ظاهرة البناء العشوائي لم تأت من فراغ .. ولن تشطب من دفاتر الحياة اليومية بالتعامل معها على انها سحابة صيف ستنقشع في القريب العاجل ... فمجاراة هذه الظاهرة يعد خطأ كبيرا والسكوت عنها سيؤدي الى استفحالها, كون السكوت علامة الرضا والحقيقة الاخرى ، ان التهاون مع حادثة البناء الاولى مهد الطريق الى المزيد والمزيد من حوادث البناء العشوائي الى ان اصبحت ظاهرة مزعجة يصعب الفكاك منها .. مثلما هو حادث في مدينة المكلا عاصمة حضرموت على سبيل المثال لا الحصر. في تسعينيات القرن الماضي لجأ الناس في مدينة المكلا وبقية المدن في المحافظات الجنوبية والشرقية الى البسط والبناء العشوائي على المساحات العامة الخالية والجبال والتلال القريبة, بعضهم تحت وطأة ازمة السكن والبعض الآخر بهدف الترابح والتكسب حتى ولو كان غير مشروع, فالحكمة تقول (المال السائب يعلم السرقة) , هذا البسط العشوائي للاراضي العامة قد اضر اضرارا كبيرا بممتلكات الدولة. وسد المتنفسات الطبيعية واضر ايضا بقنوات الخدمات الضرورية للسكان كالكهرباء والمياه والهاتف والمجاري وشوه ايضا جمال المدينة, وتم امام مرأى ومسمع السلطات المحلية المعنية . والطامة الكبرى ان بعض الجهات الحكومية المختصة في محافظة حضرموت كفرع وزارة الانشاءات والاسكان والتخطيط الحضري ومكتب اراضي وعقارات الدولة بالمحافظة لم تترك الحبل على الغارب فقط, بل ساهمت في البناء العشوائي بعلم ورضا هذه الجهات, حسب التقارير الواردة من حضرموت, التي أوضحت ان عدد حالات البناء العشوائي المخالفة في مدينة المكلا الجديدة وحدها بلغ حتى منتصف العام الماضي اكثر من 700 حالة مخالفة, الامر الذي استدعى المكتب التنفيذي (السلطة المحلية) بالمحافظة الى عقد دورة استثنائية منتصف يونيو الماضي 2000م لمعالجة ظاهرة البناء العشوائي, عقب اقالة قيادة مكتب عقارات الدولة وفرع وزارة الانشاءات بقيادة جديدة تتولى مهام اراضي الدولة, والتخطيط الحضري بحضرموت, وتوصلت دورة المجلس التنفيذي الى جملة من الحقائق ابرزها: ان ما تحقق خلال السنوات العشر الماضية ـ عمر الوحدة ـ في جانب التشييد والبناء يعد انجازا كبيرا, جرى خدشه بالبناء العشوائي الذي تركز في احياء المكلا الجديدة وضواحيها دون ان يمس المكلا القديمة بشيء, كما ان هذا البناء العشوائي, قد سار عكسيا ولا يتلاءم مع جهود المجلس وفعالياته الهادفة تحسين وتطوير ونظافة عاصمة المحافظة ـ المكلا , كما توصل المجلس التنفيذي الى حقيقة اخرى هي ان اخطر واسوأ حوادث البناء العشوائي تلك التي تمت بغطاء (قانوني) وبوثائق رسمية من عقارات الدولة والانشاءات على مجاري السيول وفوق قنوات الصرف الصحي وكابلات الكهرباء والهاتف وانابيب مياه الشرب, مما ادى ذلك الى شل حركة الخدمات الضرورية للسكان, وتوصل ايضا الى ان ضعف المتابعة وعدم المحاسبة وغياب الرقابة على نشاط هذه الجهات الرسمية المختصة كان سببا رئيسيا لاستفحال ظاهرة البناء العشوائي في مدينة المكلا الجديدة وضواحيها. أضعف الايمان تركة كهذه ثقيلة بالطبع على القيادة الجديدة لمكتبي الانشاءات والتخطيط الحضري وعقارات الدولة, وهو ما اعترف به مدير عام مكتب اراضي وعقارات الدولة بالمحافظة شيخ بانافع, حيث قال: من الصعب تخفيف او تحجيم هذه التركة لانها حقيقة قائمة على الارض, كما ليس بمقدوري او بمقدور الطاقم الموجود في المكتب ازالة تلك الشوائب او القضاء عليها بشكل جذري, وانما هناك خطة عمل وضعتها قيادة المكتب الجديدة بالتنسيق مع المكتب التنفيذي للعام الحالي 2000م وبالتشاور مع فروع المكتب بالمديريات, تشمل اتجاهات عريضة يجرى تقييمها شهريا واستعراض ما تم انجازه والعكس, واضاف في حديثه لـ (اكتوبر) العدنية مؤخرا قائلا: لقد ورثنا تركة ثقيلة لما يقارب عشرين سنة, نفاجأ بقطع اراض غير مسقطة على المخطط العام للمدينة ولا توجد على الواقع, فاضطررنا الى مراجعة عقود البناء من جديد وتشخيص وفرز كل العقود المصروفة وجدولتها وتقييدها في السجلات الخاصة بالمكتب كمرحلة اولى باتجاه تصحيح ومعالجة الاختلالات القائمة. وساهم المكتب التنفيذي للمحافظة بدوره في معالجة تلك التركة من خلال تشكيل عدد من اللجان التنفيذية المتخصصة, اهمها لجنة المنازل القائمة على البناء العشوائي المكلفة بحصر المنازل المخالفة وايقاف اي بناء عشوائي لا يلتزم بنظام المخططات العمرانية ولجنة الاستمارات المعنية بمراجعة تراخيص البناء واستلام (استمارات البناء) الممنوحة للراغبين في قطعة ارض لدراستها واقرار امكانية المنح من عدمه, ولجنة المخططات المختصة باعداد المخططات الاسكانية واسقاطها على الارض وتقديم مخططات الخدمات الاساسية الضرورية كالمجاري والطرقات وشبكات المياه والكهرباء. لكن هل ستستطيع هذه اللجان التي ما زالت على الورق ولم تلامس المشكلة عمليا في تحجيم ظاهرة البناء العشوائي في مدينة المكلا نحو القضاء عليها, أو على الاقل ايقاف الظاهرة عند مستواها الحالي؟ وهذا اضعف الايمان.