنا هذه المختبرات وغيرها بانها كانت تشغل مساحات تمتد على مسافة نحو 500 ميل على طول النهر الموسكوفي العتيد. مختبر الحرب الكيماوية في موسكو كان يحمل اسم معهد بحوث الكيمياء العضوية والتكنولوجيا ويقع على مسافة نحو 6 كيلومترات شرقي مركز الحكم في الكرملين. كان العلماء السوفييت يتلقون المعلومات الأمريكية المسربة اليهم في اطار العملية (شوكر) ولكنهم كانوا يجمعون اليها معلومات كانت تأتيهم ولاشك من مصادر أخرى تسهر عليها منظومة الاستخبارات السوفييتية في جميع انحاء العالم. ومن أهم هذه المصادر كانت بريطانيا التي تم اختراق علمائها لحساب الروس ومن ثم استطاع العلماء السوفييت انتاج غاز اكس في (البالغ الاثر والخطورة في عام 1972) . في طليعة هؤلاء العلماء كان البروفيسور بوريس لبمان الحاصل على جائزة لينين الرفيعة (كانت قيمتها المالية 10 آلاف روبل وكان مبلغا طائلا بمقاييس تلك الحقبة السوفييتية. بيد ان العالم النابغة مالبث ان واجه خطراً فادحاً محدقاً بابحاثه ونتائجها بل وبمستقبله المهني ذاته. كان ذلك في فبراير عام 1965 حين انهار احد السدود المؤقتة المقامة لدرء خطر الفيضان على نهر الفولجا وكان سبب الانهيار هو ذوبان الجليد الذي جرف امامه جسم السد. يومها خشي البروفيسور لبمان ان تكون السموم الناتجة عن ابحاثهم قد تسربت إلى تجمعات المياه خلف السد المذكور مما قد يسبب كارثة تسميم المصادر المائية لآلاف من السكان ولم تمض أيام حتى تحققوا من تجاربهم التي اجروها في وجل مذعور ان النهر لم تصل اليه سموم ولا ملوثات لكن ارتياحهم ازاء هذه النتيجة لم يدم طويلاً حتى اشتد ذعرهم حين جاء يوم 15 يونيو من العام نفسه حين القى البروفيسور لبمان نظرة على النهر فتملكه الرعب حين اكتشف ان مياهه تكتسي بياضاً مريباً كأنما ينذر بالموت.. ولم يكن في الامر استعارة أو تشبيه فالذي حدث فعلاً هو ان امتدت اكداس الاسماك الميتة الطافية فوق مياه الفولجا على مسافة 50 ميلاً بطول النهر. مؤلف كتابنا يوضح ان سبب هذا البياض الذي اعترى الفولجا لم يكن يرجع اساساً إلى تجارب غازات الاعصاب المسمومة بقدر ما كان السبب فيه نفايات متخلفة عن محطات توليد الطاقة. الا ان الاستاذ لبمان تورط في القضية وأصبح هو المسئول عن تلك الكارثة البيئية وكان ان حكموا عليه بالسجن سنتين بتهمة الاهمال الجسيم مع دفع غرامات جسيمة أيضاً والتجريد من مرتبته واوسمته العسكرية وكان ذلك فصلاً مؤسياً من مسلسل انتاج غازات الاعصاب الفتاكة في الاتحاد السوفييتي. عصفور سوفييتي حتى الزواج الثاني للعميل المزدوج (كاسيدي) كان السبب في ليال مسهدات بالارق في مكاتب المباحث الفيدرالية الامريكية عندما ابلغهم كاسيدي بعزمه على الزواج من احدى جاراته.. واعطاهم اسمها بدأوا ـ في حرص روتيني ـ في تقصي سيرة الزوجة المحظوظة قالت انها كانت تعمل مدرسة في مدينة اطلنطا وبحثوا في السجلات فلم يجدوا لها ذكراً هناك وغيرت إفادتها قائلة انها عاشت في ولاية الاباما.. وبحثوا بدورهم.. ولا حس ولاخبر.. اذن من هي الزوجة.. ماري اليزابيث كرستن؟ ماهو اصلها وفصلها.. ولماذا تغير افاداتها بين حين وحين ـ وهل هبطت على الخطيب السعيد (كاسيدني) من طبقات السماء؟ ام لعلها (عصفور سوفييتي) وكان ذلك هو المصطلح المخابراتي لعملاء أو بالاحرى عميلات موسكو..؟ ولم يهدأ بال مكتب المباحث الأمريكي الا بعد ان اتضحت الحقيقة, وفحواها ان السيدة ماري كرستن عاشت ردحاً طويلاً من حياتها تحت اسم الراهبة الاخت ميريام جوزيف وانها ظلت طوال تلك الخفية الطويلة رهينة العزلة في احد الاديرة. وعندما قررت مفارقة سلك الكهنوت اتخذت لنفسها اسماً جديداً أو لعلها عادت إلى اسمها الجديد. وعندما التقى مؤلف كتابنا بالزوجين وكانا قد تقدما كثيراً في العمر. تعمد ان يسألهما عن هذه الملابسات قالت الزوجة: ـ لم اخبره قط انني كنت راهبة وما كان من (العم) كاسيدي إلا ان أضاف: وانا لم اخبرها قط عن حياتي الأخرى يقصد حياة الجاسوس, العميل المزدوج. وهكذا تزوج الرقيب كاسيدي من المدرسة ماري اليزابيث.. ومن خلف هذه الحقيقة كان ثمة حقيقية مخفية اخرى هي: ان الزواج نفسه تم بين الجاسوس كاسيدي وبين الراهبة السابقة ميريام.. وما اغرب تصاريف الأحداث. لم يعرف عن مخابرات موسكو أي تقصير يوماً في متابعة اعدائها بل وفي تصفيتهم بشتى الوسائل وفي عام 1957 ارسلت احدى (قناصيها) الخبيرين واسمه سناشنسكي لتصفية الزعيم الاوكراني المنشق ليف ريبيت في منفاه بألمانيا. وتمت التصفية باستخدام بندقية خاصة انطلق منها رذاذ من سائل السيانيد القاتل. وفي عام 1959 اعيد استخدام القنبلة وقد طرأت عليها التحسينات وبواسطة القاتل المحترف نفسه لاغتيال زعيم اوكراني آخر اسمه بانديرا في ميونيخ الألمانية أيضاً. في عام 1964 عرفت المخابرات السوفييتية بأن واحداً من اعمدة المخابرات في ألمانيا الغربية سيزور موسكو لتأمين سفارة بون فيها ضد أجهزة التصنت السوفييتية. تابعته وهو يتأمل لوحة جدارية عتيقة في احد الاديرة.. شعر الرجل ببرودة تسرى بين اعطافه وبعدها اتضح انه اصيب بحروق بالغة ادت إلى بتر ساقه وكان السبب ان سلط عليه عميل الكي. جي. بي بهدوء شديد رشة من سائل النتروجين. عندما ترامت هذه الحكايات إلى مسامع العميل المزدوج (كاسيدي) كانت تراوده مشاعر من الخوف يحفها دوماً سؤال يحوم باستمرار: ـ ماذا لو كشفت موسكو حقيقة دوره المزدوج بينها وبين الأمريكان؟ ربما زادت هذه المشاعر المتوجسة حين أبلغه مسئوله السوفييتي في احد لقاءاتهما المحاطة بالسرية: ـ مطلوب منك ان تزور المكسيك. ثم حدد له المكان واليوم والساعة وابلغه ان الغطاء الذي يستر زيارته هو ان المكسيك كانت وقتها تستضيف في عاصمتها دورة الألعاب الأوليمبية الصينية بل تكاثفت مشاعر الخوف والتوجس لدى كاسيدي لانه يدرك ان لقاءاته السرية داخل امريكا مع العملاء السوفييت كانت دوماً تتم بمراقبة من رجال المباحث ومكافحة التجسس الأمريكية.. لكن هل للأجهزة الأمريكية ان تمارس دورها الحمائي هذا خارج الحدود؟ هكذا ودع خطيبته المرتقبة متعللا بمهمة كلفه بها الجيش.. وسافر إلى المكسيك لكيتشف ان المكان المحدد له كان بقعة نائية معزولة على مشارف العاصمة نيومكسيكو.. وصل إلى المكان قبل الموعد بنصف ساعة ليقوم بالاستكشاف.. وحان الموعد في تمام التاسعة ولم يظهر أمامه احد. بعد نصف ساعة اتجه إلى زاوية شبه معتمة في المكان, ولم يظهر امامه احد.. هنالك راودته من جديد مشاعر غريبة يصفها بقوله. ـ كم تصورت انهم سيأتون بغتة ويحملونني على متن طائرة تتجه إلى موسكو.. وثم يضعونني على مشرحة الاعتراف ثم يطلقون علي الرصاص. والذي حدث انه لم يقابله احد وعندما عاد إلى واشنطن خائفاً ابلغه مسئوله السوفييتي بهدوء وبرود: كان المفترض ان نبلغك بالغاء الميعاد بيد ان مسئوله الأمريكي كان له تفسير آخر للواقعة حين قال: ـ ربما كانت موسكو تضعك تحت الاختبار لترى ان كان بوسعك ان تغادر البلاد بسهولة إلى الخارج.. ولو قاومت لكان لهم ان يشكوا في انك خاضع لسيطرة جهة من الجهات. العملية (شوكر) كانت ـ كما قلنا سلفاً ـ ترمي ضمن أهدافها إلى استكشاف أو اصطياد اي جواسيس آخرين ربما تكون موسكو قد افلحت في تجنيدهم وتشغيلهم على الارض الأمريكية. ولقد وقع مثل هذا الصيد, أو فلنقل لاحت بوادر هذه الفرصة حين كان رجال المباحث الأمريكية يراقبون من بعد احدى عمليات تسلم العميل السوفييتي للوثائق وافلام المعلومات التي كان كاسيدي ـ حسب التعليمات ـ قد اودعها في جوف صخرة