تظهر نظرة واقعية للاحداث بين 22 ـ 24 مايو الماضي ان انسحاب الجيش الاسرائيلي من المنطقة الامنية في جنوب لبنان, قد جرت دون اخطاء تقريبا وبأسلوب منظم في الجانب الاكبر منها. وفي اطار هذه العملية تم اخلاء مئات الجنود والعتاد والاسلحة خلال ليلة واحدة وتحت جنح الظلام بدون فقدان رجل واحد. وفي اعقاب التفكك السريع لجيش لبنان الجنوبي, قام الجيش الاسرائيلي بنقل قوافله العسكرية فوق طرق معدة خصيصا لهذا الغرض باستخدام جسر للمدرعات فوق نهر الليطاني لتجنب كمائن حزب الله على طول الممرات الجبلية المعروفة. وقام مرشدون خاصون وعلامات اضاءة خفيفة بمساعدة السائقين الذين يستخدمون معدات للرؤية الليلية لتلمس طريقهم في الظلام الدامس. وفي الاجواء ابقت المروحيات القتالية والطائرات النفاثة حزب الله مشغولا برده على مصادر النيران التي حاولت التشويش على سير عملية الانسحاب. وبحلول فجر الخامس والعشرين من مايو, كانت عملية الانسحاب قد اكتملت وعبر اخر جندي اسرائيلي الحدود الى اسرائيل. وبخلاف بعض التقارير التي نشرت في وسائل الاعلام المحلية والدولية, فإن الجيش الاسرائيلي قد خطط على ما يبدو لكل طارىء: فعملية (افق جديد) وضعت تصورا لانسحاب منظم بموافقة سوريا مع دخول الجيش اللبناني للمنطقة التي يتم اخلاؤها والمسماة اسرائيليا بالمنطقة الامنية, اما عملية (فجر الصباح) فقد توقعت انسحابا سريعا تحت وابل من النيران في حين ان عملية (الروح المعنوية) تم التخطيط لها تحسبا لوقوع اسوأ السيناريوهات والذي تتفكك فيه ميليشيا جيش لبنان الجنوبي كليا وتدفع الى انسحاب فوري للجيش الاسرائيلي, وهي العملية التي تم تنفيذها نهاية الامر فعلا. وتواجه القوات الاسرائيلية التي نشرت على طول الحدود مع لبنان مستقبلا غامضا, والسؤال الرئيسي الذي يواجه الجيش الاسرائيلي هو: كيف يحافظ على قوة ردعه في عيون اعدائه؟ فعلى الرغم من الانسحاب, الا ان الجيش الاسرائيلي لم يفقد قدرته العسكرية ولا يزال يعتبر القوة الاكبر في المنطقة. بالتأكيد, هناك وضع جديد تم ارساؤه. اذ في ظل اعادة انتشار القوات الاسرائيلية على طول الحدود المعترف بها دوليا, فإن اي انتهاك لسيادتها سيتم اعتباره عملا حربيا مع كل ما يقتضيه ذلك من عواقب. وعلاوة على ذلك, فإن سوريا نفسها قد تخضع الآن لضغوط بسبب وجودها العسكري المتواصل في لبنان وحيث انه لم يعد لاسرائيل قوات في الجنوب. وقد تخضع اتفاقية الطائف التي تمت بوساطة من الجامعة العربية في عام 1989 لتحد جديد, وقد يكون لهذا الامر عواقب عسكرية واقتصادية وسياسية خطيرة بالنسبة لدمشق في لبنان. وقد يكون للمعضلة السورية اثارها على اية مفاوضات مستقبلية مع اسرائيل. ومن المرجح ان تقوم الحكومة اللبنانية, لمصلحتها الوطنية الخاصة, بنشر قواتها في الجنوب عاجلا ام آجلا لتجنب بروز فراغ هناك تعمل فيه قوات غير نظامية خارج نطاق سيطرة الحكومة المركزية. ولا يمكن لمهمة قوة طوارىء دولية معززة في لبنان إلا ان تكون مؤقتة بطبيعتها ومحدودة بتأثيرها. اما بالنسبة لاسرائيل فتبقى هناك المشكلة المتعلقة بكيفية نشر قواتها على طول الحدود. وهناك خياران اساسيان امامها. يتصور الخيار الاول استئنافا للأعمال العدائية. وفي هذه الحالة, ومع الاخذ بعين الاعتبار ان القيود الطبوغرافية لا تسهل عملية الدفاع, فإن الجيش الاسرائيلي سيواجه مهمة صعبة. فالعديد من المستوطنات المدنية تقع في مرمى الاسلحة الخفيفة وقذائف الهاون ونيران الاسلحة الموجهة المضادة للدبابات من مواقع مرتفعة على الجانب اللبناني من الحدود. وسيكون اقامة خط من المواقع المحصنة حلا سيئا كما تبين في معظم ظروف الحرب ضد رجال المقاومة ومثل هذه القواعد لا تعمل سوى على استقطاب نيران العدو وتؤدي في اغلب الاحيان الى تبني عمليات (سلبية) . وعلى نحو بديل, اذا ساد الهدوء وتولت القوات الحكومية السيطرة على الجانب اللبناني من الحدود, فإن اسرائيل ستبذل جهدها لاعادة الثقة بقوتها العسكرية وتعتمد على تبني خط عسكري مضاد للاختراق. اذ باستخدام معداتها المتطورة, يمكنها تثبيط عزم العناصر المعادية باستخدام سلسلة من التحصينات تهدف الى الاعاقة والتحذير المبكر والتدمير, ان اقتضت الضرورة, ضد اي محاولة للتسلل. ويقدم المشهد الحالي امكانية للهدوء واحتمالا بوضع حد لدوامة العنف التي ميزت الواقع السياسي لجنوب لبنان طوال 22 عاما مضت. ويبدو ان حزب الله قد وعى هذه الحقيقة من خلال تشجيعه لآلاف المدنيين بالعودة الى قراهم واستئناف حياتهم الطبيعية. واستئناف الاعمال العدائية مع الاسرائيليين من شأنه ان يقوض احتمال تصويت جمهور الناخبين هؤلاء لحزب الله في انتخابات اغسطس المقبلة. واذا مارغبت اسرائيل بتأمين حدودها الشمالية والتأكيد على قوة ردعها, فعليها ان تحافظ على النهج الحالي من الاستقرار السياسي في ظل حكومة باراك وان تؤمن الاستثمار الهائل المطلوب لاقامة افضل البنى التحتية الدفاعية على طول حدودها مع لبنان واي خطأ في ذلك قد تكون له عواقب بعيدة الاثر. عن (جينس فورين ريبورت)