اصطناعية طبعاً القى بها تحت جذع شجرة في حديقة عامة. كانت عدسات التصوير الامريكية مسلطة على الشجرة الموعودة وعلى الصخرة الملقاة اسفلها.. وكلها في انتظار تصوير العميل المرتقب المكلف بالتقاط (الوديعة) ومن ثم معرفة هويته.. وعندما حانت اللحظة الحاسمة سمعوا محرك سيارة وفتحوا العدسات وتأهبوا للتصوير فجأة امتدت يد ـ مجرد يد من خلف جذع الشجرة والتقطت الصخرة واخذت ما بداخلها و.. انتهى كل شيء.. لقد جاء العميل البالغ الدهاء من خلف المكان وليس من امامه.. فكان ان ضاعت فرصة التصوير وقبل ان يندب الأمريكان حظهم.. اذا بطاقة الأمل تنفتح امامهم من جديد. عودة الصيد كان المفروض ان يضع العميل علامة متعارفاً عليها لتدل على انه التقط الوديعة ونفذ المخطط المرسوم لكن يبدو ان العميل المجهول نسي, وجل من لا ينسى, ان يترك العلامة ومن ثم سمح رجال المباحث الأمريكان هدير سيارة فولكس فاجن بيضاء صغيرة تجتاز المكان ويلقى من نافذتها كيس ورقي يحمل علامة تجارية لأحد المحلات.. ثم تمضي السيارة إلى حال سبيلها, لكن ليس قبل ان تلتقط العدسات رقم لوحتها. وقبل ان يعود الامريكان إلى مكاتبهم كانت الاتصالات قد دارت ليعرفوا منها ان الهدف اسمه لوبيز ريفاز.. وهو مواطن مكسيكي دخل أمريكا في مهمة تجسسية لحساب الاتحاد السوفييتي وبعد ان دخل إلى سجلاتهم خلعوا عليه الاسم الرمزي: (بالميتو) . عندما تابعوا مسيرته اتضح انه مثقف متخصص في الانثربولوجيا وحانق أشد الحنق على أمريكا بسبب سوء معاملة بني وطنه من أهل المكسيك, مما دفعه لان ينشر كتيبا عن الشيكانوس ـ أهل المكسيك الذين يعانون سوء الاستغلال على يد الامريكان المنعدمي الاخلاق والضمير وفي عام 1971 جاء لوبيز إلى أمريكا مع زوجته وولديه ليكمل دراسته للدكتوراه في جامعة (يوتاه) و يعيش في مدينة سولت ليك حيث كانت شقته وتحركاته مرصودة بأجهزة التنصت والتلصص الالكترونية من احدث طراز. المشكلة ان (الاخوة) المكلفين بالمراقبة كانوا ابعد ما يكونون عن التزام السرية أو الحذر لدرجة ان قال احد مشرفيهم في شكوى بعث بها إلى مكتب المباحث الفيدرالي. ـ (ان هؤلاء العناصر لم يأتوا لمراقبة جاسوس سوفييتي محترف.. بل كأنهم جاءوا للقبض على واحد من لصوص المصارف المسلحين. كيف لا وقد استخدموا عربات تكاد تنطق بانها سيارة شرطة وترفع هوائيات تحلق عالياً بطول 19 قدماً إلى عنان السماء؟!) كان المطلوب النفاذ إلى الحياة الاسرية والشخصية للجاسوس المكسيكي الذي اكتشف الامريكان انه يعمل على ارضهم لحساب السوفييت صحيح انهم كانوا يراقبون تحركاته بوسائل الكترونية لكن كان من المهم الاطلاع على المزيد من النوايا والمخططات. اختاروا لهذه المهمة رجل مباحث من اصل مكسيكي أيضاً ودفعوا به إلى حيث التحق بالجامعة نفسها التي يدرس فيها الجاسوس المكسيكي واختاروا لرجلهم دراسة الدكتوراه في تخصص الجغرافيا. وكان سهلاً انشاء صداقة بين الرجلين وعمد التحري الأمريكي إلى دفع سيارته خلف سيارة المكسيكي بدعوى ضيق المكان. وحين عاد لوبيز من قاعة الدرس وجد فلوريز (ضابط المباحث الأمريكي) يبادره بكلمة اعتذار بالاسبانية: ـ عفواً سنيور. ها هو دارس مثقف من أصل اسباني وبدأ محادثة ودية بين الرجلين اعقبتها أكثر من دعوات عشاء في منزل كل منهما, بصحبة الزوجتين, وكم كان لوبيز وزوجته الينسيا سعيدين بزيارة عائلة الصديق الأمريكي الجديد فلوريز. كانا يحتسيان شرابهما في اقداح من زجاج فاخر.. وما كان لهما ان يلحظا يوماً ان هذه الاقداح كانت توضع على طاولة جانبيه في المطبخ دون ان تدخل إلى غسالة الصحون لتنظيفها. وكان الهدف طبعا الحصول على أكبر كمية ممكنة من بصمات الصديقين العزيزين لتسليمها إلى معامل المباحث الفيدرالية في الولايات المتحدة.